أمسية ثقيلة
الظلام يخيم على البلدة، وخوار البقر يأتي من بعيد يبدد السكون المطبق على المزارع والأحياء، والنسيم يداعب أوراق الأشجار فتستجيب له بنغمة ناعمة رقيقة وهي تتماسك حذرة من التهاوي والسقوط ، ومع غياب الشمس والضياء بدأت الشياطين باللعب والمرح، هدير السيارات المسافرة على الطريق العام يقطع تلك الأنشودة المتموجة بين الحين والآخر. هذه هي الحانات البسيطة والموسيقى الريفية تخرج من جدرانها تستقبل زبائنها من المزارعين ومن الطلاب، أمست القلوب متلهفة تنتظر انطلاقة الفجر الجديد لتعود الأمور إلى مجراها وتنام الشياطين عن لعبها الخفي.
مضت ثلاث سنوات وهو في هذه البلدة الجميلة الهادئة في شمال ولاية يوتا الأمريكية، يشق طريقه شقا لنيل شهادة جامعية يستطيع من خلالها العمل وفتح بوابة إلى المستقبل بخطوات ناجحة، أبواه يقطعان الطعام عن نفسيهما لينال هو قسطا من المال يعينه على إكمال الدراسة. كان رفيق بسيطا في حياته بعيدا عن التعقيد والكلفة الزائدة والتفكير الخبيث. يعد الأيام لينهي مرحلة الدراسة ويحمل العبء عن والده المريض الذي ناهز الستين من العمر. عرف أن الغربة مريرة ولكن في نظره كان لابد مما ليس منه بد. شعر أن الكفاح والعمل واجب عليه لينال ما أراد وخطط له، أيقن أنه من غير تعب لا يوجد أمل منشود ولا غاية تبتغى. مرت الأيام وهو غارق في دراسته بين كتبه وأقلامه في غرفته الجامعية الصغيرة، كاد كل كتاب أن يقول له كفى دراسة يا رفيق فلقد تعبت من نظراتك المتتابعة وقلمك الثاقب، فلا ينتهي آملا أن يتوج الغاية في أقصر مدة ممكنة. لم تجره المغريات الزائفة إلى هاويتها وأوديتها ، اعتبرها تافهة في ذلك المجتمع الغربي، وحوله من الطلاب الذين قلما رأى وجوههم أو جالسهم بإسهاب، هؤلاء انغمسوا في تفاهات الحياة الغربية والمادية والأهواء حسبما اقتضت الغرائز وساقتها العواطف. اختار رفيق هؤلاء الطلاب أصدقاء ليمضي قسما ضئيلا من وقت فراغه معهم ، يذكرونه بالوطن لا بأفعالهم بل بلغتهم ومظهرهم. لم يكن يفكر في علاقته معهم كثيرا فهو نادرا ما شاركهم لغوهم وأهواءهم وحفلاتهم المجنونة.
كرهه بعضهم لانطوائه على نفسه ونجاحه في طريقه، تحدثوا فيما بينهم من وراء الستار عنه وما فعله مع أحدهم ـ واسمه مجيد ـ من اللعب مع صديقته من خلف ظهره. كبرت الكلمة واتسع مجالها وأضحت محط أنظار الجميع، ثم وصلت مضخمة ومفخمة إلى صاحب الشأن مجيد بطرق مختلفة وأساليب مثيرة. طار صواب مجيد لسماع تلك الأخبار، أخذه خياله إلى صور أفقدته التركيز ، ترك اجتماع الأصدقاء على حفلة شراب وشواء، اتجه إلى غرفته في تلك الأمسية الهادئة، حمل مسدسه الذي حصل عليه من أحد أصحابه الغربيين الذي يبتاع منه المخدرات، ثم انطلق مسرعا يشق ظلام تلك الليلة تاركا أصحابه خلفه. شارفت الساعة على التاسعة مساء ورفيق جالس خلف طاولة الدراسة إلى جانب النافذة المطلة على ساحة المسكن. بدا الظلام كثيفا يحتل السهول والوهاد المحيطة بالجامعة، وكان انغماس رفيق في الدراسة كبيرا حيث الهدوء الرخيم ورونق الليل الوديع يدخل إلى الغرفة زائرا من خلال النافذة عبر أغصان الأشجار... فجأة أحدهم على الباب يطرقه بقوة وعنف قائلا: افتح يا كلب. وفي لهجته غضب واستنفار. انتفض رفيق من دراسته وقد أذهله طرق الباب العنيف والشتم باللغة العربية. فتح الباب وإذا بفوهة مسدس بالقرب من ناظريه متوجهة نحوه، جمد الدم في عروقه محاولا الابتعاد عن مسار رصاصة محتملة. لحظات وظهر له وجه مجيد المملوء بالغضب. علت وجه رفيق ابتسامة حذرة وهو يقول:
- هذا أنت يا مجيد؟ ما هذا المزاح الفظ، حسبت أن الأمر في غاية الخطورة. أخفتني يا رجل.
لم يتبسم مجيد وإنما ازدادت إمارات الغضب عليه والشر يقطر من عينيه الحمراوين شرارات طويلة ومحرقة. قال: كيف تجرؤ على معاكسة صاحبتي لتأخذها مني يا حقير، ألا تعرف من أنا؟!
اندهش رفيق من كلامه كل الاندهاش ولم يقدر على النطق بحرف واحد ، خذله لسانه وأعياه تفكيره القصير الكثيف عن الرد. أردف مجيد والمسدس يرتجف في يديه القابضتين عليه والكلمات تتنازع فيما بينها في سباق للخروج: أجب أيها الجبان الحقير، لم يعش من يخدعني، سأشرب من دمك أيها السافل.
بردت أعصاب رفيق قليلا وبشكل فجائي أو هكذا بدا ثم قال:
- لحظة.. لا أدري شيئا مما تقول ولا أريد تفسير ذلك، وليس لهذا الموضوع أساس لا من قريب ولا من بعيد، وما تفعله الآن هو من الحماقة دون مبرر وستندم على كل كلمة قلتها، ضع المسدس جانبا ولنتحدث بهدوء، أنا لا أعرف صديقتك صدقني.
ارتجف المسدس في يد مجيد وقد بدا من الغيظ على وجهه ما يكفي مائة رجل ، وجه المسدس بإحكام إلى رأس رفيق، وقال: كلامك هذا.. هذا تخريف، فأنا متأكد من حقارتك، ولن تفلت من يدي مهما اخترعت من الأكاذيب أيها اللص.. تنطوي على نفسك وتفعل الأفاعيل من خلف ظهورنا..
شق الظلام شبح يركض بين الأشجار لاهثا باتجاه غرفة رفيق. إنه صديق مجيد وصل ودخل إلى الغرفة مذعورا وهو يقول بصوت عال ومتقطع:
- توقف يا مجيد، توقف يا مجنون، إنها كذبة ووشاية، رفيق لم يفعل شيئا بصاحبتك، لم نكن نتصور أن يلبسك عفريت وتحمل مسدسا في وجهه، هل أنت مخبول؟!
كأس من الماء البارد انكب على وجه مجيد من الدهشة والخوف، وهاهو المسدس الملقم ملقى على الأرض، ودمعة تنهال على خد مجيد من الندم والأسف. أخذ رفيق نفسا عميقا وانكب جالسا فقد زال عنه كابوس مفاجئ مرعب ورحلت إلى التاريخ أمسية ثقيلة..
.. وفي تلك الأثناء كان دم مجيد مازال يتخلص من الأدرينالين الزائد والكحول ومن تأثير جرعة من الكوكائين. |