جَسَّةُ نَبْضٍ ، وَلَمْسَةُ حَنَان

PDFطباعةإرسال إلى صديق

( أوراق من دفتر الطبيب عبد الرزاق الشققي )


الإعداد والتعليق
الدكتور موفق أبو طوق
 

جميع الحقوق محفوظة

 


الكتاب : جسة نبض ، ولمسة حنان
( أوراق من دفتر الطبيب عبد الرزاق الشققي )
الإعداد والتعليق : الدكتور موفق أبو طوق
الطبعة الأولى : 1426هـ  ـ 2005 م

 

 


تصميم الغلاف
هدية من السيد حسان مراد
 

 

الإهــداء :

إلى أولادي وأحفادي ..
إلى الشباب العربي في كل مكان ..
معقد الرجاء و الأمل
لنملك ناصية المستقبل
 
 د. عبد الرزاق الشققي
 

 


الدكتور عبد الرزاق الشققي

• من مواليد مدينة حماة ـ سورية ـ عام 1928 .
• طبيب متخرج من جامعة دمشق ـ كلية الطب البشري ـ عام 1959 .
• مختص بالتوليد والأمراض النسائية ، وما زال حتى اليوم يمارس مهنته الطبية في مشفاه الخاص بحماة .
• وزير صحة في الجمهورية العربية السورية عام 1963 .
• عضو في مجلس الأمة إبان قيام الجمهورية العربية المتحدة .
• نائب في مجلس الشعب السوري عام 1971 .
• نقيب سابق للأطباء البشريين ، ورئيس سابق لجمعية المولدين النسائيين في سورية
• مؤسس ورئيس سابق لفرع منظمة الهلال العربي السوري في حماة .
• له حضور فعال في المجالات العلمية ، وإسهامات متميزة في الأنشطة
الثقافية والاجتماعية .
• كان وراء العديد من المشاريع الحيوية التي تم تنفيذها في حماة ، وكانت له أياد بيضاء لا تنسى على تلك المدينة .
 

 

 

 

 

 

 


الدكتور عبد الرزاق الشققي يلقي محاضرته في أحد المؤتمرات العلمية
 
بين يدي الكتاب

بقلم : الدكتور موفق أبو طوق

ما عرفته إلا قارئاً يقرأ ، أو كاتباً يدون ، او محاضراً يلقي .. وما رأيته إلا طبيباً يداوي ، أو حكيماً يعالج ، أو ناشطاً يسعى إلى نهضة مدينته ، ورفعة وطنه ، وعزة أمته .. وكنت أتساءل بيني وبين نفسي : أما آن لهذا الفارس أن يترجل ، أما آن لهذا المحارب أن يلتمس الراحة ، أما آن لهذا المسافر أن يجد المحطة التي تخفف عنه عناء الترحال والتجوال ؟! .
فالسنون تمر ، والعمر يمضي ، وهو .. على ما هو عليه : عمل دؤوب ، ونشاط مستمر ، وجريٌ لا ينقطع وراء العلم والمعرفة والثقافة !. لم تثنه (السبعون ) عن عزمه ، ولم يمنعه ( ما بعد السبعين ) عن متابعة مسيرته ، ولم يقف ( قلبه المجروح ) حائلاً دون السعي إلى أهدافه !. كم من مرة اتصلت به فقيل لي إنه في المركز الثقافي أو اتحاد الكتاب العرب ، وكم من مرة مررت ببيته فأنبؤوني بأنه مسافر خارج المحافظة لحضور مؤتمر أو للمشاركة في ندوة ، وكم مرة جئت إلى مشفاه فاعتذروا عن استقباله لي ، لأنه في غرفة العمليات ، يشرف على ولادة إحدى مريضاته !!..
نظراؤه في السن .. يلتصقون بالبيت ، ينشدون فيه راحة الجسم وهدوء البال، أمامهم شاشة التلفاز ، يقلِّبون المحطات ، ويتنقلون من قناة إلى قناة ، وحولهم أولادهم وأحفادهم يتسارعون إلى خدمتهم وتأمين طلباتهم وتلبية رغباتهم .. زميلنا الدكتور عبد الرزاق الشققي من طينة أخرى ، طينة تخالف الطينة التي جبل عليها أولئك الكبار في السن .. كان يقول لي : إن حياتي هي عملي .. ولا حياة من دون عمل .. هذا هو شعاره في هذا العمر ، وفي كل عمر !!..
• كانت مقالاته العلمية موزعة هنا وهناك ، وأبحاثه الصحية و الاجتماعية مبعثرة في كل مكان ... بعضها ألقي في ندوات علمية ، وبعضها نوقش في مؤتمرات طبية ، وبعضها نشر في مجلات اختصاصية أو في دوريات ثقافية عامة .. وإذا استثنينا ما نشره زميلنا الأديب نزار نجار في كتابه ( عبد الرزاق الشققي ـ رجل الطب والثقافة والوطنية ) ، فإن الغالبية العظمى من أبحاثه لم تُنشر بعد بين دفتي كتاب واحد ، وقد كان لي اقتراح بأن لا نكتفي بسبعة أبحاث فقط في الكتاب المذكور ، بل نفسح المجال لعشرات الأبحاث التي كتبها الدكتور الشققي في مجالات شتى ، ولكن يبدو أن لزميلنا نزار و جهة نظر أخرى فرضتها طبيعة العمل و حجم الكتاب الذي حرره .
وقد كررتُ اقتراحي غير مرة على مسامع الدكتور الشققي ، ويبدو أنه قد اقتنع أخيراً بضرورة جمع أبحاثه و مقالاته ، خشية عليها من التلف و الضياع أولاً ، وتعميماً لفائدتها لدى الخاصة والعامة ثانياً ... فكان أن وضع بين يديّ أرشيفه الخاص ، وملفاته المتنوعة ، عندما بدأت عملية البحث والتنقيب ، وجدت عشرات الصحف والمجلات ، ومئات الأوراق والمستندات ، وأعداداً لا تحصى من الصور التذكارية والتوثيقية والتوضيحية .. وقد كان من بين الأبحاث أبحاث لم تنشر و لم تُلْقَ بعد ، وأبحاث لها بداية لكنني لم أفز بنهايتها ، وأبحاث منشورة في أعداد قديمة جداً من الدوريات المحلية والعربية ، وأبحاث فلسفية و سياسية لا علاقة لها بقضايا الصحة على الإطلاق !.
 وبعد مراجعة متأنية للمحاور التي تدور حولها تلك الأبحاث ، وجدت أنه من الأفضل أن يطبع ما تم اختياره ضمن كتابين ، الكتاب الأول يحتضن المقالات والأبحاث التي تهم العامة قبل الخاصة ، وجمهور الناس قبل جمهور الأطباء ، فهي قد كتبت بأسلوب مبسط ولغة متداولة ، وتضمنت معلومات قيمة تدخل في نطاق التوعية الصحية والثقافة العلمية العامة .. أما الكتاب الثاني فيحتضن ما ارتفع مستواه العلمي قليلاً ، وتعقدت معلوماته وطروحاته بعض الشيء ، لذا فإن الأطباء ، أو العاملين في الحقل الصحي ، أو المهتمين بهذا النوع من المواضيع .. هم الأقدر على متابعته ، والأجدر بفهم لغته العلمية العالية .
• وربما علينا أن نوجه الأضواء إلى الأسلوب الذي ينتحيه الدكتور الشققي في بحوثه ومحاضراته ، والذي يتميز بالنقاط التالية :
1 ـ يغوص الدكتور الشققي في أعماق الموضوع الذي يختاره مادة للبحث والدراسة ، ويلتزم بالمحاور العلمية التي تنضوي تحت المعاني الحقيقية للعنوان العريض الذي يضعه ، كما يتحاشى الإسهاب في الأحاديث الثانوية التي لا تتعلق كثيراً
بهذا العنوان .
2 ـ يختار المواضيع التي تكون أكثر التحاماً بالواقع اليومي ، و يتعامل مع المضامين التي تلامس حياة الناس دائماً ، لذا  كانت القضايا التي يطرحها تجذب جمهوراً كبيراً من القراء و المستمعين ، سواء أكانوا من عامة الناس ، أم كانوا من أصحاب الاختصاص .
3 ـ تتميز بحوثه التي يقدمها في إطار التوعية الصحية ، باللغة الأدبية الماتعة ، والأسلوب التوجيهي الشائق ، وهو كثيراً ما يستعين بآيات كريمة أو أحاديث شريفة أو أمثال عربية أو أبيات شعرية أو أقوال حكيمة قديمة .. ترفد معلوماته العلمية بمزيد من التوكيد و التوثيق .
4 ـ يحاول أن يوافق ـ في محاضراته ـ بين التأثير الصوتي و التأثير المرئي ، وتكون هذه المحاضرات غالباً مرافقة لصور مبثوثة عبر أجهزة عرض خاصة جهزت بعناية لتكون سنداً للكلمة المسموعة .
5 ـ هناك نهج عام يلتزم به الدكتور الشققي في كثير من بحوثه ، فهو يبدأ بمقدمة تلفت الانتباه ، وتثير في القارئ أو المستمع نوعاً من التشويق إلى متابعة مابعد المقدمة ، ثم ينتقل إلى طرح المعلومات التي يحاول توثيقها بأرقام و بيانات ومشاهدات وصور ، وبعد أن يعطي الموضوع حقه من الشرح والتفصيل والإيضاح، ينتقل إلى خاتمة قصيرة قد تكون تساؤلا يبحث عن جواب ، أو حلاً يحتاج
إلى تنفيذ ، أو مبادرة ترنو إلى إتمامٍ ومتابعةٍ ، أو ملخصاً يوجز كل المعلومات
التي قدمت . 
• إن ما كتبه الدكتور الشققي ، عبر مسيرة حياته الطويلة ، يعتبر رافداً جديداً من روافد المكتبة الطبية العربية ، التي ما برحت تتطلع إلى مزيد من الكتب العلمية والمعرفية ، فنحن تواقون ومتعطشون إلى القضايا العلمية ، والأبحاث المرتكزة على الخبرة والتجربة والممارسة ، ونحن نتمنى لهذا الكتاب أن ينير جانباً من جوانب المعرفة ، في عالم ما زال ظلام الجهل مخيماً على عقول بعض أبنائه ! .. ونتمنى أيضاً أن يفسح قراؤه المجال لمعلوماته القيمة ، كي تأخذ دورها الحيوي في سلوكهم ، وطريقة حياتهم ، وأسلوب تعاملهم مع القضايا اليومية ، ومع المستجدات التي تطرأ بين حين وآخر ..
والله الموفق ..

حماة في 19 / 5 / 2005
 
 

 

 

} إنهم بهجةُ البيتِ ، و أنشودةُ العمرِ ، وزينةُ الحياةِ الدنيا .. إنهم أكبادُنا التي تمشي على الأرضِ ، ما أصعب فقدانَهم ! و ما أقسى أن يُحرَم أيُّ رجلٍ من ولدٍ يحملُ اسمه و يحفظُ ذريَّتَه ، ويرثُ قيمه النبيلة ، ومبادئه السامية !!.
كم من أزواجٍ يعانون ، وكم من زوجاتٍ يعانينَ .. و الحلُّ قد يكون قريباً ، بل أقربَ مما يتصورُه الإنسانُ .. إنه مراجعةٌ للطبيب ، و إتباعٌ لتعاليمه ، و التزامٌ بأدويتِه ومعالجاتِه .. و الباقي على الله سبحانَه ، فهو الذي يُعطي ، وهو الذي يَمنع . {
موفق

 
مشكلة العقم

العقم مشكلة طبية تحتاج إلى اهتمام ، لأنها تسبب قلقاً لزوجين لم ينجبا أو يريدان طفلاً آخر ، وإذا كان عند الزوجين طفل أو طفلان أو ثلاثة أطفال فلا اعتراض على زيادة عدد الأطفال إن استطاعا توفير الرعاية الصحية ، والتربية الجيدة للطفل القادم ، أما الأزواج الذي يعانون من مشكلة عدم الاستقرار ، فليس من العدل أن نحملهم مثل هذه المسؤولية .
والطبيب الناجح هو الذي يحدد مسؤولية الزوجين بعد الكشف الدقيق والتحاليل الطبية الكاملة
وهناك حقيقة واقعية لا بد من الإشارة إليها ، وهي أن نسبة الطلاق في الزيجات غير المنجبة ، أعلى بكثير من باقي الزيجات ، بل إن العقم من الأسباب الرئيسة للطلاق .
وللأسف الشديد أصابع الاتهام ، على الأعم الأغلب ، تشير إلى المرأة على أنها السبب الرئيس في عدم الإنجاب ،و هذا الاتهام غير منطقي ، وغير عادل ، ولا أساس له من الصحة ، إذ أثبتت الأبحاث الدقيقة الحديثة أن الرجل ـ الزوج هو المسؤول في حوالي 30 ـ 40 % من الحالات .
لقد حدثت تطورات مذهلة لها أثرها في حياة الناس فيما يتعلق بالعقم ، ففي الخمسينيات كان الطب لا يعرف علاجاً لامرأة عجز مبيضاها عن انتاج البويضة ، واليوم صار هناك الكثير من الأدوية الهرمونية التي تساعد المبيض في أداء وظيفته كاملة .
لا بد من مرور عام أو عام ونصف العام بعد الزواج الناجح ، حتى يمكن أن يقول الطبيب إن هذه حالة عدم إنجاب لدى الزوجين ( لا يصح أن نحكم على ذلك قبل مدة مناسبة ) وعندئذ يبدأ المختص في البحث عن
الأسباب والمسببات .
بالطبع ، هناك حالات تستدعي سرعة البحث عن الأسباب وعن العلاج المناسب ، من دون انتظار سنة أو سنتين ، فمثلاً ، إصابة الزوجة باضطراب في الدورة الشهرية في سن مبكرة ، أو أن يكون عمرها كبيراً ، إذ ليس من المعقول بالنسبة لزوجة عمرها ( خمسة وثلاثون ) عاماً أو أكثر ، أن تنتظر عدة أعوام أخرى ، لأنها ستكون ـ من دون ريب ـ على أبواب سن اليأس .
والطبيب المختص يجري لكل زوجين غير منجبين التحاليل المخبرية والكشف الطبي مع مواصلة العلاج ، ولا بد له أن يعرف الأمراض الموروثة من الآباء والأمهات التي قد تقف عائقاً في علاج العقم .
ربما تكون الزوجة منحدرة من أسرة تتوارث إصابات معوقة غير قابلة للعلاج مع مرض تكويني آخر ، وفقدت طفلين نتيجة لهذه الأمراض الخطيرة ، في مثل هذه الحالة لا يسمح الطبيب لها أن تحمل وتنجب ، فلقد أوصى علماء الوراثة بالانتباه إلى هذه المخاطر التي قد تؤدي إلى ولادة طفل غير طبيعي .
إن نسبة الأزواج الذين يعانون من مشكلة العقم تختلف من مجتمع إلى آخر ، وفي الغالب الأعم هناك 15% من الأسر تعاني من هذه المشكلة .. مشكلة العقم التام أو النسبي .
في بريطانية مثلاً هناك حوالي مليون أسرة تعاني من هذه المشكلة ، وتحاول الجهات المختصة منذ سنوات علاج هذه الحالات ، وهناك مليون امرأة قامت بعملية الإسقاط ، إذ صار بعضهن عقيمات ، وقد ندمن على ذلك .
والطب الحديث يرفض أن يقوم طبيب مختص بمفرده بعلاج مثل هــذه
الحالات ( حالات العقم ) ، بل يشجع على تكوين فريق طبي له القدرة على المشاركة والإسهام في العلاج ، مشاركة علمية فعالة .
وركب الحضارة يسير حثيثاً إلى الأمام ، ولا مكان للرأي الفردي أو الجهد الشخصي .
ولعامل الزمن أثر فعال وهام في حل مشكلات عدم الإنجاب .
ولا شك أن النظام الدقيق واللجوء إلى تحليل بعد تحليل بروية وتبصر ، وسيأخذ ذلك زمناً غير يسير (بين تحليل وآخر ، لا يقل عن أسابيع وربما أشهر) حتى تعطي التجارب أكلها ، وتتحقق فعالية العلاج ، وبعض هذه التحاليل علاجية في حد ذاتها ..
ومن المثير بالنسبة لكثير من الحالات أن يتحقق الحمل في أثناء قيام الزوجين بهذه التحاليل وقبل معرفة سبب العقم ، أليس مدهشاً أن نعرف ذلك، ولكن تبقى المعرفة شاسعة والمجهول عظيماً .
يمكن أن نرجع هذه الظاهرة إلى أن الزوجين استرخيا قليلاً معتمدين على النظرة العلمية ، والدراسة الهادفة التي يقوم بها فريق الأطباء المختص بالعلاج ، أو أن تكون بعض التحاليل قد نجحت في تغيير بيئة الأعضاء التناسلية ، وهذا ما ساعد على الحمل ( وهذا دور الطب النفسي الذي يسهم في دفع الأمل وفتح بوابات الرجاء ) .
آفاق جديدة :
ومن الناحية التاريخية لا بد من أن نستعرض أهم المراحل التي مرت بها التحاليل والاختبارت والمعالجات من أجل عدم الإنجاب :
ـ ففي عشـرينيات هـذا القرن تنبه العلماء إلى دراسة كمية ونوعية الحيوينات المنوية عند الرجل ..
وعلى وجه الدقة ما بين عامي 1914 و 1920 تمكن العالم الطبيب روبن مع زملائه من فحص تجويف أنبوب فالوب عن طريق أشعة × ( بعد حقن مادة صنعية داخل الرحم ) أو عن طريق ترويح النفيرين داخل الرحم عبر هذه الأنابيب إلى حوض المرأة .
ـ في ثلاثينيات هذا القرن أيضاً أجرى الطبيب الانكليزي فكتور بوني أول عملية جراحية لإزالة الأورام الليفية من الرحم ومن المبيض مما أدى إلى حدوث الحمل ..
وفي الأربعينيات من هذا القرن استطاع الأطباء إجراء عمليات جراحية في الحالات الوراثية والخلقية في الأعضاء التناسلية .
ـ وفي الخمسينيات أيضاً تمكن الطبيب الفرنسي ( راول بالمر ) من استخدام منظار ( تلسكوب ) يكشف عن تجويف الحوض والبطن ، وجاء الأطباء الألمان فطوروا هذا الكشف تطويراً جيداً .
ـ وفي الستينيات وأوائل السبعينيات ، قام الأطباء البريطانيون باختراع جديد ( اللاباروسكوبي ) لرؤية الحوض ـ وقد تم تأليف كتاب علمي متميز حول هذا الجهاز الهام .
ـ وفي العشرين سنة الأخيرة قام أطباء مختصون في الولايات المتحدة الأمريكية بإجراء عمليات ناجحة تتعلق بالرحم والمبيض والأنابيب الرحمية عن طريق المهبل من دون فتح البطن .
لقد حدثت تطورات هائلة في علاج عدم الإنجاب بواسطة الهرمونات التي تساعد المبيض على انتاج البويضة وقذفها إلى الرحم ، وهذا ما يفضي إلى الحمل الكامل ..
ولم يتوقف العلماء عند هذا الحد ، بل استخلصوا هرمونات من بعض النساء اللواتي بلغن سن اليأس ، واستخدموها في مساعدة المبيض للإباضة ، وقد تؤدي هذه الهرمونات نفسها إلى انتاج عدد من البويضات تسهم في الحمل المتعدد ( التوائم ) .
وحديثاً جداً اكتشف العلماء المختصون مواد كيماوية من قاعدة المخ، تساعد الغدة النخامية في إفراز هرمونات تنساب في الدورة الدموية حتى تصل إلى المبيض ، فينتظم في أداء وظيفته على الوجه الكامل ..
 إن التطور العلمي في علاج عدم الإنجاب يسير سيراً سريعاً ومشجعاً ، والمستقبل ينبئ في كل حين عن الجديد الذي يفتح نافذة لكل زوجين غير منجبين ، فالنتائج جيدة ومتفائلة ، وأكثر من 65% من حالات عدم الإنجاب، تمكن التطور الحديث من علاجها وحقق أشياء مثمرة من خلال العيادات المنظمة . والفرق الطبية المتكاملة .
 
العقم ودور الطبيب العام

ـ إن أحد أهم الأمور التي يستطيع الطبيب العام أن يفعلها لدى التعامل مع العقم هي أخذ تاريخ دقيق ، وينبغي منذ اكتشاف تأخر الإنجاب أخذ هذا التاريخ من كلا الزوجين ، حيث يكون ذلك ممكناً .
ـ ومما يدعو للأسف أنه ما يزال هناك حتى وقتنا الحاضر بعض الذكور يرفضون هم رؤية الطبيب العام ، بينما يطلبون من زوجاتهم الذهاب ورؤية الطبيب العام والتحقق من هذا الأمر .
وفي هذه الظروف ينبغي بذل كل جهد ممكن لإقناع الرجل بالتقدم والإسهام في تاريخ الزوجين ، وفي حال عدم تحقق ذلك ، فعندئذ على الطبيب بذل أقصى ما يستطيع على أساس الدليل المقدم من قبل الزوجة .
ـ عن النقاط الرئيسية التي ينبغي على الطبيب العام البحث عنها في تاريخ المرأة هي الجراحة البطنية أو النسائية ، والاتصال الجنسي القليل غير المتكرر ،
وعسر الجماع .
أما بالنسبة للرجال فيمكننا ذكر التاريخ الماضي في التهاب الخصية النكفي ، السل أو المرض الزهري ، إضافة إلى المشكلات النفسية الجنسية ، مثل عدم الفحولة، والقذف قبل أوانه ، وقد تكون (المداواة) والأمراض ا لطبية الراهنة مهمة أيضاً في هذا السياق .

ـ مدخل إلى العلاج :
إن التصرف المبكر من قبل الطبيب العام يؤدي إلى التقليل من القلق والإحباط، فالطبيب العام يحاول تحديد الأسباب الممكنة وتقديمها ، وينبغي إعطاء الطمأنينة والنصيحة البسيطة ، ويتم إجراء بعض الفحوصات ، وإذا كانت الأعراض سلبية فعندئذ ينبغي إحالة الزوجين فقط بعد محاولة الحصول على طفل لمدة سنة ، في حين أنه مع الأعراض الإيجابية من الضروري القيام بحالة أكثر تبكيراً .
ـ ينبغي على الطبيب العام مناقشة اختبارات المستشفى المتوفرة
وخيارات العلاج .
ـ وينبغي إعطاء النصيحة بشأن البدائل الممكنة بالنسبة للحمل الطبيعي ، مثل التلقيح (AIH) ، الإخصاب في الأنابيب ، والتبني ، والدعم العاطفي مهم
جداً .. أيضاً .

الأسباب :
في المملكة المتحدة ، يقال إن العقم يصيب واحداً من أصل سبعة أزواج ، ويتوقف ذلك على تعريف العقم بأنه الإخفاق في الحمل بعد سنة واحدة من الجماع النظامي غير المحمي .
وقد تكون العدوى سبباً أكثر أهمية للعقم في أفريقيا مما هو في بقية أنحاء العالم، ومعدل العقم غير واضح الأسباب منخفض جداً .
ووفقاً للباحثين في هذه المسألة ، فإن أكثر من (85%) من النساء الإفريقيات اللواتي تم تشخيص حالاتهن كن يعانين من الإنتان كسبب لعقمهن  .
ولسوء الحظ فإن من الصعب الحصول على أرقام دقيقة بشأن أسباب العقم ، ويعود ذلك إلى حد ما إلى (أنه ليس جميع الأزواج العقيمين يبحثون عن المساعدة) .
وعلاوة على ذلك فإن بعض مراكز العقم لديها اهتمامات خاصة ، وقد يؤدي ذلك إلى تحيز في أرقامها .
وعلى أية حال فإن من الممكن إجراء تقويم تقريبي لأسباب إصابة الذكور والإناث في المملكة المتحدة .
ـ مشكلات الذكور 30 %
ـ مشكلات الإناث 30%
ـ مشكلات مختلطة 20%
ـ مشكلات ذاتية ( تلقائية ـ عفوية ) 20% .
ينبغي أن يلاحظ الطبيب العام التقسيم المتساوي بين مشكلات الذكور والإناث ، وكذلك حقيقة عدم إمكانية العثور على أي سبب لدى واحد من أصل
خمسة أزواج .

الفحص :
من الواضح أن فحص كلا الشريكين الذكر والأنثى يجب القيام به بلباقة ومراعاة للحساسية ، فالعديد من هؤلاء المرضى يعانون من قلق عميق أو مخاوف شديدة بشأن إظهار أجسادهن وبخاصة أعضاؤهن التناسلية .
ولذلك فمن المهم بالنسبة الطبيب العام أن يحاول طمأنتهم وتجنب زرع بذرة القلق في أذهانهن وأذهانهم ، فملاحظات مثل ، ذلك يبدو صغيراً نوعاً ما ، من الأفضل تفاديها .
عن السمات الرئيسة التي ينبغي على طبيب الأسرة البحث عنها لدى فحص المرأة هي الشعرانية ، الدرة ( ثرة الحليب ) ، تشنج المهبل المؤلم ، الكتلة الحوضية مثل الكيسة المبيضية أو الورم الليفي وأمراض حوضية أخرى .
أما بالنسبة للرجال ، فإنه يبحث عن أعراض نقص القندية مثل شعر الجسم واللحية الخفيفين ، القيلة الدوالية ، ضيق القلفة والمبالات التحتانية .

 
تحقيقات ممكنة :
نظراً لأن أزواجاً عديدين لهم تاريخ وفحص سلبي ، فمن الضروري دائماً إجراء تحقيقات خاصة ، فليس صعباً على الطبيب العام البدء في إجراء هذه التحقيقات بنفسه ، ويتم القيام بـ خطة للتحقيقات بسهولة إذا وضع في الذهن متطلبات أساسية من أجل الحمل الطبيعي وهي : عدد كاف من النطاف المتحركة عفوياً والإباضة والترسب الصحيح للنطاف والانتقال خلال مخاط عنق الرحم إلى قناة فالوب .
إن التحقيقات الأولية التي يمكن إجراءها في الممارسة العامة والقائمة على تلك المتطلبات الأولية هي تحليل المني ورسم بياني لدرجة حرارة الجسم القاعدية ، واختبار ما بعد الجماع POST COISATL TEST .
تحليل المني : ينبغي تقديم النصيحة للشريك الذكر من قبل الطبيب العام لأخذ عينة طازجة من السائل المنوي إلى مختبر الأمراض PATH  LAB مجمعاً في إناء معقم ذي فم واسع . وينبغي عليه ألا يجمعه في كبوت رفال ، ويجب أن تكون النتائج مثالية كما يلي :
ـ حجم المني أكبر من 1.5 ملل .
ـ عدد النطاف أكثر من 20 مليون / مل .
ـ موت النطاف < 40% .
ـ الأشكال غير السوية < 40% .
ـ لزوجة المني : لا مخاطية ( غير شبيهة بالمخاط ) .
ـ التفاعل المضاد للكربين المختلط وهو ما يسمى اختبار (MAT) : سلبي يشير إلى غياب الأجسام المضادة للنطاف .
درجة حرارة الجسم القاعدية : من المفيد جداً وضع المرأة على راسوم درجة حرارة الجسم القاعدية (BBT) وهذا يعطي دليلاً جيداً فيما يتعلق بحدوث إباضة لديها أم عدم حدوثها . ويعطي إشارة معقولة إلى اليوم الذي تحدث فيه إباضتها .
إن الـ BBT سجل يومي لدرجة حرارة الصباح الباكر ، وتظهر الحرارة الانخفاض والارتفاع ، فعلاً باليوم الدقيق ، وهو أيضاً نقطة بحث مهمة تؤدي إلى تمكين الطبيب العام من إعطاء نصيحة بشأن توقيت الاتصال الجنسي .
وعلى أية حال فمن غير المنصوح به بالنسبة للمرضى الاحتفاظ بمثل هذه السجلات لمدد طويلة من الزمن ، وينبغي أن تكون مدة ستة أشهر كافية
لإنشاء نموذج .

اختبار ما بعد الجماع :
ترتيب هذا الاختبار ليجرى في يوم الإباضة أو قبله تماماً .
ـ فحص المرأة بعد الجماع بساعتين إلى ست ساعات تقريباً .
ـ التأكد أولاً من وجود مخاط قبل الإباضة ، وينبغي أن تكون له
المواصفات التالية :
1 ـ نظيف . 2 ـ غزير . 3 ـ اللزوجة أكثر من 5 سم . 4 ـ نموذج فيرننغ على التنظير المجهري . 5 ـ ذو مظهر خلوي .
وبعد ذلك فحص المخاط من أجل المخاط المتقدم بنشاط . إن الأرقام الفعلية أقل أهمية من تلك المذكورة في تحليل المني .
خاتمة :
إن الأخذ بتاريخ جيد ـ ويفضل أن يكون ذلك من كلا الشريكين ـ أمر حيوي في تحديد سبب العقم ، ويمكن أن يؤدي المدخل الحساس والتصرف المبكر من قبل الطبيب العام .. إلى قلق وإحباط أقل .
 
 

 

 


{ يسعى الطبيب دائماً إلى ما فيه خير المريض ، وهو يحاول أن يزوَد مراجعيه بتوجيهاته وتعليماته ، التي تضمن لهم ـ بإذن الله ـ السلامة والسعادة والعافية .
وقد تكون النصيحة منذ البداية ، سبباً لاتقاء مصائب قد تحدث فيما بعد ، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بعائلة كاملة ، سيعيش أبناؤها طيلة حياتهم مرتبطين ببعضهم ، تحت سقف بيت واحد .. }
موفق
 
على طريق الصحة الإنجابية

أخطار زواج الأقارب
والكشف الطبي قبل الزواج

الزواج هو أسمى الروابط الإنسانية التي وضعتها الأديان السماوية جميعها , وصدقت عليها الأعراف ونظّمتها , والزواج كغيره من الأمور يحتاج إلى التفكير والتمحيص ووضع الأسس الصحية والسليمة التي تستقيم بها هذه الشراكة وتسلم من أي ضرر لأطرافها .
وانطلاقاً من ذلك كان الاهتمام أولاً بالاختيار المناسب الذي يتطلب مراعاة نقاط عديدة من الدين والخلق والتكافؤ الاجتماعي وأخيراً التوافق الطبي الذي لم يكن هناك اهتمام كبير به فيما مضى ، مع أنه يؤثر في استقرار الحياة الزوجية ، ويؤثر في سلامة الأطفال الذي يولدون ..
وتتضاعف أهمية هذا الجانب خاصة مع العادات والتقاليد العربية التي تشجع زواج الأقارب ، إذ يعتبر زواج الأقارب هو نمط الزواج المفضل الذي حظي بقيمة مهمة في الثقافة العربية أيضاً ، والزواج المثالي هو ذو النسب الخطي الأبوي , هو القران الذي يجمع بين ولدين أخوين ابن أحدهما يتزوج بنت الآخر ...
وقد كثر الحديث عن علاقة زواج الأقارب بالأمراض الوراثية في الذرية ، وذلك نتيجة للتطور العلمي الذي طرأ على علوم الوراثة في عصرنا الحاضر ، وما صاحب ذلك من اكتشاف للحقائق العلمية التي لم تكن مفهومة في العصور الماضية.. وترجع أهمية هذا الموضوع إلى أن زواج الأقارب مفضل في مجتمعاتنا الشرقية وذلك لأسباب كثيرة منها الرغبة في الاحتفاظ بالثروة داخل الأسرة ، وصغر السن عند الزواج وما يرافقه من عدم النضج العاطفي ، وانفراد الآباء بالقرار ، فضلاً عن عوامل أخرى ترتبط بنشوء هذه الظاهرة كالعوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مثل تعزيز الأمان والروابط الأسرية وسهولة  التفاوض على أمور الزواج وتوابعه واعتباره جزءاً لا يتجزأ من تقاليد الأسر للمحافظة على ممتلكات العائلة والميزات وبالتالي مصدر أمان اجتماعي واستقرار أسري , ولكن مثلما يورث الآباء أبناءهم الصفات الوراثية العادية كلون العينيين أو شكل لحمة الأذن ، فإنهم يورثونهم أيضاً صفات مرضية تسبب إصابتهم بعيوب وعاهات وأمراض وراثية ، ويسهم زواج الأقارب في زيادة احتمال ظهور العيوب والأمراض الوراثية التي تحملها متنحية عند الأجيال ، وذلك لأن احتمال وجود الصفة المرضية لدى الأبوين معاً وارد وكبير لصلة القرابة الموجودة بينهما ، وطبقاً لمبادئ علم الجينات فإن احتمال حمل زوجين قريبين جيناً من نوع واحد تكون مرتفعة وهذا ما يزيد من اكتساب المواليد جيناً وراثياً لمرض نادر .
ولقد أثبتت الدراسات ارتفاع معدل خطر الإصابة ببعض الأمراض الوراثية بين الأطفال من أزواج أقارب من الدرجة الأولى ، بالإضافة إلى ازدياد نسبة الوفيات بين هؤلاء الأطفال .
ويرى الأطباء أن الخطر في مثل هذا الزواج يكمن في الأمراض الوراثية التي يحمل جيناتها الزوج والزوجة معاً , ومع أن هذه الأمراض من الممكن أن لا تظهر عليهما , فلربما تورث بعد الزواج , تورث للأطفال الأبناء والأحفاد , وهذه الأمراض منها التخلف العقلي والغالكستوسيميا ومرض الكبد ( ويلسون ) إلى جانب أمراض الدم الوراثي التي تشمل فقر الدم المنجلي . وفقر دم البحر الأبيض المتوسط ( الثلاسيميا ) والفشل الكلوي , كما يعتقد أن مرض الصرع والأمراض القلبية وداء السكري تزداد في بعض الأسر وتتضاعف احتمالات توارثها بالزواج
من الأقارب .
إن النظام الوراثي في الإنسان لا يتغير , مهما حدث من طفرات وراثية , وهذه الطفرات ربما تغير بعض الصفات الخلقية إلا أنها لا تؤثر على الإطلاق في النظام الوراثي الخاص في الخلية البشرية .
 والعوامل الوراثية على الأغلب الأعم تكون إما سائدة أو متنحية , والعامل الوراثي السائد هو الذي له القدرة على الظهور والتعبير عن نفسه ، في حين أن العامل المتنحي لا يستطيع ذلك إلا إذا اجتمع مع عامل وراثي متنحٍ مماثل تماماً ، وعندئذ تظهر الصفة الوراثية التي يحملانها معاً ، وعند وجود العوامل الوراثية السائدة والمتنحية الحاملة للصفات الوراثية ، تظهر تلك الصفات في الأبناء والأحفاد ..
وطبقاً للنظريات العلمية فإن وجود مرض وراثي في أحد الوالدين ينقله عامل وراثي سائد , يكشف عن نفسه في نسبة معينة من الأبناء ولا يظهر في الآخرين , أما في حالة العوامل الوراثية المتنحية فلا بد أن تكون كامنة في كل من الأب والأم معاً ، ثم يظهر المرض في نسبة معينة من الأبناء ، بعد أن يجتمع لديهم عاملان وراثيان متنحيان ( وهذا لا يظهر فيمن ينتقل إليه عامل وراثي متنح واحد ) ..
وتجتمع العوامل الوراثية المتنحية في الأقارب في الجيل الأول بنسبة 1 إلى 8 ، وتقل هذه النسبة في غير الأقارب ، وهذا كله يؤكد خطورة زواج الأقارب في ظهور الأمراض الوراثية وخاصة النادرة منها , وإذا ما استمر الزواج بالأقارب جيلاً بعد جيل فإن العوامل الوراثية المتنحية تجتمع فيهم أكثر , وعلى سبيل المثال :
ـ إذا تزوج الرجل بابنة عمه أو ابنة خاله وكان كل منهما يحمل العامل الوراثي المتنحي نفسه لصفة مرضية أو صحية فإن 25 % من الأبناء سوف تظهر عليهم هذه الصفة و 50 % منهم يحملون العامل الوراثي المتنحي في حين
أن 25 % الباقين لا يحملون هذه الصفة .
لقد أوضح علماء الحياة والوراثة أن كل خلية ذكرية ( حيوان منوي ) وخلية أنثوية ( بويضة ) تحمل 23 صبغياً لكل منها شكل مميز ويحمل عدداً كبيراً من المورثات ( الجينات ) لا يحملها غيره , وباتحاد هاتين الخليتين يتكون الجنين الذي يحمل 46 صبغياً أي 23 زوجاً نصفها من الأب والنصف الآخر من الأم ، وبالتالي هناك عشرات الآلاف من المورثات مرتبة في أزواج تحمل الصفات الوراثية للجنين ، ويحدث المرض الوراثي إذا كان هنالك خلل في تركيب واحد أو أكثر من هذه المورثات ، فإذا حدث الخلل في مورث واحد (  لا في اثنين ) سمي المرض سائداً ، أما إذا لم يحدث المرض إلا بوجود الخلل في كلا المورثين فيسمى المرض متنحياً , ويشارك كل إنسان أخاه أو أخته في نصف عدد المورثات التي يحملها ، ويشارك أيضاً أعمامه وأخواله في ربعها , ويشارك أبناء وبنات عمه أو خاله في ثمنها , وعلى ذلك إذا كان هناك مورث معيب في أحد الأجداد فالاحتمال كبير في أن يشارك الإنسان أبناء العم أو أبناء الخال في هذا المورث ، وبالتالي فإن احتمال أن يتكون جنين مصاب بمرض وراثي متنح يزيد عند زواج الأقارب عنه في زواج الأباعد ..
وقد حذر معظم علماء الوراثة من زواج الأقارب الذي ينقل الأمراض الوراثية من الآباء إلى الأبناء أكثر مما هو في زواج الأباعد ، ومن هنا نشأت قاعدتان من قواعد علم الوراثة , هاتان القاعدتان مستمدتان مباشرة من أحاديث الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ومن معانيها الشريفة :
ـ " غربوا النكاح لا تضووا " .
ـ " تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس "
أي تزوجوا الأغراب حتى لا تضعف الذرية .
وتعتمد خطورة زواج الأقارب في نقل الأمراض الوراثية الناتجة من عاملين وراثيين متنحيين على نسبة انتشار العامل الوراثي المرضي المتنحي في المجتمع , وكلما قلت هذه النسبة في المجتمع شكل زواج الأقارب نسبة أعلى من تلك الأمراض الوراثية , وأبرز هذه الأمراض الأنيميا المنجلية الذي ينتشر في إيطالية وصقلية وكينيا، ومرض الفاقة البحرية المنتشر في مساحة واسعة من العالم تمتد من جنوب شرق آسية والهند والباكستان وإيران وأفغانستان وشمال الجزيرة العربية وحوض البحر المتوسط حتى جنوب أوربة , ومرض نقص التعظيم الغضروفي , ومرض الحويصلات المتعددة بالكلية ، ومرض زيادة الحديد في الدم ومرض عدم اكتمال التكون العظمي وضمور عضلات الوجه والكتفين ، بالإضافة إلى مرض التوتر العضلي الخلقي ، وداء الأورام العصبية الليفية وأمراض الدم الوراثية ، وأيضاً مرض النزف الدموي ومرض عمى الألوان , كل ذلك هي أمراض وراثية تحدث في الذرية وترتبط بالجنس وتنتقل إلى الأولاد الذكور بخاصة فيظهر على المرض , أما الإناث فيحملن المرض ولا يظهر عليهن ، ويمكن الوقاية من هذه الأمراض بالتخير الوراثي أي الاستشارة الوراثية قبل الزواج ، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الأمراض التي تظهر نتيجة تجمع مجموعة من العوامل الوراثية ويطلق عليها اسم الأمراض متعددة الأسباب مثل مرض السكري وارتفاع ضغط الدم وقرحة المعدة وتصلب الشرايين .
إن زواج الأقارب يشكل نسبة كبيرة من الزيجات في البلاد العربية والإسلامية وقد قدرت الدراسات المحلية والإحصاءات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 1997 أن معدل انتشار هذه الظاهرة في فلسطين هو 49 % وتكاد تكون هي النسبة الأعلى بين الدول العربية والإسلامية المجاورة ، إلا أن هذه النسبة تكاد تختفي في دول أخرى مثل دول أوربة إذ لا تزيد النسبة فيها على
1 % إلى 2 % .
وفي بعض المسوحات الطبية في فلسطين أوضحت على أن نسبة الزواج المبكر لأقل من 18 عاماً هي الأعلى بين زواج الأقارب ، وكشفت دراسة ميدانية لحالات الزواج في الكويت ( عام 1983 ) أن نسبة زواج الأقارب ارتفعت إلى 40 % ، وأظهرت هذه الدراسة أيضاً أن نسبة حدوث الولادات المبكرة وظهور بعض الأمراض الوراثية كانت أعلى في زيجات الأقارب ، وكان متوسط وزن المولود في هذه الزيجات أقل منه في زيجات الأباعد .
أما في مصر فقد بينت دراسة ميدانية أجريت عام 1983 أن زواج الأقارب يشكل 96.38 % من حالات الزواج ، فيما أظهرت الدراسات في المملكة العربية السعودية أن 73 % من حالات الاستسقاء الدماغي وأمراض الجهاز العصبي في حديثي الولادة ترجع إلى زواج الأقارب وتعدد الحمل .
كما أوضح الخبراء في كلية الطب في جامعة الملك سعود في الرياض أن الاستسقاء الدماغي يعد أحد أكثر اعتلالات الجهاز العصبي لحديثي الولادة , لأن حجم السائل المفرز من داخل تجاويف المخ والمسؤول عن تغذيته يكون أكبر من الكمية الممتصة , وهذا ما يسبب ارتفاع الضغط داخل المخ , وينتج عنه إصابة المولود بالتخلف العقلي أو عدم القدرة على الحركة أو الوفاة , وقد تبين بعد تشخيص 26 حالة أن 1.6 من كل ألف مولود مصاب بالمرض ، تشكل نسبة زواج الأقارب فيها 73 % ، وتتراوح أعمار الأمهات ما بين 18 و 40 سنة حملت 81 منهن أكثر من مرة وكانت الحالة الاجتماعية عند 45 % منهن متدنية
و 35 % منهن عادية و 12 % منهن من أسر راقية المستوى , مما يشير إلى أن زواج الأقارب وتعدد الحمل من أهم أسباب الحالات المصابة .
إن كثيراً من الدراسات والأبحاث ذات الصلة في موضوعنا يشير إلى أن هناك آلاف الأمراض تنتج عن زواج الأقارب ، ولا تزال لدينا عادات شرقية وتقاليد تطالب بزواج الأقارب ، على الرغم مما ينتج عن هذا الزواج وما يترتب عليه بعدئذ من مشكلات صحية واجتماعية وإرهاق للموارد المخصصة للقطاع الصحي ، بالإضافة إلى معاناة المصابين بهذه الأمراض .
ولا أكتم سراً إذا قلت لكم بعد مطالعة وافرة في هذا المجال :
( إن معرفة الأمراض الوراثية وحصرها ومتابعة انتشارها في الوطن العربي ، صعبة ، بل بالغة الصعوبة ، نظراً لشح المعلومات الدقيقة والموثقة عن هذه الأمراض، لذلك أدعو إلى ( إنشاء مركز صحي متطور يأخذ بكل تقنيات العصر ليرصد هذه الأمراض وينبه إلى أخطارها والوقاية منها ، وهذه مسؤولية قومية أضعها أمام وزارات الصحة العربية ) .
 إن مركزاً متقدماً يضخ المعلومات ويوثق الدراسات جديرٌ بأن يكون مرجعاً هاماً لكل الباحثين والأطباء المختصين في شرق الوطن وغربه ... )
لقد أفادت الإحصاءات العالمية أن أعلى معدلات الإصابة بأنيميا البحر المتوسط تقع في الدول الواقعة على حوض البحر المتوسط ، ويزداد احتمال مرض ظهورها بين الأطفال من أزواج الأقارب والحاملين لجينات هذا المرض ـ وكذلك أعلى نسبة للعمليات القيصرية كانت بين الأمهات المتزوجات من أقاربهن ، وأشارت هذه الإحصاءات إلى أن معدلات الوفيات بين الأطفال البالغين أقل من خمس سنوات كانت الأعلى ، بالإضافة إلى نقص وزن المولود عند الولادة .
وعلى الرغم من خطورة الأمراض الوراثية وآثارها السلبية على الفرد والمجتمع، فالوقاية منها ممكنة ، وتفاديها محتمل بشروط الوعي الصحي ، والوقاية خير من العلاج وهذه مقولة هامة .
واسمح لنفسي أن أقدم شيئاً من تجاربي وخبرتي في هذا المجال ، فأدعو زملائي الأطباء أدعو المختصين منهم إلى ( ضرورة تبني الاستشارات الوراثية قبل الزواج وقبل الحمل ، أدعو إلى نشر التثقيف الصحي فيما يخص زواج الأقارب كجزء من برنامج الصحة الإنجابية في المدارس والمعاهد والجامعات ، ودعم صناع القرار وأرباب السياسات والمؤسسات المؤثرة لبرنامج التوعية الصحية ، مع دمج هذه الخدمة ضمن خدمات تنظيم الأسرة والرعاية الأولية كل ذلك من أجل بناء أسرة سعيدة متوافقة صحياً ونفسياً واجتماعياً ) .
إن فحوصات ما قبل الزواج تساعد على التنبؤ عن احتمال إصابة الأطفال بمرض وراثي إلى حد ما ، وتقول الأبحاث العلمية الوراثية إلى أن كل إنسان ( مهما يكن عمره أو حالة الصحية ) لديه من 5 – 10 جينات معطوبة أي بها طفرة ، وهذه الجنيات المعطوبة لا تسبب مرضاً لمن يحملها لأن الإنسان دائماً لديه نسخة أخرى سليمة من الجين ، وحين يتم زواج طرفين يحملان الجين المعطوب نفسه فالأطفال حتماً سيحصلون على جرعة مزدوجة من هذا الجين ، وهنا تحدث المشكلات الصحية بحسب نوع هذا الجين ، وبما أن نوع الجينات المعطوبة غالباً ما يتشابه بين الأقارب ، فهناك احتمال كبير أن يكون أبناء العم والعمة والخال والخالة لديهم الجينات المعطوبة نفسها ، ولو تزوج أحدهم من الآخر فالخطر ماثل
للعيان لا محالة .
إن المجتمعات العربية من أبرز المجتمعات التي يشيع فيها زواج الأقارب ضمن نطاق القبيلة أو العشيرة أو الأسرة الواحدة ، لذلك أوصت جامعة الدول العربية بالفحص الطبي قبل الزواج ، وسنَّت بعض الدول العربية أنظمة صارمة لتطبيق الفحص قبل الزواج ، في حين بقيت اختيارية في كل من سورية والسعودية والبحرين والإمارات العربية ، أما في الأردن فيجبر كل من يريد الزواج على إجراء فحص طبي قبل عقد القران كإجراء تحذيري وقائي . 
والدراسات والأبحاث العلمية كلها تؤكد على ضرورة إجراء فحص مخبري للزوجين قبل الزواج ، ذلك لأن الحياة الزوجية يمكن أن تؤدي إلى إصابة أحد الطرفين بمرض معد ، في حالة كون الطرف الآخر يحمل مرضاً معيناً ، كالأمراض الجنسية أو المعدية مثلاً .
إن أهمية هذه الفحوصات تعود إلى التأكد من عدم وجود أمراض مثل التهاب الكبد الفيروسي من نوع C,B والزهري والإيدز ، وهذه كلها لا تقف عائقاً بالضرورة أمام الزواج ، ووظيفة الطبيب هي شرح واقع المرض وإمكانية العدوى وتباين وسائل الوقاية من الإصابة بالعدوى في حالة وجود وسائل فعالة .
ويرى الباحثون من الأطباء أن الفحوصات الوراثية قبل الزواج ( التي لها علاقة بالزوجين حاملي المرض ) تحدد ضرورة العلاج الجيني في حال رغبة الزوجين في إتمام الزواج ، على الرغم من وجود مخاطر في إنجاب الأطفال ( هؤلاء الأطفال سيعانون من أمراض الدم الوراثية وغيرها ) في مثل هذه الحالة سيحمل الزوجان المرض نفسه، وهناك احتمال بنسبة 25 % في إنجاب أطفال يعانون من المرض و 75 % في إنجاب أطفال لا يعانون منه حتى لو كانوا يحملون المرض إلى الأجيال القادمة ، واستناداً إلى هذه المعلومات ، وإنطلاقاً من التقدم التطبيقي في تشخيص الأمراض جينياً في الأجنة ، فإن العلم يستطيع تشخيص ما إذا كان الجنين مصاباً أو حاملاً للمرض أو سليماً بنسبة 100 % وذلك في مراحل مبكرة من الحمل ، ويترك عندئذ القرار للزوجين في إتمام الحمل أو عدمه ، وتشمل فحوصات الزواج الأمراض المعدية بالإضافة إلى إمكانية علاجية وقائية فيما يتعلق ببعض الأمراض ، ففي حالة أن يكون أحد الزوجين مصاباً بالتهاب الكبد الفيروسي من نوع B يمكن إتمام الزواج من دون مشكلات وذلك بعد تطعيم الطرف الآخر ضد هذا المرض .
إن تطبيق نظام الفحص الوراثي في قطاعات عريضة من المجتمع يساعد في معرفة وجود جينة وراثية متنحية لدى أحد الزوجين أو كليهما ، وإعطاء مشورة وراثية بعد التأكد من وجود هذه الجينات المعتلة فيما يتعلق باحتمالات نقل الصفة المرضية إلى الأطفال الذين سيولدون بعد هذا الزواج .
ومن أهم التحاليل الطبية للمقبلين على الزواج تحليل عامل الدم
الريزوس ( RH ) ، الذي يُعَدّ مهماً جداً سواء بالنسبة للأقارب أو لغير الأقارب ، وتضارب الفصائل يؤدي إلى كثير من المشكلات التي قد تنعكس على الأطفال كالاضطرابات الناتجة عن تضارب زمر دم الأم مع زمرة دم وليدها ، فحين تكون زمرة دم الأم سالبة والأم موجبة فالافتراض هنا أن يحمل الطفل زمرة دم والده ، ولكن يحدث عند الولادة أن تختلط بعض القطرات من دم الطفل مع دم الأم ، وهذا ما يؤدي إلى ردة فعل من جسم الأم الذي يبدأ ببناء أجسام مضادة للدماء الغريبة التي تسربت إليه . ولكن لا خوف على الطفل الأول الذي ولد ، ولربما يهدد الخطر الطفل الثاني ـ فتدمر خلايا دمه , لذا يمكن إعطاؤها مصلاً يقوم بتدمير أية خلايا حمر سالبة دخلت إلى جسمها من دم الطفل ، وذلك قبل أن تبدأ بإنتاج الخلايا المضادة لتفادي الخطورة المحتملة على الطفل الثاني ، أو أن يتم تغيير دم الطفل الثاني بعد ولادته .
 
*  * *
وبعد ..
إن كل ما تقدم ذكره في هذا الإطار ، يُعد فحص المقبلين على الزواج أمراً مهماً وضرورياً لتجنب ولادة أطفال معاقين أو مشوهين , يمكن أن يشكلوا في المستقبل عقبة محزنة أو عالة دائمة مؤسفة على أسرهم ومجتمعهم ، لذا لا بد أن نعمل معاً ( نحن الأطباء وشرائح الأمة كافة ) وندع أفكارنا القديمة الموروثة جانباً , ونساعد في إنجاب جيل قوي , صحيح ومعافى من كل مرض أو علة أو آفة , لأن تنشئة مثل هذا الجيل القوي هو السبيل إلى ازدهار مجتمعنا وارتقائه صحياً ونفسياً واجتماعياً وفكرياً بين المجتمعات جميعها ، ليأخذ مكانه فوق هذه الأرض ..
دعونا ننجب الأطفال أصحاء .
 دعونا نكوّن أطفالاً أذكياء ونابهين .. دعونا ندفع الأخطار عن أنفسنا وعن فلذات أكبادنا .. دعونا نعمل معاً من أجل جيل المستقبل
الواعد .. الزاهر !.
 
 

 

 

{ كثيرة هي الحكايات التي تنسج أحداثها في عيادة الطبيب ، فالعيادة قد تستقبل في اليوم الواحد عشرات المرضى ، ولكل مريض قصته الطبية ، ولكل مريض تصوراته الخاصة ، و تساؤلاته المتميزة ..
وما أجمل أن يكون الطبيب أديباً يُدوِّن ما يجري في عيادته ، ويكتب يومياته في قالب قصصي فني .. يجمع بين المتعة الذهنية
والفائدة العلمية . }
موفق
 
حكاية من عيادتي

( ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط ) :
كنت على موعد مع زميل عزيز ، وكان الموعد بعد دوامه مباشرة ، وحضرت قبل موعدي بخمس دقائق ، وانتظرت ، وفجأة سمعت حركة غير عادية ، ورأيت زميلي يخرج من حجرة الفحص إلى (التلفون) ويطلب المختبر ، وحضر فوراً مساعد المخبر ، وبعد برهة عاد زميلي وسأل في المختبر عن دم من فصيلة حددها ، ثم لاحظت تغير لون وجهه وظهور القلق على محياه وهو يكرر :
ـ ألا يوجد من هذه الفصيلة ؟ .
ثم سأله عن دم الفصيلة (O) وهي التي يمكن أن تعطى لأي مريض ، على شرط أن يكون عامل روسوس مناسباً ، وجاء الرد بالنفي، فازداد وجهه تلوناً ، وظهر الضيق على محياه ، ثم أسرع إلى الخارج ، ودعاني الفضول لأرى إلى أين هو ذاهب ، فوجدته يتحدث إلى مجموعة من أهل المريضة التي كان يطلب الدم لها وسألوه عن حالتها ، فقال لهم : المهم الآن أن تتوجهوا جميعاً إلى المختبر ، لتحديد فصيلة دم كل واحد منكم ، حتى آخذ ممن أجد دمه مناسباً لدم مريضتكم ما ينقذ حياتها ، لقد نزفت السيدة كثيراً ، وحالتها تنذر بالخطر..
ولم يكد يكمل كلماته ، حتى هرع الجميع إلى المختبر ..
ودار في خاطري ما يتم إجراؤه في البلاد المتحضرة التي تحتضن بنوكاً للدم ، ففي كل مدينة ، بل أحياناً في كل مستشفى أو مركز إسعاف ، يحفظ الدم بطريقة خاصة ، في برادات خاصة بين درجة 4 ـ 6 مئوية ، كما يسجل في بنوك الدم أسماء وعناوين المتطوعين وفصيلة دمهم وعامل روسوس ، حتى إذا احتاج جريح أو مريض إلى دم من أية فصيلة ، أمكن وصول هذا الدم إليه في الوقت المناسب .
ولحق بي واحد من أقارب المريضة وسألني :
ـ ماذا يحدث لها إذا لم يجدوا فصيلة الدم الملائمة .
قلت : تكون عندئذ كالطائر الذبيح الذي ينزف دمه ، حتى درجة تنـزف
منها حياته .
قال : وكيف ستؤول حالة من يقدم الدم .
فأجبت : إن كمية الدم التي تأخذها من المتطوع كمية صغيرة بالنسبة لما
عنده ، ويكفي أن أذكر لك :  إنه في كل بنوك الدم في العالم ، لو كانت صحة المتطوعين تتأثر ، لامتنع المتبرعون عن إعطاء الدم ، ولأقفلت هذه البنوك ، وهذا لا يمكن أن يحدث .
قال محدثي بفضول : وما هو الدم .. ألا تعطيني عنه فكرة ؟
قلت : الدم في الجسم ماء الحياة ، وهو السائل الأحمر الذي يجري في أوعية الدم المختلفة في جسمنا ، إذ يدفعه القلب إلى الشرايين ثم إلى الشعيرات في أجزاء الجسم ، ناقلاً الأكسجين بوساطة مادة الهيموجلوبين الموجودة في كريات الدم الحمراء ، والماء والمواد الغذائية المهضومة بوساطة البلازما ، وذلك إلى خلايا الجسم المختلفة ، لتعيش وتنمو وتؤدي وظيفتها ، ثم يعود إلى الشعيرات إلى الأوردة .. إلى القلب محملاً بثاني أكسيد الكربون الناتج عن عمليات الاحتراق ، ليطرد ـ في دورة الدم الصغرى ـ إلى خارج الجسم ..
الدم هو الذي يحارب الجراثيم بوساطة كرياته البيضاء ، وبوساطة ما يحمله من مادة مضادة للميكروبات أو لسمومها .. وللدم دور أساسي في حفظ حرارة الجسم، إذ يوزع الحرارة على مختلف الأعضاء، حتى تبقى دقات القلب ، وتدفع الدم إلى الشرايين ثم إلى الشعيرات ومنها شعيرات الجلد ، فيزداد نشاط غدد العرق فيتبخر منها الماء ممتصاً الحرارة من ا لجلد ..
قال محدثي : وتقل الدم كيف يكون ؟
قلت : إن فكرة نقل الدم قد نشأت منذ زمن بعيد ، ففي عام 1665 نقلوا دماً من كلب إلى آخر ، ثم نقلوه من حيوان إلى إنسان ، فوجدوا أن هذا يقتله ، فعندئذ بدؤوا ينقلون من إنسان إلى إنسان آخر ، فوجدوا أن دم الجنس البشري ينقسم إلى أربعة فصائل أساسية هي : آ ، ب ، أب ، . A , B , AB , O ولهذه الفصائل فصائل فرعية .
هذا بالإضافة إلى أن دم الإنسان نوعان بالنسبة إلى عامل روسوس
( إيجابي وسلبي ) .
ووجد العلماء أن الأشخاص الذي تتماثل دماؤهم في الفصيلة والنوع ،
لا يؤذيهم أن يتبادلوا الدماء ـ وهذا هو المقصود بكلمة الدم المناسب .
ولكن الأذى ، كل الأذى ، أن يحقن الإنسان بدم يخالف فصيلة دمه أو نوعه.
وسأل محدثي : أليس هناك خطر على المتبرع بدمه أو على المريض .. في حال أخذ دم شخص آخر قد يكون مريضاً ؟
قلت : لقد جرت العادة أن تكون هناك في كل بلد متحضر بنوك للدم ، يذهب إليها المتبرعون ليسجلوا أسماءهم وعناوينهم ، فيفحصون فحصاً طبياً دقيقاً : القلب ، الجهاز الدوري، ضغط الدم ، الجهاز التنفسي ـ ليتأكد المسؤولون من مدى صلاحية الجسم لإعطاء الدم ، ثم يُفحص الدم فحصاً مخبرياً كاملاً لمعرفة فصيلته ، وللتأكد من خلوه من الأمراض المعدية كالزهري والملاريا والإيدز والتهاب الكبد وغيرها ..
ويُسأل المتبرعون عن الأمراض السابقة ، فإذا ثبت أن الدم خال من الأمراض المعدية  ، قبل المتبرع وأعطي بطاقة برقم خاص ، وصار تحت طلب بنك الدم  في أية لحظة ، وعادة يكون في بنك الدم كمية احتياطية من الدم محفوظة بطرق فنية خاصة في برادات خاصة ، وتشمل هذه الكمية كل فصائل الدم لتكون تحت الطلب في الحالات المستعجلة جداً ، على شرط ألا يستعمل هذا الدم بعد مدة محددة أقصاها ثلاثة أسابيع للدم الكامل ..
وعملية أخذ الدم من المتبرع تستغرق أقل من خمس دقائق ، ولا غنى عن بنك الدم في السلم والحرب ..
قال صاحبي : كيف تعوض الكمية بعد ذلك ؟
قلت مبتسماً : إن وزن الدم في الجسم يساوي 1 × 13 من وزن الجسم ، فمثلاً 5 كغ دم في الرجل الذي يزن 65 كغ ، وبصورة عامة تقدر كمية الدم بالجسم بحوالي ستة ليترات في الرجال وتقل عن ذلك قليلاً في النساء .. وفي الحالة الطبيعية يعوض الجسم ما أخذ منه في أقل من ستة أيام ، ولذلك لا تظهر أية أعراض على من يؤخذ منهم الدم ، ولا تتأثر صحتهم على الإطلاق .

*  *  *
جاء من يقول : إن حياة المريضة قد أنقذت ببضع قطرات من دم متبرع ، وأن الفرح قد حل في القلوب ..
وحين حاولت أن أعرف من هو ذلك المتبرع .. كانت المفاجأة أنه هو نفسه محدثي الذي كان يلاحقني بأسئلته الطويلة ، وشردت بي الخواطر من جديد .
إن بنك الدم الذي هو من الأهداف الإنسانية للهلال الأحمر ، لا يمكن الاستغناء عنه .. في السلم والحرب .
وإن التبرع بالدم ، هذا العمل الإنساني ، يعتبر من أصعب مواقف العطاءات الإنسانية ،و في الوقت نفسه أنبلها .. ولعل عدم المعرفة الكافية بأهمية الدم ، وبالتالي أهمية التبرع به لإنقاذ المحتاجين إليه ، لعل ذلك هو السبب المباشر لخوف بعض المتطوعين وترددهم في التبرع بالدم .
وتبعاً لذلك فإن الجهد الذي تبذله لجنة بنك الدم ، لا يقتصر على حثّ المواطنين على التبرع ، بل توضيح وشرح العملية ، للعمل على إزالة القلق والخوف الموجود عندهم من التبرع بالدم ،و هذا يأتي عن طريق الندوات والنشرات العلمية وبعض الأحاديث في الصحافة والتلفزيون والإذاعة ، وكذلك عن طريق تشجيع المتبرعين أنفسهم .
 

 

 

} الحمل الطبيعي ، هو حركة هذا الكون ، هو سنة الله في خلقه ، هو الوسيلة التي يتكاثر بها البشر منذ أن حملت أمنا حواء بقابيل وهابيل قبل آلاف السنين ، إلى يومنا هذا الذي بلغ فيه عدد البشر رقماً لا يكاد يصدق !.
وللحمل مشكلاته التي تصاحبه ، ومضاعفاته التي ترافقه ، وعلى الحامل أن تدرك جيداً ما يحيط بها وبجنينها من مخاطر ، ولعل مراجعة الطبيب و الالتزام بتوجيهاته ، يزيح هذه المخاطر جانباً ، ويفتح الباب على مصراعيه أمام ولادة سليمة لا خوف منها على الإطلاق ..
على الأم الحامل أن تنجو بنفسها من مضاعفات حملها ، وأن تبتعد عن كل ما يؤثر سلباً فيها و في جنينها كالتدخين و ما شابهه ، وعليها أيضاً أن تتحاشى كل ما من شأنه أن يكون سبباً في إجهاضٍ قد
 لا تحمد عقباه ! . {
موفق

 
كيف تنجو الأم من مضاعفات الحمل ؟

إن الحمل ـ بالنسبة لمعظم السيدات ـ تجربة مثيرة وجديدة ، ولعلها أهم حدث يعترض المرأة في حياتها .. فمنه الحياة المتجددة التي تصل سلسلة الأمهات بالأبناء ، وإن رؤية الطفل وهو يشهق شهقة الحياة ويستقبل لأول مرة الدنيا وما فيها ، تعد تجربة رائعة تنسيها عذاب أيام الحمل ومشقاته .
ولكي يكون الطفل معافى ، ينبغي على الحامل ـ الأم ـ أن تتعلم التعامل مع المولود الجديد ، وأن تجنبه المشكلات المرضية التي تصيبه وتصيبها .. فالمرأة ـ الأم ـ تكتشف كل يوم جديداً ، عندما تدقق النظر في وليدها الجديد .. ولكن لا بد من أن تعرف أيضاً ما يمكن أن تتعرض له أثناء الحمل ، وما مشكلات هذا الجنين ، لذا من الضروري ـ على كل حامل ـ أن تجري فحصاً دورياً خلال أشهر الحمل .
وعلى هذا سنلقي نظرة سريعة على مرحلة البدايات :
إن إخصاب البويضة بالحوين المنوي في قناة فالوب ، يدفع هذه البويضة نحو الرحم حيث مستقرها ، وهذا في الوضع الطبيعي .
فخلال الثلث الأول من الحمل تظهر الأعضاء الرئيسية للجنين إلى الوجود، إنها مرحلة التكون ، وهذا ما يوضحه التصوير بالأمواج فوق الصوتية حوالي الأسبوع الثاني عشر من بدء الحمل ، إذ يبدو للعيان ( خلال الصورة ) قلب الجنين والنشاط الرئوي وبدايات تكون العمود الفقري والأطراف الأربعة والدماغ وبدايات تكون الأمعاء .
أما في الثلثين الأخيرين من فترة الحمل فالأعضاء الأساسية تبدأ مرحلة الاكتمال ، ويتجلى المظهر الخارجي للجنين نامياً ، وبين الشهر الأول والشهر التاسع من الحمل يتطور طول الجنين من خمسة مليمترات إلى خمسين سنتمتراً تقريباً ، بفضل وجود المشيمة والحبل السري ، إذ يشكل منطقة تبادل بين الأم والجنين ، فيدخل الأوكسجين والعناصر اللازمة لحياة الجنين ، وتخرج البقايا الغذائية نحو دم الأم ، إنها مرحلة دقيقة ومعقدة ، فالمشيمة بتركيبها ووظائفها ومهماتها الجسيمة لا يرقى إليها أكبر كمبيوتر في العالم .
وعلى هذا .. فإن الجنين يكون محمياً بغلاف السائل الأمينوسي
والمشيمة ، ويفصل بينهما وبين جسم الرحم سائل يحميه من الصدمات ويستقبل الفضلات الغذائية .
وأثناء الولادة ينقطع هذا الغشاء أو يتمزق ، وهذا يؤدي إلى تسرب هذه المادة خارج الرحم، غير أن الطفل لا يكون مستقلاً إلا بعد أن يقطع الحبل السري الذي يصله بالأم ..  أي الطفل الوليد يصبح حراً بعيداً عن المؤثرات التي كان يستمد منها بقاءه ..
إن فترة الحمل تتراوح بين مائتين وثمانين يوماً ومائتين وسبعة وثمانين
يوماً ، وتاريخ هذه البداية للحمل تعد بالأسابيع انطلاقاً من اليوم الأول لانقطاع الطمث (العادة الشهرية).
أما الإخصاب ، فيحصل في اليوم الرابع عشر من الدورة الطمثية لدى المرأة التي تكون دورتها الشهرية (28) يوماً .. ويحسب موعد الولادة المتوقعة بإضافة /10/ أيام إلى الأشهر التسعة التي تعقب اليوم الأول من آخر عادة شهرية .. أو بإضافة أربعين أسبوعاً إلى تاريخ آخر عادة شهرية .. والخطأ في هذا الحساب عادة يتراوح بين يومين إلى سبعة أيام فقط .

ما الفحوص اللازمة للأم ـ الحامل ـ خلال فترة الحمل ؟
لقد استطاع الطب الحديث في يومنا هذا التوصل إلى أساليب حديثة من الفحوصات والتقصي للحصول على معلومات تتعلق بكيفية نمو الجنين ، وهذه الأساليب العلمية تقدم لنا فكرة واضحة ودقيقة عن سير الحمل ، والمراحل التي يتطور فيها الجنين ، والتحولات التي تتعرض لها الحامل ـ الأم ـ .
إن العناية الطبية ، وفحص الدم المنتظم ، وتحليل البول ، ومراقبة الوزن ، ومراقبة التوتر الشرياني ، يدفع بالأم الحامل إلى ضفة الأمان ، إذ يجعلها تطمئن بين الحين والحين إلى صحة حملها ، وسلامة الجنين ، وهذا عامل هام له أثره الصحي والنفسي في الوصول إلى ولادة آمنة مطمئنة ومولود سليم معافى .
في الفحص الأول ـ البدئي للحامل ـ يكشف الطبيب الناجح مخاطر الحمل بالنسبة للأمراض السابقة التي قد تكون هذه الحامل قد أصيبت بها كالسكري مثلاً ، وفرط التوتر الشرياني ، وأمراض القلب ، أما الإدمان على التدخين أو تعاطي الكحول أو الإفراط في الوزن ( البدانة الزائدة ) فهي عوامل خطرة إضافية ، يمكن أن تربك الحمل ، وتخل في تطور الجنين ونموه ..
ولا بد من أن يستقرئ الطبيب ما عانته الأم خلال الولادات السابقة ، كالقيصرية مثلاً، وأن يتعرف إلى ماضي الأم المرضي حتى يأخذ احتياطاته المناسبة في الولادة القادمة .
ومعرفة زمرة الدم ضرورية مع عامل " الره زيس " وهذا العامل ذكرتـه
مفصلاً في مقال آخر :
إذا كان دم الأم RH سلبياً ، لا بد من تحليل دم الأب ـ الزمرة وعامل الره زيس ـ وحين يظهر التحليل إيجابية دم الأب يخشى من انحلال دم المولود الجديد ، أو الإسقاط ، أو الولادة الباكرة ، أو من حصول مؤثرات دماغية للمولود الجديد ، وذلك كله يؤدي إلى حمل فاشل ، ونتائج محزنة ، وبخاصة إذا كان دم الجنين كدم أبيه إيجابياً .
غير أن الطب الحديث والعناية الطبية الأولية أوجدتا حلاً لهذه المشكلة الخطيرة ، فهناك عقاقير مناسبة تمنع حدوث مثل هذه الاختلاطات أو الاضطرابات ، والأم الحامل الواعية تدرك ذلك بمشورة طبيبها والتردد إلى عيادته أو إلى المراكز الصحية المنتشرة في أنحاء القطر .
ويمكن أن نقول : إن تسعين بالمائة (90%) من النساء اللواتي عندهن اختلاف في زمرة الدم مع الزوج ، يمررن بحمل تلو الآخر من دون
أي مضاعفات .
ولا بد من البحث عن نظام المناعة ضد مرض ( الروبيلا) أو الحصبة الألمانية وعن داء المصورات الزيفاني ( التوكسولاسموزيس ) ومصل الأمراض الجنسية (VDRL) واختبار(CMV)  حمة مضخمة الخلايا
والهربس (TORCTH) .
إن كل هذه الأمراض تؤدي إلى اختلالات في نمو الجنين خلال الأشهر الأولى للحمل .
إن الفحص بالأمواج فوق الصوتية للحامل في الأسبوع الثامن عشر من الحمل يقدم لنا حالة الجنين وحيويته ، ويعطينا فكرة عن ارتكاز المشيمة وقياس حجم الرأس وطول الفخذ لمعرفة عمر الجنين ، ويكشف لنا أورام الرحم والحمل الهاجر وموت الجنين .
أما الفحص الثاني فيجري بين الأسبوعين الرابع والعشرين والثامن والعشرين من الحمل فيقاس ضغط الدم ويفحص البول ويعرف الوزن وتقدر حيوية الجنين .
ويكشف عن عنق الرحم إذا لزم الأمر خوفاً من احتمال الولادة الباكرة ، والفحص الثالث يحدث في الشهر الثامن ، والرابع في الشهر التاسع ، والغاية من هذين الفحصين معرفة الاختلاطات الشريانية الكلوية التي إذا وجدت قد تؤدي إلى إصابة الأم بالتشنج النفاسي ( إكلاميسيا) ، والفحص الرابع يمكن أن يضم فحص الحوض لتقدير حجمه وإمكانية نزول الجنين من دون أية مشكلة ، والتصوير بالصدى يقدر ذلك لمعرفة القياسات وسلامة نمو الجنين بفحص قياس قطر الرأس وطول عظم الفخذ . وربما تتعرض الحامل ـ الأم لنزف رحمي
( وهذا أكثر الحوادث شيوعاً ) وهو من علامات الإسقاط إذ يترافق مع ألم أسفل البطن ، وحين تتعرض الحامل لإسقاطات متكررة يستحسن إجراء دراسة مفصلة لمعرفة الأسباب التي قد تكون عددية ، وربما كان لعدم استمساك الفوهة الباطنية لعنق الرحم الذي يمكن تفاديه بإجراء تطويق لعنق الرحم بعملية بسيطة تسمى ( السيروكيلاج ) ، وإذا حدث النزف بالأسبوع السابع أو الثامن من الحمل نتيجة بيضة ملقحة خارج الرحم وهو ما يسمى الحمل الهاجر ، ونكشف ذلك بالتصوير ( بالصدى ) ، فالعملية عندئذ واجبة أو لا بد من المعالجة الدوائية ، وهذه إحدى المعلومات ، باستخدام علاج يسمى ميتوتريكسات عن طريق الفم ، تحت إشراف طبي دقيق ، وهذا البحث درس في المؤتمر الأخير للتوليد وأمراض النساء الذي عقد في دمشق بتاريخ
28 / 10 / 1995 ، وقد حضرته مشاركاً ومديراً لبعض ندواته والنتائج إيجابية بنسبة 80 ـ 90 % .
إن 50% خمسين بالمائة من حالات النزف الرحمي تمر من دون أية مشكلة ، شريطة استشارة الطبيب المختص من أجل تحديد ومعرفة هوية الخلل الذي أصاب الأم ـ الحامل ..
وقد يحدث النزف بالأشهر الأخيرة من الحمل ، وذلك بسبب ارتكاز المشيمة ارتكازاً منخفضاً قرب عنق الرحم .. وعلى هذا تنتهي الولادة بالطريق المهبلي ـ وهو الأغلب ـ أو بالمداخلة القيصرية إذا لزم الأمر .
وعلى الأعم قد تصاب الحامل بنسبة 30% بالحرقة في التبول ، وهذا يدل على التهاب المسالك التناسلية ، فيتطلب فحص البول فحصاً عاجلاً ، ومما يجدر ذكره أن هذا الالتهاب إذا تطور قد يؤدي إلى تقلصات رحمية وبدوره يؤدي إلى ولادة مبكرة ( قبل الأوان ) .
إن هذا كله يبطئ في نمو الجنين ويؤثر تأثيراً سلبياً على صحة الحامل .. وفي لائحة الأمراض الخطرة خلال رحلة الحمل قد يتعرض الجنين للعدوى داخل الرحم بفعل الجراثيم وبعض الطفيليات ، ومنها كما ذكرت من قبل الحصبة الألمانية وكل أمراض (TORCH) .
وهناك ما يجب الحذر منه ، وهو أن بعض هذه الأمراض لا تشعر بها
الأم ، وإنما يكون تأثيرها على الجنين وحده شديداً .
إن 4 ـ 10 % من الأطفال حديثي الولادة قد تظهر عليهم علامات تدل على حدوث التهاب قبل الولادة ، وتأثير هذه الأمراض قد يسبب إسقاطاً أو موت الجنين داخل الرحم ، أو تشوهات خلقية تظهر بالتصوير بالأمواج فوق الصوتية ، ونسبة الكشف 95%، وهذا يتطلب فريقاً طبياً متدرباً .
وبعض هذه التشوهات تظهر بعد الولادة بعدة أشهر ، إذ تؤثر على الدماغ فيصبح الطفل متخلفاً عقلياً ( أو متخلفاً دراسياً ) .
وإن كشف هذه الأمراض يمكن أثناء الحمل بإجراء التحاليل اللازمة للأم الحامل .. والمراقبة المستمرة ، والعناية بالصحة الأولية التي تجري في المراكز المنتشرة في أنحاء القطر التابعة للدولة ، وفي المشافي المؤهلة عالمياً لهذه الغاية ، تكشف على التصوير بالصدى لبزل السائل الأمينوسي ( ماء الرأس ) في الأسبوع 18 ـ 20 من الحمل ، أو باقتطاع الزغب المشيمة عن طريق المهبل بالأسبوع السابع أو الثامن من الحمل ..
والجدير بالذكر أن ليس لهذه الآفات أي علاج إلا بالوقاية ، وذلك بالتحصين ضد هذه الأمراض وبخاصة الحصبة الألمانية على سبيل المثال ( قبل الحمل بثلاثة أشهر ) مع مراعاة القواعد الصحية ..
وبناء على ما تقدم ، فإن السيدات الحوامل كلهن يجدر بهن أن يعلمن أن نسبة الحمل الطبيعي تمثل نسبة عالية تصل إلى 95 أو 97 % من الولادات الطبيعية الناجحة .
والرعاية الصحية والطبية للحوامل في أثناء الحمل لها أثرها البالغ ودورها الفعال في كشف المضاعفات التي قد تطرأ على الحمل ، والعمل على تخفيفها مهمة ومسؤولية ، بالإضافة إلى نشر الوعي الصحي والتلقيح ، إذ يعتبر ذلك من العناصر الرئيسية ، ومن أعمدة الرعاية الصحية الأولية .
أليس هذا أمثولة في الطب الوقائي !.
 
التدخين عند النساء الحوامل

 إن دخان السجائر يحتوي على مادة مخرشة تسبب السعال وحرقة في العينين ، ومادة القطران التي ثبت علمياً تأثيرها المسرطن ، وكذلك أول أو كسيد الفحم المادة السامة و نسبتها 3 ـ 15 % ، وهذه المادة تتحد مع خضاب الدم مشكلة الكاربوكسي هيموغلوبين المصلّبة للشرايين حيث ينقص صبيب العضلة القلبية .
أما النيكوتين فهو يسبب تحرر الأدرينالين و النوردورونالين ، و هذه المادة تضيق الأوعية و من ثم ترفع التوتر الشرياني ، مما يؤدي إلى زيادة عمل العضلة القلبية عند المصابين بالتصلب الإكليلي ، حيث لا تستطيع أن تلبي حاجات الجسم والأنسجة من الأكسجين نظراً للجهد الإضافي .
أضف إلى ذلك أن النكوتين يزيد من الحموض الشحمية الحرة في الدم ، ومنه ازدياد التصلب بالشرايين وتضيق الأوعية وخاصة بالمشيمة للسيدة الحامل وعدم الانتظام بالقلب ، وهذا ما يفسر حدوث الوفيات المفاجئة عند المدخنات أحياناً ، وكذلك ازدياد التصاق الصحيفات الدموية ومنه تشكل الخثرات ، بالإضافة إلى عوامل أخرى سواء في القلب أو في الأوعية المحيطة أو الدماغية مع العلم أن النيكوتين يسبب الاعتياد . وهناك تناذر اسمه تناذر إيقاف النيكوتين syndrome المعروف عن بعض من يقفون عن التدخين توقفاً مفاجئاً و هذا يتلاشى مع مرور الزمن . بعد هذه المقدمة نقول : إن التدخين و باء اجتماعي عالمي يفتك بـ 10% على الأقل من بين جميع الوفيات في البلاد المتقدمة ، بينما القنبلة التي ألقيت على هيروشيما فتكت بما يقارب /250 / ألف شخص ، وإن أثار التدخين على الصحة العامة تبدو مخيفة ، إذا علمنا أن عشرات الملايين من الأمراض الفتاكة تجعل الحياة سلسلة متصلة من العناء بسبب التدخين و موارده الـ 4000 المتراكمة مثل الرصاص والزرنيخ والسيانور ...الخ . وسأتحدث حديثاً مقتضباً عن التدخين عند
النساء الحوامل  .

التدخين عند النساء الحوامل :
1 ـ يعرض التدخين المرأة المدخنة لتغيير شيء من جمالها ، يتجعد جلدها و تعلوه سحابة داكنة ، كما يعرض أصابعها و أظافرها للاصفرار و أسنانها للنخر  على الرغم من مساحيق التجميل ، وتعود البشرة إلى نضارتها وحالتها الأولى إذا كفت عن التدخين .
و يصبح الموقف أشد قساوة إذا كانت المرأة تستعمل حبوب منع الحمل ، إذ بعد بلوغ سن الـ 35 من عمرها لا يصح الجمع بين التدخين و استعمال حبوب منع الحمل ، فالمخاطر بإصابة أمراض القلب و الأوعية الدموية المحيطة تكون ضئيلة إلى حد ما إذا ارتبطت بتناول هذه الحبوب لوحدها . حيث تتعرض المسنات للتدخين لأخطار الأزمات القلبية بمقدار ثلاثة أو أربعة أضعاف المسرفات في التدخين اللاتي لا يستعملن حبوب منع الحمل .
2 ـ الإجهاض المبكر : إن قابلية الحمل للإسقاط تتضاعف بالتدخين في أثناء الشهور الأولى من الحمل ، إذ النكوتين يسبب انفصال المشمية عن مكان ارتكازها على جدران باطن الرحم ، والنتيجة حرمان الجنين من الغذاء و الأكسجين و بالتالي الإسقاط abortion  .
3 ـ كما أن الدراسات أظهرت أن وفيات الأجنة الإملاص still boris تزداد عند الأمهات المدخنات ، وتبلغ الزيادة في الوفيات 133% من حالات الوفيات من غير المدخنات ، كما أن التدخين بعد الشهر الرابع له الأثر الأكبر في وفيات الأجنة من جراء التدخين . كما ثبت علمياً زيادة ضربات قلب الجنين
بـ 50% من الحوامل المدخنات .
4 ـ الخداج : Premature  و هو الولادة المبكرة أو الولادة قبل الأوان ،  حيث يكون الطفل غير كامل النمو و بالتالي غير قادر على مواجهة الحياة .
هناك ارتباط بين عدد السجائر التي تدخنها الحامل و الضرر الذي يلحقه بجنينها ، وخاصة إذا كان هناك عوامل خطرة أخرى تؤدي إلى موت الجنين قبل الوضع ، كما ذكرت الدراسات في السنين الأخيرة بأن النساء اللاتي يقلعن عن التدخين عند بدء الحمل ينجبن أطفالاً وكأنهن لم يدخن من قبل على الإطلاق ، لذا يمنع التدخين في بعض البلاد المتقدمة في أماكن العمل التي بها حوامل ، و قد خطت سورية بهذه الخطوة الجريئة بعد صدور المرسوم الجمهوري بمنع وسائل الإعلام عن الإعلان لكل ترويج للدخان ، هذه الرسالة رسالة محبة لكل مواطن كي يقلع
عن التدخين .
هذا وإن المرضعة المدخنة تعرض طفلها لخطر التسمم بالنيكوتين الذي يصله عن طريق الحليب .
5 ـ تشوهات الأجنة : إن الجهاز العصبي للجنين هو أول ضحايا المواد السامة للتدخين ، ويأتي بعد ذلك القلب والعين وتقول بعض المصادر إن هناك علاقة بين التدخين و هذه التشوهات ؟؟.
6 ـ أعراض الوحام : قد تزداد عند الحوامل المدخنات ، ويمكن تصور ما يحدث مع التدخين و الحمل للشهية للطعام ، أو القابلية للأرق والمواد و غيرها
من المتاعب .
7 ـ التدخين و العقم :  هل يؤدي الإكثار من التدخين عند المرأة إلى تقليل احتمال حدوث الحمل عندها ، هذا ما سيكتشفه المستقبل و الأبحاث الجارية في البلاد المتطورة ، غير أنه من المؤكد أن النساء المدخنات يتعرضن في المدى الطويل للأمراض الآتية : النزلات الشعبية ، سرطان الرئة و الحنجرة و المثانة ، وكذلك أمراض القلب والأوعية الدماغية والمحيطة ، ومع تزايد إقبال النساء على التدخين منذ الحرب العالمية الثانية تدل الإحصائيات على زيادة ضحايا سرطان الرئة و أمراض الجهاز الدوراني من النساء المدخنات ، ففي بلجيكا يدخن 50% من الشباب في سن الخامسة عشرة ، وفي ألمانيا الاتحادية فإن 36 % من هم في فئة العمر 10 ـ 12 سنة بعدوى من مدمني التدخين ، وترتفع النسبة في إيطاليا إلى 60% ، وقد أثبتت الدراسات الأخيرة في إحدى مدن أمريكا اللاتينية أن 48 % من الرجال و18 % من النساء يمارسون التدخين ، كما أثبتت الدراسات أن عدد النساء الحوامل المدخنات انخفض بصورة واضحة في البلاد المتطورة ، بعد أن نشرت الأبحاث التي تثبت ضرر التدخين على المرأة الحامل إذا تعدى التأثير إلى الأجنة في بطون الأمهات.

المعالجة :
1 ـ الإقلاع عن التدخين : إن حاستي الذوق و الشم و العديد من الأحاسيس الأخرى المحببة للنفس تعود بعد اختفائها في زوايا النسيان عندما يقلع صاحبها عن التدخين ، ويشعر المدخن أنه كمن يدخل بيئة جديدة تماماً ، و الدراسة الدقيقة تمكننا من التحديد الدقيق للعوامل التي تحفز الناس على التوقف عن التدخين، والحوافز الدافعة إلى إيقافه كثيرة وعديدة  ، لكن الإحساس الزائد هو أن يصبح سيد نفسه مرة أخرى بالهرب من أحد أشكال العبودية ، ويوجد عدة طرق لمساعدة المرء في الإقلاع عن التدخين ، والاعتماد هو على الرغبة الصادقة للمدخن نفسه بالتوقف عن تلك العادة .
1 ـ العقاقير مثل المستحضرات التي تعد من المخدرات الموضعية ، و فيها الذاتي الذي يمكن أن يقوم المرء بتجربته بنفسه والاسترخاء أيضاً .
 
 
2 ـ الوخز بالإبر : الذي يستخدم بالصين لعلاج إدمان المخدرات حيث تستلزم تغيير طعم أو مذاق التبغ أكثر مما تستهدف معالجة عادة التدخين ، وفي بعض الدول عيادات خاصة لمكافحة التدخين ولا تزال الآلية غير معروفة ، وقد يحدث في بعض الحالات ارتداد حتى نهاية السنة الأولى حيث نجد أن 25% و 40 % فقط من المدخنين هم الذين نجحوا في التخلص من عاداتهم .
3 ـ يمكنك أن لا تدخن إلى داخل الصدر ، أي لا تدعه يتجاوز الفم ، بذلك يمتص فقط حوالي 25 ـ 30% من النيكوتين ، أما عندما يستنشق الدخان بعمق إلى الصدر فإن 90% من النيكوتين يمتصه الجسم ، كما يمكنك ترك النصف الأخير أو الثلث الأخير من السيجارة حيث يوجد فيهما تكثيف كبير من النيكوتين.
كما يمكنك ثقب السيجارة عدة ثقوب قرب الفلتر و بشكل مواز له ، من شأن ذلك أن يدخل نسبة من دون أن تمر بمنطقة الاستعمال ، وبالتالي من دون أن تساعد في حدوثه مما يمنع تكوين بعض المركبات المضرة في السيجارة .
هذا و هناك عديد من الطرق و كلها لها حظ محدود من النجاح ، عكس الطريقة التي تستعمل في الإمتناع الذاتي و الإرادة و التدريب السلوكي الهادف ، وهي أن يؤخذ الأمر بمحمل الجد ، وأن تنتقي مراقباً يتابع برنامجك مثل زوجتك أو قريب حميم ، واطلب منه مشاركتك في تدوين الملاحظات .
2 ـ و هناك قواعد صحيحة يمكن إتباعها ، وتساعد الشخص الذي يرغب في الامتناع عن التدخين و منها :
ا ـ التنفس العميق عدة مرات عندما يشعر المدخن بالحاجة للتدخين .
ب ـ ممارسة الرياضة بأشكالها المختلفة وأهمها السباحة والمشي
وركوب الدراجة .
ج ـ المنبهات والأطعمة ، والأطعمة الثقيلة يفضل استبدالها أموراً أخرى كالاستماع إلى الراديو والتلفزة .. الخ .
د ـ تجنب الأمكنة التي ترتبط بعادة التدخين قدر المستطاع .
هـ ـ قلل من المواد السكرية و الفطائر بالحلوى إذا كنت تخشى من
زيادة وزنك . 
و ـ الحصول على القدر اللازم من النوم ، والقسط الوافر من الراحة .
قد تشكو من ضيق في هذه الفترة مع صعوبة في التنفس وزيادة في التعرق ، وكلها أعراض نفسية المنشأ ، وتحصل نتيجة التحرر من عادة التدخين وكل ذلك سيزول من تلقاء نفسه .
وقد استطاع الآلاف التخلص من هذه العادة ، مع العلم أن قرار الامتناع عن التدخين قرار صعب ، خاصة إذا باءت المحاولة الأولى بالفشل ، وإن فر ص النجاح تكون أفضل كثيراً إذا ما توفرت للمدخن الإرادة والعزيمة للتغلب على عادة التدخين مرة واحدة و إلى الأبد ، وإن الثقة بالنفس هدية حياة خالية من المرض .
هذا و من المؤكد أن عدد المدخنين في السنوات الأخيرة يتناقض في كثير من البلدان المتطورة ، ففي إنكلترا انخفضت النسبة المئوية للمدخنين الذكور من 52 % 1975 إلى 45% 1980 ، في أمريكا انخفضت النسبة من 52 % 1966
إلى 36 % 1979 ، في فرنسا انخفضت النسبة من 60% 1977 إلى 50% 1980 ، في السويد انخفضت النسبة من 42 % 1978 إلى 37 % 1988 .
وعلى الأطباء أن يكونوا القدوة ، إذ أن عدداً أقل من الأطباء يدخنون الآن ، ففي بريطانيا انخفضت  نسبة معدلات حدوث سرطان الرئة بينهم تبعاً لذلك . وإن مضار التدخين باتت معروفة للجميع و الجديد في هذا الإطار هو الدراسة الإحصائية القيمة التي نشرتها المجلة الطبية العربية في عددها التاسع و الثلاثين عن المجلة البريطانية Britsh Welical Journal و تناولت هذه الدراسة الأطباء أنفسهم ممن تعودوا التدخين في ولاية كاليفورنيا في أمريكا ، حيث تم إحصاء دقيق لجميع الأطباء والطبيبات المسجلين في تلك الولاية ، وتبين أن نسبة المدخنين بين هؤلاء انخفضت من 53 % سنة 1970 إلى 10% 1990 إلى النصف ،  كما خف عدد الإصابات بالتهاب القصبات BRONCHITIS و الانتفاخ الرئوي ENPHYSEMA وحالات الربو ASHMA وخفت أيضاً نسبة الوفيات الناتجة عن أمراض القلب الإحتباسية  Heart Disease  .
والأطباء يعلمون قبل غيرهم أن التدخين يؤدي إلى اعتلال الصحة بأشكاله المتعددة ، وهم قادرون على إعلام الناس في كل لقاء بأن التدخين ليس بالعادة الحسنة ولهم الخيار في أن تكتسب أو تقصى ، وأن الإسهام الصحي في هذا الحقل تعود أرباحه الحقيقية ـ وخاصة في العالم النامي ـ إلى التحسن الشامل الذي يطرأ على المستويات الصحية .  
 

 

 

{ ما أكثر السيدات الحوامل اللواتي يسمعن كل ما يقال  ، ويصدقن  كل ما يشاع  ، من دون التأكد  من صحة  ما قيل  ، وحقيقة ماذكر .. فيتحملن آلام أسنانهن ، ويصبرن على الاضطرابات التي تتعرض لها أفواههن ، ويؤجلن العلاج والمداواة إلى أجل
 غير مسمى !! .
نقول لهؤلاء النسوة اللاتي يعزفن عن مراجعة الطبيب  :
ـ إن فحص الفم والأسنان بالنسبة للمرأة الحامل  ، أمر غير اختياري ، بل هو أمر ضروري مفروض عليها ، لأن هناك أمراضاً ترافق الحمل  و تحتاج إلى فحوص ومراقبة  ومتابعة  ، والطبيب هو الذي يحدد طرق الوقاية وأساليب العلاج }. 
موفق
 
الأم الحـامل والأسـنـان ..
كيف نحمي الأم الحامل من الآفة السنية ؟

خلق الله الإنسان في أحسن تقويم ، ولكي تكتمل الصورة الجميلة جعل له وجهاً منسجماً مبتسماً ، يكشف عن لآلئ صغيرة ناصعة البياض كلما افترت الشفتان، وتلك ميزة تفرد بها دون سائر المخلوقات .. والأسنان تتعاون مع الشفتين واللسان في أداء النطق السليم ، بالإضافة إلى وظيفتها الهامة من تقطيع الطعام وجعله سائغاً بعد مضغه ليصل إلى المعدة مُعَداً ومهيئاً ليكمل هضمه هنا ، وما من شيء يعادل حلاوة الابتسامة وجاذبيتها في وجه ضاحك بشوش يفتر عن أسنان سليمة معافاة تكسب صاحبها تألقاً وجمالاً ، وليس هناك من منظر أسوأ من فم أدرد ، أو فكين بارزين ، أو أسنان متآكلة صفراء ، أو لثة دكناء ، ليس هناك أسوأ من تنافر الأسنان وتباعدها ، والصلة وثيقة بين الفم وأمراض العين ، وأمراض الجهاز الهضمي، وأمراض الجلد ، لأن الأعضاء تتكامل بسلامتها، وتنسجم بصحتها ، فهي جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، اسمحوا لي أيها السادة أن أبدأ من مجال اختصاصي ، ولتكن المقدمة منذ حياة الطفل الجنينية ، فالأسنان تتشكل في الأسبوع السادس من الحمل ، وتباشر تكلسها في الأسبوع السادس عشر ، وعلى ذلك فالعناية بها تبتدئ والجنين في بطن أمه ، أما برعم الطاحن الأول فيبدأ بالأسبوع السابع عشر من الحياة الرحمية ، وبراعم الأسنان الدائمة تبدأ بالظهور وعمر الجنين أربع وعشرون أسبوعاُ .
إن الراتب الغذائي الغني بالفيتامينات الضرورية مثل D, C, A الذي تتناوله الأم الحامل ، مع الأطعمة الحاوية على عنصري الـ Ca والفوسفور ( وهذا موجود في الحليب ومشتقاته والخضروات والفاكهة ) يؤدي إلى سلامة العظام وإلى سلامة أسنان الطفل في المستقبل ، وفي بعض الدول المتطورة تصرف لكل سيدة حامل بطاقة تحصل بموجبها على الحليب والفيتامينات وعصير البرتقال بأسعار رمزية
زهيدة أو مجانية ..
وهنالك من الأمهات أو أزواجهن من يظن أن الحامل لا تعالج في أثناء الحمل معالجة سنية ( كأخذ صور شعاعية للسن ، أو خلع التالف من الأسنان ) ، غير أن الحقيقة ليست كذلك ، فلا مخاطر من الاستعانة بالأشعة لتشخيص مرض الأسنان ، حتى خلع الضرس التالف لا يضر بالحامل ولا بالحمل ، ( وبخاصة إذا كان في الأشهر الوسطى من الحمل بعد استشارة الطبيب المولد ) .
ولا بد من زيارة طبيب الأسنان في بداية الحمل من أجل زيادة العناية بصحة الفم خلال هذه الفترة .
إن أول سن يبدأ بالتكلس هو الضرس الدائم الأول عند الولادة ، ثم تليه الأسنان الدائمة ، وآخر سن تتكلس هي الضرس الثالث ( العقل) في السنة الثامنة من عمر الطفل ، لذا يجب أن تنصح الأم أن تمتنع عن تناول المضادات الحيوية
( وعلى الأخص التتراسكلين ) خشية أن تصاب أسنان الطفل في المستقبل ( تظهر مثلاً رمادية اللون أو صفراء ) ، فمرض الزهري الذي قد يصيب الأم يؤثر أيضاً على أسنان الجنين ، فيبدو سوء تكوين الأسنان ويصبح الميناء ناقصاً أو غير موجود في بعض مناطق السن ، وكذلك يتأثر العاج وتظهر على حوافّ القواطع أثلام مع تشويه في نمو الفك العلوي ، وسقف الحنك .
والمولود جزء من أمه ، والأم التي تؤثر السلامة تبتعد عن المؤثرات التي تشك فيها ، وما أكثر حالات ضمور الفك السفلي ( ربما لتعرض الرحم للإشعاع أكثر من اللازم في أثناء الحمل ، أو نتيجة أذى لحق بالفك بسبب عسر الولادة ، إذ يكون الوجه فريباً من شكل الطائر ) .
لقد فتحت الكشوفات الطبية أمامنا سجل الحياة ، والطريقة المثلى الحديثة هي في إصرارنا على عمل تحاليل طبية دقيقة قبل الزواج ، وهذه طريقة لا يستهان بها من أجل سلامة الأسرة ، وصحة الأبناء ، ثم لماذا نضرب عنها صفحاً ، أليس في ذلك درءٌ لمشكلات قد تحصل ، يكون فيها الأطفال هم الضحايا ؟!.
والعامل (RH) لدى المرأة له أثر كبير في العديد من الأمراض ، ومنها أسنان الجنين، ومنها كريات الدم الحمراء ، فإذا كانت زمرة دم الأب RH إيجابياً وزمرة دم الأم RH سلبياً ، فالحمل الأول يسبب راصّات ( أو مضادات أجسام ) في دم الأم سواء استمر هذا الحمل حتى الولادة أو حصل إجهاض له.
ربما لا يتأثر الجنين في الحمل الأول بتلك الأجسام المضادة وتتم الولادة بسلام، لكن تلك الأجسام المضادة ستؤثر لا محالة على الأجنة القادمة ، إذ تنتقل تلك الراصات من دم الأم عبر المشيمة إلى دم الجنين ، وتسبب تدميراً للخلايا في دم الجنين ، وهذا يؤدي إلى الإسقاط أولاً ، أو إلى اليرقان ثانياً ( فتصبح الأسنان اللبنية خضراء مزرقة أو صفراء أو زرقاء فاتحة اللون ، بسبب التصبغ الصفراوي Belpigment في أنسجة الأسنان ) ، وربما في النهاية يتأثر الدماغ وتحدث لوثة في العقل ..
حتى الماء الذي تشربه الحامل له أثر في صحة الجنين المستقبلية ، فإذا كان يحوي الفلور بما يزيد عن 1/مليون إلى 2/مليون منه ، فالأسنان تبدو مبقعة بيضاء أو صفراء أو بنية بحسب نسبة الفلور في الماء ، وإذا ما حدثت زيادة في نسبة الإصابة بالنخر السني فذلك يعود إلى تغيير في طبيعة اللعاب ولزوجته وكثافته أو من القيء المستمر الحاوي على الحامض المعدي ، وهذا ما يؤثر على الأسنان ، إلى جانب انعدام نظافة الفم وسوء التغذية ، وهذه مجتمعة تؤدي لإيجاد الظروف المناسبة
للنخر السني ..
والجنين بحاجة إلى Ca ، وإذا لم يتحقق ذلك عن طريق الدورة الدموية للأم فلا بد أن تتحلل عظام الأم فتمده بالـ Ca المطلوب ، وهنا يخشى على الأم الحامل أن تصاب بداء تلين العظام Osteomalacy .
وبالنسبة إلى اللثة والتهاباتها .. ربما تتأثر كثيراً بسبب التغيرات الفيزيولوجية في إفراز الهرمونات أو المخرشات الموضعية الفمية التي منها :
التهاب اللثة الحملي Gingits :
ففي الثلث الثاني من فترة الحمل يصبح لون اللثة محمراً كالفراولة وبخاصة عند الحواف ، ربما تتورم وتنزف بسهولة ، ويحدث ذلك بسبب الإهمال في تنظيف الفم مع سوء التغذية ، لأن الغذاء موزع بين الأم الحامل والجنين ، إذ يجب أن يكون بكميات مناسبة كماً ونوعاً ، يسد حاجة جسمها وجنينها ، ويمكن القول هنا : إن مراجعة الأم الحامل لطبيب الأسنان ضرورية في فترة الحمل ، لأنها فترة حرجة ومرحلة دقيقة من حياتها وحياة جنينها .
ومن الأمراض الشائعة أيضاً عند الحوامل ، ورم اللثة ، الذي يدعى أيضاً الورم الحملي P.Tumor وهذا يزول بعد الوضع ، أما أسبابه المباشرة فمن جراء تراكم فضلات الطعام بين الأسنان وانحصارها فيها أو تحت الجسور الصناعية والأجهزة الجزئية سيئة الصنع ، وهذا ما يساعد على تطور التهاب اللثة إضافة إلى ضخامتها حتى درجة الورم الحملي .
وعلى الأم الحامل معرفة دورها في درء المخاطر ، لأن الإهمال قد يؤدي إلى ما لا يحمد عقباه ، والاستهانة بالجزء كالاستهانة بالكل ، والأسنان هبة من الله ، ونعمة من نعمه ، فلماذا لا تكون هناك مراجعة دائمة لطبيب الأسنان وبخاصة نحن في زمن التقنية المتطورة والاكتشافات الحديثة في ميادين التخصص ، وما أجمل أن :
1 ـ تتبع الحامل الإرشادات التي يوجهها لها الأطباء المختصون فتدفع عن نفسها القلق والخوف .
2 ـ وأن تعنى بغذائها في أثناء الحمل والرضاعة ، ومن شروط الغذاء المتوازن أن يحتوي على جميع المواد الضرورية لتكوين أنسجة الجنين وأسنانه كالـ Ca والفوسفور والفيتامينات وبخاصة C,A,D وأن يكون غنياً باللحم والجبن والحليب والبيض والفاكهة والخضار الطازجة ، وينصح الأطباء المختصون : بالفلور الذي يدخل في تركيب ميناء الأسنان ويجعلها قوية ، وقوة الميناء تساعد في مقاومة التسوس والنخر .
3 ـ وأن تعلم الأم أن الإرضاع الطبيعي أفضل من الإرضاع الصناعي ، فحليب الأم لاحتوائه على مواد صممت من أجل سلامة وصحة الطفل ، فهو معقم وطازج في كل وقت ، ولا يعترض لعوامل التخزين التي تغير من طبيعة الحليب ، وهذا ما يجنب الطفل الرضيع الاضطرابات الهضمية ، بالإضافة إلى ما في الرضاعة الطبيعية من مميزات هامة في صحة الأسنان ذاتها وانتظامها وتلألئها وسلامتها .. وعلى هامش ذلك نذكر أن حليب الأم يحتوي على كميات لا بأس بها من الكريات المناعية Immune Globulin وهي iga , igm , igg وعلى خميرة ذوابة Lyso Zime تعادل 3 آلاف مرة ما هو عليه حليب البقر ، إذ أن هذه الخميرة تذيب الجراثيم وتحللها ..
وأنا أطمئن كل أم حامل أن تبعد عن نفسها الوساوس والقلق ، وأن تتعاون مع طبيب الأسنان من دون خوف إذا ما شعرت بألم في أسنانها ، وما أكثر الاعتقادات الخاطئة والشائعة بين الناس أثناء الحمل ، لقد خرجت بعد تجربة عملية وعلمية ( أجريت تجارب مراقبة مع بعض الحوامل اللواتي التقين أطباء الأسنان ) وتوصلت إلى أن العمل الجراحي ليس بالخطورة التي يتصورها الآخرون ، بل يمكن القيام به مع مراعاة ما يلي :
ـ التدخل في الثلث الأوسط من الحمل أي بين الشهر الثالث والسادس بعد استشارة الطبيب النسائي ، أما قبل ذلك فالحامل معرضة للدوار والغثيان والقيء مع احتمال 90% من حالات الإسقاط ( وهذا يحدث في الثلث الأول من الحمل مع التخدير الموضعي ) .
ـ إن الصلة الوثيقة مع الأطباء المختصين تجنب الحامل كثيراً من المخاوف ، ومراجعة مراكز رعاية الأمومة والطفولة المستمرة ، مراجعة دورية ومنتظمة ، تدفع الأخطار وتوصل إلى شاطئ الأمان والاطمئنان .. وبذلك يقضى على الظواهر الفموية المنغصة ومشكلات اللثة والأسنان ،و بالطبع هناك ملف لكل حامل لدى طبيب الأسنان لتسجيل ملاحظات دقيقة خلال المتابعة والمراجعة ، وهناك ملف آخر لدى الطبيب النسائي يرصد التغيرات والطوارئ والمستجدات فترة بعد فترة ، ومرحلة إثر مرحلة .
ولنجمل تفاصيل كل زيارة ومضمونها على النحو التالي :

1 ـ الزيارة في الأشهر الثلاثة الأولى :
ـ تغيرات فيزيولوجية في أثناء الحمل وأثرها على الأسنان والتهاب اللثة ، وما واجبات الحامل في هذه الفترة من اهتمام بصحة الفم والأسنان ، مع توثيق الصلة مع الطبيب المختص بذلك ، وتوضيح أهمية هذه المرحلة من أجل تكوين الأسنان اللبنية.
ثم ملاحظة غذاء الحامل وأهمية الرضاعة الطبيعية ، وإرضاع الطفل الوليد السوائل السكرية .

2 ـ الزيارة الثانية للحامل في الثلث الأوسط لفترة الحمل :
هذه الفترة هي أكثر أماناً واستقراراً من سابقتها ، وهناك تركيز مدروس من قبل طبيب الأسنان على صحة الفم والأسنان والعناية باللثة ، وهناك أهمية بالغة للتوعية والإرشادات بعيداً عن الأخطار ، وتكون الترسبات التي تؤدي إلى التهاب اللثة الحملي أو إلى أورام تستوجب الجراحة ..
3 ـ الزيارة الثالثة في الثلث الأخير للحمل :
ويظهر في هذه الزيارة أثر التوعية والتوجيه من قبل طبيب الأسنان المختص ، وكيفية الاهتمام بأسنان الطفل بعد الولادة وبعد مرحلة بزوغ الأسنان اللبنية ، وكيف يكون التعامل معها ، وعلينا في هذه المرحلة نبذ المعتقدات الخاطئة والتصورات المغلوطة المخالفة للعلم والحقيقة واتباع الأسلوب المثالي السليم حتى نحافظ على الأسنان اللبنية سليمة معافاة وهي لا تقل أهمية عن الأسنان الدائمة.
وهكذا نرى أن التنسيق والتواصل بين الطبيب النسائي وطبيب الأسنان ضروري وهام وحيوي على الرغم من أن هناك من يستهين بهذه النقطة الحساسة والحرجة ، وهذا التواصل حتمي يؤدي إلى صحة دائمة وسلامة أكيدة ، وإن العلم الحديث ما يزال يطالعنا بالجديد في كل يوم ، وعلى كل صعيد ، ونحن شئنا أم أبينا سائرون في ركاب هذا العلم المعاصر ، فلماذا الاستهانة بدقائق الأمور ؟ ولماذا التهاون فيها ؟ وأكرر ، إن اهتمامنا بالجزء يعني اهتمامنا بالكل ،و هذه قاعدة منطقية لها أهميتها وأثرها في بناء الحياة السليمة الخالية من المرض والوهم والقلق والخوف ، الحياة التي تستشرف الآتي ، وتسهم في بناء الإنسان الذي هو غاية وهدف ، ولعمري إن الحضارات تزدهر إذا تحققت إنسانية الإنسان ..
إن الطموحات كبيرة ، والأهداف سامية ، ونحن الأطباء كافة جنود هذه الأمة ، نسعى إلى المعرفة باستمرار ، ونهيب بأفضل الخدمات الصحية والوقائية
للناس جميعاً ..
أليس في مقولتي هذه أمثولة في الطب الوقائي ؟.

 
الإجـهــــاض
مشكلة .. وواقع ينذر بالخطر

ما من مولود على كوكبنا ـ الأرض ـ إلا سيجد له مكاناً وموضعاً ، ولعمري ما الحياة إن لم يعمرها الإنسان ، سيد هذا الكوكب ؟ ما الحياة إن لم يستمر الجنس البشري ، وتتواصل الأجيال منحاً وعطاءً ، تقدماً وبناءً .
لست أنسى ذلك اليوم الذي جاءتني فيه عروس صغيرة  ، لم يمض على زواجها نصف عام ، طرقت باب مشفاي بلهفة واضطراب ، كانت في حالة يرثى لها ، لقد حملت منذ ليلة الدخلة ، وهي لا تريد أن تصبح أماً ، لا تريد أن تتحمل مسؤولية تربية مولود ، لجأت إلى كل وسيلة لتجهض نفسها ، عبثت بأغلى أمانة أودعها الله ، استهانت بكل عرف في سبيل أن تسقط حملها ، كانت في ذروة الخطر، في ذروة الشكوى والسخط والقلق ..
وحين أجريت فحصاً دقيقاً ، وجدت أنها مصابة بالتسمم الدموي ، ومع فريق طبي من زملائي المختصين حاولت أن أتدارك الأمر ، من أجل إنقاذها ، لكن الأوان فات ، وسبق السيف العذل .
هذه حادثة أرويها لكم ، عايشتها ، ولقد مرت بي مواقف ومشاهد أضرب صفحاً عنها ، لأنها ليست مما يسر الخاطر ، فالإجهاض مشكلة لها خصوصيتها وتفردها بين مشكلات الحياة وتعقيداتها ، الإجهاض مشكلة تتصل بالجنس والأخلاق والدين والتقاليد والأعراف ، منذ القديم ، كانت الشعوب المختلفة تتقبل فكرة الإجهاض أكثر من الوقاية من الحمل باستخدام الدواء أو الوسائل الميكانيكية المختلفة ، على اعتبار أن الإجهاض إجراء علاجي يتصدى لواقع غير مرغوب فيه .. والإجهاض مفصول زمنياً عن العلاقة الجنسية واندفاعاتها العاطفية ..
كان المصريون القدامى لا يجيزون قتل الأم المحكوم عليها بالإعدام ، إذا كانت حاملاً ، حتى تضع حملها ، وكذلك فعل الصينيون .
وفي تشريع حمورابي في دولة بابل ، هناك نص يعاقب الرجل الذي يضرب امرأة ويسقط حملها .
أما أهل اسبارطة ، فقد عرضوا أطفالهم عند الولادة على كبارهم حتى يعطوهم حق الحياة ، وكان هناك من يرى أن الإسقاط وسيلة للمحافظة على
توازن السكان .
لكن الذي قرأته في عادات الشعوب وتقاليدها على مر الأيام ، لم يكن هناك من يؤيد الإسقاط أو يشجع عليه ، إلا من بعض الآراء المبثوثة ـ زمن اليونان ـ بأن يترك للنساء المتزوجات وغير المتزوجات مطلق التصرف في حملهن ، وتلك حضارتهم ـ الرومانية ـ سادت ثم بادت .. لقد صارت أثراً بعد عين ، وخبراً ، لأنهم لم يقدّروا الأمور حق قدرها .. ولم يضعوا خطر الإجهاض في الحسبان ..
إن أقدم وصف مسجل لتحريض الإجهاض يعود إلى الصينيين زمن امبراطورهم شن ننغ Shen nang وكان ذلك عام /2737/ قبل الميلاد ، لكن المصريين كانوا يقومون بتحريض الإسقاط حين يستخدمون عقاقير مصنوعة من الورق البردي وبعض الأعشاب الخاصة ، وكان لدى الرومان أساليب مغايرة ، من أدوية مسقطة يعتمد بعضها على الطرق البدائية الأكثر خطورة وإجراماً !!.
ومع هذا فالإجهاض ما زال أمراً غير نظامي ، وربما يمكن أن نعتبره أمراً إجرامياً ، وخلال القرن العشرين ، وفي بعض الأقطار من العالم ، اتسمت المواقف تجاه الإسقاط بالتدقيق الشديد ، وإعادة النظر ، وفي حالات متباينة سنّت قوانين بشأن الإسقاط الحر ..
في السويد مثلاً ، اعتبر الإجهاض قانونياً ، وكان ذلك منذ عام 1983 م ، وفي اليابان كذلك سنة 1949 م ، وفي أوربا الشرقية والوسطى منذ عام 1955 ، وفي بريطانيا منذ عام 1967 م ، أما في الولايات المتحدة الأمريكية فقد تم اتخاذ قوانين الإسقاط الحر في ست عشرة ولاية منذ عام 1967 ومن بينها الولايات الشهيرة مثل كاليفورنيا ونيويورك ، ويمكن أن نفترض هنا أن الضغوط الاجتماعية ستؤدي إلى الحد من الإجهاض واعتباره قانونياً في العديد من الولايات الأخرى ، وكذلك في بقية البلاد الأوربية .
وعليه حتى نعطي صورة متكاملة عما يجري في هذا الصدد ، لابد من دراسة متأنية ، دراسة تعيد النظر في الخبرة الطبية والاجتماعية لتلك الأمم ، لأن الإجهاض قد صار فيها أمراً واقعاً ، وحقيقة ملموسة في الممارسة الطبية .
ولا شك أن الإجهاضات العلاجية آمنة نسبياً ، ولكن عامل السلامة ينبغي ألا يبالغ فيه ، فهناك نسبة وفيات محددة مترابطة مع هذا الإجراء ، وهي في بعض الأقطار أعلى من النسبة الإجمالية الشاملة لوفيات الأمهات ، لذا كان على هذه الأقطار أن تنافس فعاليات الإجهاض في ضبط نمو عدد السكان ، وضبط النسل ، وضبط سلامة العمليات الجراحية الطبية .
إن الإجهاض قسمان :
1 ـ إجهاض جراحي : له أسبابه وموجباته الجراحية العلاجية .
2 ـ إجهاض اجتماعي : لا ضابط له ولا رقابة عليه ، وهو الأكثر شيوعاً ، وهذا الإجهاض حاصل لاعتبارات شخصية وفردية ، ليس له سبب علاجي أو تحسيني للنسل ، وهنا مجال الخطر الاجتماعي، إذ يمثل 95% من حالات الإجهاض.
لقد قدر الاتحاد الدولي العلمي للإسكان هذه النسبة بأكثر من ثلاثين مليون إجهاض في العالم ، أي لكل أربع ولادات في العالم إجهاض واحد ، وهذه نسبة عالية ، تبعث في النفوس القلق ، وتثير المخاوف ، وهناك بعض الدول الأوربية التي يفوق فيها عدد الإجهاضات عدد الولادات .. أليس هذا مرعباً ؟!.
 
لدي إحصاءات وبيانات تدعو للتأمل :
ففي فرنسة هناك إجهاض واحد مقابل ولادة واحدة ، يقولون إن هذا العدد تقريبي ، وذلك لأن ظاهرة الإجهاض بطرقها تقع بمعزل عن المراقبة الإحصائية .
في بريطانيا الإجهاضات السرية مائة ألف سنوياً ، وهذه الإحصائية منذ أول الثمانينيات ، وفي اليابان مثل ذلك .
وحين صدر قانون جديد ( في بريطانيا ) يبيح الإسقاط زاد هذا العدد زيادة مرعبة ، إذ بلغ الإسقاط 44% من المسقطات ( نساء متزوجات ) و 47 % فتيات غير متزوجات و 9% أرامل ومطلقات ، وبذلك صارت نسبة الحمل السفاح أكثر من 56% من مجموع الإسقاطات .
ويقال في تعليل انتشار هذه الظاهرة الاجتماعية : إن سهولة الطرق الفنية ، وربما مجانيتها في بعض الأحيان له أثر في ذلك ، وهناك الكثير الذين يجدون في الإجهاض سبيلاً ميسوراً ، وطريقاً آمناً للخلاص من حالات الاغتصاب عند العذارى أو الأرامل أو المطلقات ، وأيضاً عند المتزوجات اللاتي لا يقبلن على استعمال موانع الحمل ، بل يجدن الإجهاض هو الملاذ الطبيعي لتأجيل الحمل أو لتحديد النسل .
في روسيا ، هناك تشجيع على الإجهاض في حال العسر المادي ، حتى أنهم اتخذوا قراراً واضحاً يحق فيه لكل امرأة أن تجهض نفسها بالطريقة التي تريد ، ثم سمح ببيع مانعات الحمل .
وفي أمريكا تزداد كل يوم نسبة الإجهاضات السرية حتى فاقت الملايين الخمسة سنوياً .
وبالنسبة إلينا ، لا يمكن أن نعطي إحصاءات دقيقة في بلادنا حول هذا الأمر الدقيق ، لكن قوانيننا لا تسمح بالإسقاطات المحرضة للتخلص من حمل غير مرغوب فيه ، والندم في هذه الحالة يصيب كثيراً من الأمهات الحوامل اللاتي يلجأن إلى الإسقاط تحت ضغط ظروف مادية وغير مادية ، بخاصة إذا كان الحمل شرعياً .
الندم هو الشعور الإنساني الذي يرافق الأمهات وهو يفوق كثيراً من الأحيان المبررات والدوافع التي أدت لركوبهن هذا المركب الخشن .
ومن واجب زملائنا المهتمين بالقضايا الطبية والإنسانية والاجتماعية أن يتداركوا ما قد ينجم عن ذلك من مضاعفات في وقت قد لا يجدي فيه الندم ولا الشعور بالذنب ولا اللوم والتعنيف .
فالحياة يجب أن تستمر ، وهذه المشكلة لها آثارها السلبية الخطيرة ، فلا ينبغي تجاهلها ، وإلا ظلت مئات النساء تحت رحمة الاحتيال والإجرام .
وإن جذور النباتات وأغصان الأشجار وأقلام الرصاص وسنارات التريكو وغير ذلك مما يستعمل في حالات الإجهاض المختلفة ، وما ينجم عنها من أذى وخطورة كفيلة بأن تحول من تلجأ إليها إلى شلل معطل ، وإصابات
لا يحمد عقباها .
فالمهمة على عاتقنا جسيمة ، والرغبة في التشخيص للداء والدواء عمل إنساني جليل ، ونحن قبل كل شيء نريد سعادة الإنسان ،و حياة الإنسان ، ولنا من الوازع الأخلاقي ، والوازع الإنساني ، والوازع الاجتماعي الأصيل ما يدفع غوائل الجهل ، وأحابيل الشيطان ، واحتيال الأدعياء ، لا بد لنا من ثقافة صحية واعية ، ولا بد لنا من ثقافة شاملة ، فالإجهاض مشكلة ، والتسلح بالثقافة يحد من هذه المشكلة ويقلل من تفشيها ، وعلى الرغم من أن مسؤولية الإجهاض تقع على عاتق الزوجين في المرتبة الأولى ، إلا أنها في الوقت نفسه هي مسؤولية المهن الطبية ، والهيئات الصحية، والمؤسسات الاجتماعية التي تسعى إلى نشر مبادئها وقيمتها ومثلها وتوجيهاتها من خلال التربية السليمة وأجهزة الصحة العامة .
لقد تطور مفهوم التربية الصحية عبر التاريخ .. إذ لم تعد التربية الخاصة تعني توفير الوسائل والسلوكيات والطرق التي تحافظ على صحة الفرد وتعالج بها .. بل صارت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالثقافة .. ( ارتباط التربية الخاصة بالثقافة ،و ارتباط الثقافة بالتربية الصحية ) أي تنمية الوعي الصحي عند الفرد وعند المجتمع .
لا إجهاض .. لا إسقاطات غير قانونية ، ولا حمل غير منتظم .
لا اتصالات سرية ، غير مشروعة ، ذلك كله مع الوعي الصحي والثقافة الصحية الراسخة ، التي تتيح لكل فرد أن يقي نفسه وبدنه من المرض والاختلال ، والانطلاق في سهول الوجود ، بمهارة وحيوية وقوة وإرادة ونشاط وعافية ، إضافة إلى تنمية المعرفة بالجسد والنفس والداء والدواء ، لتلافي الأسباب الضارة والآثار السلبية والهجمات الوافدة والأوبئة الفتاكة .
إن علينا أن نوضح الأهداف ، وأن نسعى إليها بخطوات واثقة من مجتمع سليم منظم مستقر وآمن ، ومعافى وصحي ، ونحترم فيه الإنسان ، ونفسح له المكان اللائق به ليحيا حياة كريمة ، بعيداً عن القتل والغدر والاحتيال .
ويمكن أن نذكر من هذه الأهداف ما يلي :
1 ـ البنية السليمة اللازمة .
2 ـ توفير الوقاية اللازمة .
3 ـ توفير الأمان والاطمئنان والعلاج اللازم لمواجهة الأمراض .
4 ـ بناء الأحاسيس والمشاعر بناءً سليماً .
5 ـ توفير الاهتمام الاجتماعي وإنماء مشاعر الترابط الأسري والانتماء
إلى المجتمع .
6 ـ ترسيخ الثقة بالذات والنزوع نحو الارتقاء بها .
7 ـ إنماء حس المسؤولية والنـزوع نحو الفعالية والإبداع .
8 ـ تنمية القدرات والطاقات والمهارات النفسية والحركية .
9 ـ ترسيخ القواعد الأخلاقية والمعرفة .
10 ـ الحفاظ على الصحة النفسية والتسلح بزاد ثقافي وصحي .
11 ـ التخلي عن الرزيلة ، والفوضى في العلاقات بين الجنسين .
12  الاندفاع في طريق القيم الأصيلة والعادات الحميدة .
13 ـ بناء خط دفاعي جسدي ونفسي لمواجهة الاختلافات والإرهاصات
في المحيط .
14 ـ الزواج الميسر ضمن شروط معقولة بعيداً عن الغلو والإسفاف واللهاث وراء المظاهر الفارغة .
15 ـ التأكيد على سلامة الطوية ، وحسن السيرة في الإنسان المعاصر والمتفهم لما يحيط به .
16 ـ توجيه المجتمع نحو الاستشارة العلمية المبكرة .
17 ـ إنشاد قيم النظافة الشخصية والاجتماعية والنفسية والبيئية .
18 ـ تشكيل وعي صحي ثقافي شامل ومجزأ ، شامل للجسد ومجزأ أيضاً إلى أقسام كصحة الحواس ، والنشاط ، وسلامة الأجهزة الجسمية .
19 ـ ترشيد القناعات المتوارثة بأصالتنا كأمة لها رسالة ولها أثر في حضارة العالم وازدهاره ..
وهكذا .. لا بد أن يبقى الإنسان سيد الأرض .. سيد هذا الكون .. يعمر ويبني ، وتتواصل الأجيال ، جيلاً بعد جيل ، وتزهو الحياة بالمنح والعطاء ،
والتقدم والبناء ..
*     *    *
رحم الله أمير الشعراء شوقي إذ قال :
لأمر ما وسرّ غامض
  تسعد النطفة أو يشقى الجنين

فجنين في الأعالي لامع
  ووليد في زوايا المهملين


 

 

 


{ الأفراخ الصغير ، في عشها الآمن .. تزحف نحو أمها بمجرد رؤيتها لها ، لا لتتلقى بمناقيرها المفتوحة طعاماً .. فقط ، بل لتتمتع أيضاً بشعور الحب والألفة والطمأنينة ، قرب ريشها وتحت جناحيها !. { 
موفق
 
عـنــاية الكـنـغــر
KANGARO CARE

لمحة تاريخية :
إن ما يدعى ( طريقة الكنغر للحماية الحرارية ) هي طريقة قديمة لإبقاء الطفل الرضيع الصغير الخديج وناقص الوزن دافئاً بوضعه وضعاً قائماً داخل ثياب الأم على جلدها وبين ثدييها .
في عام ( 1978 ) واجه الأطباء في معهد الأم والطفل في بوغوتا ، كولومبيا، أزمة : فقد كان لديهم عدد من الأطفال الخدج وناقصي الوزن يفوق بكثير عدد الحاضنات التي كانت متوفرة لديهم .
وكما كانوا يعرفون ، فإن الأطفال الخدج يمكن أن يعانوا من اضطرابات في التنفس ، ويحتاجون إلى تنظيم ضربات قلوبهم وتنظيم حرارة أجسامهم .
وحتى بمساعدة الطب الحديث ، وبوضع هؤلاء الأطفال في حاضنات أنيقة، فإن احتمالات النجاة بالنسبة الأطفال الخدج لم تكن جيدة .
حاول الطبيب ( إدغارري ) رئيس أطباء الأطفال إيجاد وسيلة لتدفئتهم ووقعت عيناه على أمهاتهم ، وتساءل :
ـ هل تستطيع حرارة أجسام الأمهات وحدها أن تبقي الأطفال
الرّضّع دافئين؟
واكتشف ذلك سريعاً . فقد ( طلب ) (rey ) إلى الأمهات الجدد أن يضعن أطفالهن الصغار جداً بين أثدائهن ، الجلد على الجلد ، تحت ملابسهن وأن يبقين هناك ليلاً ونهاراً، ثم دعا الله بعد ذلك أن ينجو من الموت عدد قليل من الأطفال على الأقل .
ومما أدهش الجميع أن الأطفال لم يبقوا أحياء فقط بل تحسنت صحتهم . فقد أصبح تنفسهم نظامياً ، ثم صاروا ينامون نوماً جيداً ويرضعون من أثداء أمهاتهم واكتسبوا وزناً .
ـ اكتشف ( rey ) أن الأمهات اللواتي حضن أولادهن الجدد واضعات الجلد على الجلد هي عبارة عن وحدات عناية مشددة متحركة من النوعية العالية ‍!
ـ نشر البحث الأول الذي يصف هذه العناية الكنغرية من قبل ( rey ) وزملائه هيكتور ومارتينز عام ( 1983 ) .
ومنذ ذلك الحين ، بحثت دراسات عديدة في هذه الممارسة .
إن ما يكون العناية الكنغرية بالضبط يتباين نوعاً ،ويعتمد ذلك على مكان القيام بها ، فبالنسبة لبعضهم تستمر العناية الكنغرية ( 24 ) ساعة في اليوم ، في حين أن بعضهم الآخر يرى أنها تكمل عناية الحاضنة .
ولكن في الوقت الحاضر .. من المعروف جيداً أن العناية الكنغرية فعالة تماماً من نواح عديدة كاستخدام الحاضنة ، وهي أفضل من الحاضنة من
بعض النواحي .

تماس الجلد للجلد :
ـ يوضع الطفل في حالة العناية الكنغرية على صدر الأم أو الأب تحت ملابسهما في تماس مباشر مع جلدهما .
ـ يرتدي الأطفال فقط لفاعاً وقلنسوة ، ويدار رأس الطفل بحيث تكون إحدى الأذنين على قلب أمه أو أبيه النابض .
ـ وحتى في المستشفيات حيث تتوفر الحاضنات ، هناك دليل قوي على أن بضع ساعات من العناية الكنغرية يومياً يمكن أن تحسن النتائج .
 
 
ـ وتشترك ممرضتان عادة في نقل الطفل من الحاضنة إلى الأم أو الأب ويستغرق هذا الأمر ( 10 ) دقائق تقريباً  .
ـ ومع ذلك وبالرغم أن هذه العناية فعالة وغير باهظة التكاليف، فإن مستشفيات عديدة لم تكن راغبة في القيام بها .
إن الكثير من الأطباء يرون هذه العناية طريقة لتهدئة الوالدين القلقين جداً ليس أكثر ، وعلى الأسوأ يرى هذه العناية خطرة وغير ضرورية ومضيعة للوقت .
ـ لم يبحث في مسألة ما إذا كان الوالدان يستفيدان كثيراً من
العناية الكنغرية .
ـ تقول إحدى الأمهات واسمها مارثا : ( كانت المرة الأولى عندها أحسست بالأمومة تجاهه)  وتقول أم أخرى وهي نانسي التي كانت طفلتها تزن ( 1134غ ) عند الولادة : (ولدت ( ميغان ) في الأسبوع ( 27 ) و ( 6 ) أيام وحضنتها كالكنغر للمرة الأولى عندما كان عمرها (4) أيام . وكانت المرة الأولى التي شعرت فيها بالسعادة منذ بداية مخاضي )  .   
ـ وتؤيد الدراسات العملية هذا الكلام فقد اكتشف ( rejeantessier ) وزملاؤه في جامعة ( لا قال ) في مدينة ( كويبيك ) كندا أن الأمهات اللواتي قدمن العناية الكنغرية شعرن بكفاءة أكثر وكن أكثر مقاومة في المواقف العصيبة من الأمهات اللواتي أبقي أطفالهن في الحاضنات .
ـ واكتشفت دراسات أخرى أن العناية الكنغرية أدت إلى تحسين الإرضاع ، فقد كان لدى الأمهات كمية أكبر من الحليب واستطعن إرضاع أطفالهن
لمدة أطول .  
ـ وأدت العناية الكنغرية أيضاً إلى جعل الأمهات أكثر ثقة بمعرفة إشادات أطفالهن والاستجابة لها .
ـ ولكن المستفيدين الرئيسين هم الأطفال أنفسهم ، فقد توصل بحث أجرته
(جيني آندرسون) أستاذة التمريض في إحدى جامعات ( كليفلاند ) في ( أوهيو ) في الولايات المتحدة الأمريكية ، إلى أن الأطفال الخدج الذين حظوا بالعناية الكنغرية تنفسوا تنفساً أفضل ، وكانت معاناتهم من عسر التنفس أقل ، وكانت ضربات قلوبهم أكثر انتظاماً ، ولم يعانوا من زيادة في الإنتانات ، ولم يبكوا مطلقاً تقريباً ، وكان نومهم أعمق مرتين، واستمتعوا بوقت يقظتهم أكثر بأربعة أضعاف .
وتحمَّل الأطفال المكنغرون هواء الغرفة تحملاً أسرع ، وخُرِّجوا إلى بيوتهم من المستشفى بوقت أبكر ، وكان بكاؤهم في سن الـ ( 6 ) أشهر أقل .
ـ إن موظفي المستشفى غالباً ما يقلقون بشأن عدم بقاء الأطفال المكنغرين دافئين بما فيه الكفاية .
ـ ولكن على العكس تقول ( آندرسون ) إن الأطفال صغار الحجم الذين يوضعون ملاصقين لجلد آبائهم يبقين دافئين جداً ، وما هو أهم من ذلك هو أن درجات حرارتهم تظهر تغييراً أقل .
ـ وتعتقد ( سوزان لودينغتون ) أيضاً وهي تعمل في الجامعة نفسها التي تعمل فيها ( آندرسون ) ، أن الأمهات و الأطفال يملكون فعلاً ما يُسمى بالتوازن الحراري، إذ أن درجة حرارة جسد المرأة تزداد أو تنقص وفقاً لما يلزم لإبقاء درجة حرارة الطفل ثابتة. هذا ما اكتشفته (لو دينغتون ) .
وقامت ( لودينغتون ) وزملاؤها في جامعة مدرسة ( ماريلاند ) للتمريض في بالتيمور ماريلاند في الولايات المتحدة الأمريكية بإجراء دراسة لشفاء الأطفال الخدج بعد الولادة .
فقد وضع الأطفال أنفسهم فوراً على صدور أمهاتهم مدة الـ ( 6 ) ساعات الأولى بعد الولادة بدلاً من إرسالهم إلى وحدة العناية المركزة .
ـ وتوصلت ( لودينغتون ) إلى أن درجة حرارة الطفل المكنغر وكذلك معدلات نبضات قلبه وتنفسه وصلت بسرعة إلى المجال الطبيعي .
ـ وهذا ما يؤكد أن الأمهات هن بمثابة حاضنات فعالة جداً .
ـ وتوصلت ( لودينغتون ) أيضاً إلى نتائج جيدة بشأن تأثير العناية الكنغرية على التنفس المضطرب فقد قامت بقياس تدفق الهواء خلال الأنف لدى ( 41 ) طفلاً موضوعاً في الحضانات قبل  وخلال وبعد خمسة أيام متتالية من العناية الكنغرية لمدة بضع ساعات كل يوم.
ـ وكانت النتيجة أن تحسن عسر التنفس إلى حد كبير لدى الأطفال المكنغرين .. فلم يحدث أي عسر تنفس ساد ( معيق للتنفس ) على الإطلاق وخفت شدة حالات عسر التنفس الأخرى أثناء تماس الجلد للجلد .

النمو والتطور :
ـ أجريت في السويد دراسة من قبل ( فيفيان واهلبيرغ ) وزميلاتها في مدرسة للصحة العامة في ( جوذنبيرغ ) قارنت الأطفال الخدج المستقرين لـ ( 33 ) أم سليمة قمن بالعناية الكنغرية بأطفال لـ ( 33 ) أماً سليمة وضع أطفالهن
في الحاضنات .
ـ واكتشفت الباحثات أن الأطفال الذين حصلوا على العناية الكنغرية اكتسبوا وزناً أكثر في كل أسبوع ، وبدوا أصغر سناً لدى وضعهم في الهواء الطلق ، وأمضوا أياماً أقل إجمالاً في الحاضنات ، وكانو أكثر قابلية للرضاعة من الثدي بمرتين تقريباً عند مغادرتهم المستشفى .
ـ  نشرت ( ناتالي تشارباك ) مديرية مؤسسة العناية الكنغرية في بوغوتا كولومبيا وزميلاتها نتائج تجربة عشوائية مراقبة قمن بها في ( كاينيكا ) سان بيدرو كلافير أحد أكبر مشافي التوليد ذات العناية الثلاثية في كولومبيا .
 ـ فقد أجرين دراسة لجميع الولدان هناك الذين كانت أوزانهم أقل من
( 2 كغ ) عند الولادة ، وضع ( 382 ) وليداً في العناية الكنغرية لأمهاتهم
و ( 364 ) في العناية التقليدية .
ـ تم تخريج الأطفال المكنغرين من المستشفى بعد إدراجهم إدراجاً عشوائياً في تلك المجموعة بصرف النظر عن أوزانهم وأعمارهم الحملية .
ـ طُلب إلى الأمهات أن يحتضن أطفالهن طوال الوقت ( 24 ) ساعة من تماس للجلد مع الجلد في وضعية قائمة .
ـ وبقي الأطفال المراقبون في وحدة العناية ذات الحد الأدنى ، حتى نفذوا معايير( شروط ) التخريج العادية بما فبها تحقيق وزن ( 1700 ) غ على الأقل .
ـ وخلال تلك المدة ، كان اقتراب الوالدين من أطفالهم مفيداً بشدة ، كما كانت الممارسة في المستشفى .
ـ وتوصلت ( تشارباك ) وزميلاتها إلى أن خطر الموت كان أقل في مجموعة العناية الكنغرية .
ـ وكان محيط الرأس أكبر في تلك المجموعة ، بالرغم من تشابه
النمو والتطور .
ـ وكان أطفال الحاضنات أكثر عرضة للإصابة بإنتانات المستشفيات ، وكانت إنتاناتهم تميل إلى الخطر أكثر ، وهذا ما يتطلب عناية عديمة الصبر .
ـ كانت كلا المجموعتين ترضعان غالباً وحصراً من الثدي ، وبالرغم من أن نسبة الأطفال الذين كانوا يرضعون الحليب من الزجاجة أكبر قليلاً في
مجموعة المراقبة .
ـ واستنتجت الباحثات أن العناية الكنغرية خيار ممتاز للعناية بالأطفال ذوي الوزن القليل عند الولادة وبشكل رئيس في العالم النامي .
ـ ولكن هناك إحساساً متزايداً بأن العناية الكنغرية ليست فقط من أجل الأطفال ناقصي الوزن ، ولا تنحصر فقط في العالم النامي.
ـ تعتقد ( أندرسون ) أن جميع الأطفال الخدج والمولودين في أوانهم سواء كانوا من أمم غنية أو فقيرة ، يمكن أن يستفيدوا من العناية الكنغرية .
ـ هذا هو أيضاً شعور ( نيلز بيرغمان ) طبيب صحة عامة ومشرف طبي على مستشفى الأمومة في (pinelands) في جنوب إفريقيا ، فقد أشار إلى أن الكائنات البشرية تولد غير ناضجة بالمقارنة مع الثديات الأخرى .
ـ إننا ندخل العالم بـ ( 25% ) فقط من الحجم النهائي لأدمغتنا ، بالمقارنة مع الـ (45%) التي تنطلق قرود الشمنبانزي بها في العالم .
ـ إن ولادتنا قبل الأوان ببضع أسابيع ليست خطرة جداً بالنسبة لإنسان صغير في العمر ، نظراً لأننا نحن البشر قد تطور لدينا استراتيجيات تأقلمية فعالة للتعامل مع نسل صغير جداً وغير مستقل.
ـ تتألف تلك الاستراتيجية من حمل الولدان والأطفال باستمرار والنوم معهم، لإبقائهم دافئين وآمنين وتغذيتهم من الثدي كلما جاعوا .
ـ ولكن في الـ /100/ سنة الماضية أو نحو ذلك ، يقول (بيرغمان) ، تغيرت معاملتنا للأطفال تغيراً كبيراً ، فحديثو الولادة يتركون الآن راقدين بلا حركة، وحدهم في مكان مخصص لهم ، مفصولين عن أمهاتهم ويغذون في
أوقات محددة .
ـ إن العناية الكنغرية هي جوهرياً معادل عصري لممارسة كانت تجري في الأيام الغابرة وينبغي اعتبارها المرحلة النهائية للحمل يقول ( بيرغمان ) .
ـ ويتابع قائلاً : ( إذا كنت تام المدة ( غير خديج ) فأنت بحاجة لها وإذا كنت خديجاً فإنك بحاجة إليها حاجة مضاعفة ) .
 
آلية العمل : MECANIZM OF ACTION
تتمثل إحدى النظريات في أن الأطفال الرضع يحتاجون إلى الاستمرارية ، فالمنبهات المثيرة للجنين ستتحول إلى تهدئة وتنظيم للطفل بعد الولادة .
ـ إن الأم هي المفتاح وذلك لأنها تزوده بالبيئة المألوفة ، فالأمهات والأطفال يتفاعلون مع بعضهم بعضاً كشركاء ، كما تشير هذه النظرية ، وحتى الأطفال حديثو الولادة يستطيعون إعطاء إشارات عن ما يحتاجون إليه لأم مراقبة .
 ـ يعتقد ( بيرغمان ) أن الموطن المناسب الوحيد للطفل الوليد هو جسم أمه، فالكائنات البشرية شأنها شأن الثدييات الأخرى تتطور خلال سلسلة من المواطن :
الرحم أولاً ، ثم جسد المرأة ، ثم سياج قبل الانطلاق إلى عالم أوسع .
ـ إن الموطن المناسب يلبي حاجات الطفل في كل مرحلة ، وما يحتاجه الوليد أكثر من أي شيء آخر هو الأمن والدفء وحليب الثدي .
ـ وتنص نظرية أخرى على أن فصل الوليد عن أمه يشكل أزمة للطفل .
ـ وتدعم الدراسات مع الحيوانات هذه الفكرة ، فعند إبعاد (فصل) جميع الثدييات عن أمهاتها ، يبدو أنها تظهر استجابة احتجاج ثم يأس .
ـ وخلال استجابة الاحتجاج يصبح الحيوان نشيطاً وهائجاً ، ويحاول أن يجد طريق العودة إلى أمه ، ويلي ذلك اليأس وهو نوع من الانسحاب يترافق بانخفاض في درجة الحرارة ومعدل ضربات القلب.
ـ والأطفال الرضع شأنهم في ذلك شأن الثدييات الصغيرة الأخرى ، فإن الأطفال الرضع المفصولين عن أمهاتهم يبدون هذه الاستجابة .
ـ إن الأطفال الموضوعين في الحاضنات يكون نبضهم أقل بـ ( 20 ) ضربة بالدقيقة ، وتكون درجات حرارة أجسامهم أخفض بدرجة كاملة ، هذا
ما يقوله ( بيرغمان ) .
ـ ويتوسط ( ويتخلل )هذه العملية ارتفاع كبير في هورمونات الإجهاد .
 
ـ ولكن لدى اجتماع هؤلاء الأطفال بأمهاتهم ، سرعان ما ترتفع معدلات ضربات قلوبهم ، وترتفع درجات حرارتهم وتنخفض مستويات ( الغلوكوكورتيد ) بنسبة ( 74% ) .
وعلى نحو مشابه اكتشفت ( أندرسون ) أن الأطفال يبكون أكثر بكثير لدى إبعادهم عن أمهاتهم بعد الولادة ، ويتوقفون عن البكاء عند الاجتماع بهن ثانية .
ـ هناك دليل على أن الضغط الناجم عن الفصل المبكر للأم عن طفلها قد يبرمج حياة الطفل مدى الحياة .
ـ ومع ذلك فهناك شرح آخر ممكن هو أن العناية الكنغرية تسهل التكيف الفيزيولوجي الأكثر صعوبة المطلوب من النساء القيام به من داخل إلى
خارج الرحم .
ـ أظن أن هذا التكيف يتأخر ، ويتم إصلاحه بالبكاء ،
تقول ( أندرسون ) .
ـ ويؤدي الإجهاد والضغط النفسي إلى جعل الطفل يعكس العلاقة المثالية للضغط القائم لدى تمدد الرئتين عند الولادة ، تتابع أندرسون ، ويؤكسج الدم بشكل ضعيف نتيجة لإجهاد التنفس ، وخلافاً لذلك ، فإن الأطفال في العناية الكنغرية يتنفسون بانتظام ونادراً ما يبكون .
ـ يسمي ( بيرغمان ) الفصل الروتيني للطفل عن أمه ، الذي يرى كثيراً في المستشفيات ، ( انتهاكاً لجدول الأعمال الفطري ) .
ـ في خطاب عاطفي للورشة الدولية الثانية حول العناية الكنغرية للأم في بوغوتا 1998 ، أصبح ( بيرغمان ) محامياً قوياً عن العناية الكنغرية بعد العمل في مهمة في أحد المستشفيات في زمبابوي في أوائل التسعينيات .
ـ كان المستشفى ضعيف التجهيز وخالياً تماماً من الحاضنات ، وكانت نسبة البقاء أحياناً بالنسبة للأطفال ناقصي الوزن عند الولادة منخفضة للغاية .
ـ وقرر ( بيرغمان ) وزملاؤه أن ينفذوا العناية الكنغرية بعد دقائق من الولادة بالنسبة لجميع الأطفال ، سواء كانوا خدجاً أم تامي العمر .
ـ ونتيجة لذلك ، ازدادت نسبة البقاء أحياءً بالنسبة للأطفال الذين تقل أوزانهم عن /1500 غ / من / 10 ـ 50 % / ، و بالنسبة للأطفال الأكثر وزناً من  70 ـ 90 %.
ـ إن 96% من الأطفال الخدج المولودين عبر العالم لا يقتربون من
أي تكنولوجيا .
ـ ولكن يقتربون فعلاً من الوطن الذي يحتاجون أن يبقوا فيه أحياء ، والذي في الوقت الحاضر لا ينكره إلا جهلنا.

 

 

 

{ فلنقدّمْ إلى تلكَ المرأةِ باقةَ حبّ ومودّة ، ولْنعلّقْ على صدرِها وسامَ تقديرٍ وعرفان ، ولنتذكّرْ دائماً أنها قد أفْنَتْ سنواتِ عمرها في خدمةِ زوجِها وأولادِها ، وبذَلَتْ قصارى جهودها من أجلِ إشاعةِ جوِّ السعادةِ والاستقرارِ في عشِّها الكبير .
إنها الآن في سنّ التبدّلاتِ النفسيّةِ والفيزيولوجيةِ ، و هي في أمسّ الحاجة إلى منْ يأخذُ بيدِها إلى برِّ الأمانِ وشاطئِ السلامةِ }
موفق

 
كيف يعامل الرجل زوجته في سن اليأس ؟
( سن الضهي و الأسرة السعيدة )

الطب النسائي فرع متميز من الفروع الطبية ، وهو كذلك لأنه يهتم بالمرأة من كل جانب ، و من المعلوم أن المرأة نصف المجتمع ، وأنها أثمن بيولوجيا من الرجل، وهذا لا ينطبق على الجنس البشري وحده ، بل يتعداه ليشمل إناث الكائنات الحية جميعها .
ولقد وضع الله تعالى على عاتق المرأة مهمات كبيرة من الولادة إلى الرضاعة ، إلى الاهتمام بالنسل ولا يخفى على أحد أن تطور الطب النسائي في السنوات الأخيرة كان كبيراً و كان منسجماً مع المهمات كلها .
ويعد سن اليأس هو مرحلة من التغيرات و الفترات الصعبة التي تواجهها المرأة في حياتها لما يصيبها من عوارض نفسية و إحباط ، وفي أغلب الأحيان يزيد المشكلة تعقيداً عدم توفر معلومات مسبقة للمرأة عما سيحدث لها في هذه الفترة .
يعد سن اليأس مؤشراً على توقف المرأة عن الخصوبة و الحمل والولادة والرضاعة . إنه الحد الفاصل بين مرحليتين : مرحلة الخصوبة و الإنتاج ، ومرحلة هدوء و استقرار الأجهزة التناسلية و الغدد الجنسية ، و هنا تتحول حياتها في أحيان كثيرة إلى مشكلة لا تعرف لها حلا و لا تجد من يساعدها حتى زوجها لأنه يجهل الطبيعة الفيزيولوجية للمرأة ، هنا تحدث المشاكل الزوجية أولها القلق و ربما الحزن والكآبة ، وقد تصل إلى آخرها الطلاق .
ـ لكن هل بإمكاننا الحد من هذه المشاكل  ؟؟
تعاني معظم النساء من الهبوات الحارة و الباردة ، وهذا يحل بمرور الزمن ، وإن استخدام أي علاج سواء أكان جراحياً أم دوائياً قد يكون غير ضروري كاستئصال الرحم أو التجريف ، علماً أن 3000 امرأة في الولايات المتحدة تدخل سنوياً غرفة العمليات في سن اليأس ، ولا بد من أن نشير إلى الدور الكبير الذي يلعبه هرمون الإستروجين في هذه المرحلة الدقيقة من الحياة ، هذا الهرمون الذي تم عزله بطريقة حيوية . وقد استطاع العلماء تركيبه كيماوياً عام 1938 ، ولكن مسيرته تعرضت للعرقلة ، فقد تم سحبه من الأسواق عام 1960 بعد أن ثبت وجود علاقة بين استعماله و نشوء الأورام الرحمية ، ثم ما لبث أن عاد تداوله و استخدام في
مجالات العلاج .
إن إعطاء الاستروجين بكميات محددة للنساء في سن اليأس يقي من الكثير من الأمراض و الإضطرابات التي يرتبط ظهورها بهذا السن تحديداً . بينت الأبحاث أن استخدام الاستروجين يخفف الإصابة بمرض الشريان التاجي بنسبة 40% و يقلل كذلك الكسور الناتجة عن تخلخل العظام بنسبة  50 ـ 60% .
ويرتبط نقص الأستروجين في سن اليأس بقصور وظيفي في بعض الأجهزة ، وبعدم القدرة على تثبيت بعض المواد البروتينية ، وهذا يتجلى في تغير الوظيفة الحالبية والإجهاد الشديد ورقة الجلد و تغضنه بسبب الكولاجين و عدم الاستفادة منه .
العديد من النساء لا يعرفن الكثير من مراحل حياتهن ، والسبب أن الأجيال لم تتوارث مفهوم المعرفة ، وتبدأ المسألة منذ الصغر مع نضوج الفتاة . فهي لا تعرف أموراً عديدة عن الحيض الشهري ، وتبقى في رأسها أسئلة كثيرة من دون إجابة ، والسبب أن ذويها أمها و أختها أو جدتها لم يحصلن أيضاً على إجابة يوم كن صغيرات في عمرها . وهناك نساء يجهلن الأمور الجنسية و الحمل و الإنجاب لذا يقعن في مشاكل صحية ونفسية . ومنهن من تدخل مرحلة التغير من دون أن تدرك الكثير عنها ، و يصيبها الخوف من انقطاع العادة الشهرية ، والمشكلة ألأخرى أن هذه المرحلة تحاط بالسرية و كأنها عيب أو إثم ، و يعتقد بعضهن أن البوح بهذا السر سيؤدي إلى النظر إليها و كأنها امرأة عجوز .
العوارض الرئيسة :
70% من النساء يعانين من صعوبات ، منها الشعور بالحرارة و البرودة كما ذكر سابقا تبدأ من الصدر في الرقبة إلى الرأس و كأنها واقفة أمام فرن وقد سلط على الوجه ، إذ يميل لون الجلد إلى الاحمرار ، مع التعرق و التقيؤ و الدوار وسرعة اضطرابات القلب .
ويمكن لنا أن نتصور هذه الحالة عندما نخرج من سيارة مكيفة إلى الخارج ونجد الحرارة مرتفعة ، وعندها ندرك مدى الصعوبة التي تعاني منها المرأة . وهذه تؤدي إلى أن تسبب حالة عصيبة وقلق نتيجة نقص الاستروجين ذلك الهرمون الأنثوي المفرز من المبيض .
إضافة إلى ذلك .. هناك بعض العوامل الاجتماعية ، تلعب دوراً مهما في الإحباط النفسي مثل :
1 ـ خروج الأولاد من المنزل و بعد أن كان يضج بالحركة .
2 ـ إحالة المرأة على التقاعد و قلة الأصدقاء و الشعور بالتهميش .
هنا يجب على المرأة أن تهيئ نفسها لهذه المرحلة .
أول شيء معرفة ما سيحدث ، أي معرفة كل التغيرات التي تطرأ على جسدها ونفسيتها ، وذلك بالثقافة و القراءة عن هذه المرحلة والذهاب لطبيبها لمساعدتها بالنصائح ، وهناك بعض التعليمات لتخفيف هذه العوارض المزعجة كمنع حدوث الهبوات بتفادي النوم في غرفة حارة بل تميل إلى البرودة نوعا ما وقليلة الرطوبة ، وتجنب الملابس الثقيلة أثناء النوم ولبس الملابس القطنية و فرش أغطية قطن على السرير ، والامتناع عن تناول المشروبات الروحية ، و الإقلاع عن التدخين .
وإن للهرمونات فوائد كثيرة ، إذ تخفف من الأعراض الجانبية التي ذكرتها ، وتحمي العظم من الهشاشة ، إذ يحافظ الاستروجين على صلابته كما أنه يقلل من النوبات القلبية في هذه السن ، و يقال بأنه قد يزيد من نسبة سرطان الثدي ، هذا الأمر ما زال قيد البحث ، ولكن قبل الإقدام على استعمال الهرمون هذا يجب استشارة طبيب إذ ربما يكون هناك موانع من استعمالها .
و الاستشارة ضرورية لا بد منها :
1 ـ لأن المرأة تظن أن بإمكانها في هذه المرحلة التوقف عن استعمال موانع الحمل من حبوب أو لولب و هذا خطأ كبير ، لأن اضطراب الدورة لا يعني توقف الإباضة ، وبالتالي فإن إمكانية حدوث الحمل لا تزال قائمة ، وهنا يأتي دور الطبيب لنصحها باستمرار استعمال المانع إذا كانت لا ترغب بالإنجاب .
2 ـ السبب الثاني : لضرورة استشارة الطبيب الأخصائي هو التحقق من الأعراض المزعجة و كيفية الوقاية من ترقق العظام و أمراض القلب و سرطان الثدي التي تسرع بظهوره موانع الحمل إذا كان موجوداً وجوداً خطر اً و غير ملحوظ .
ولا ينصح بالهرمونات ، و يستعاض عنها بشرب السوائل بكثرة إذ تساعد البشرة في الاحتفاظ بطراوتها . أو استعمال بعض الأعشاب المعروفة بتهدئتها للأعصاب و أخذ قسط وافر من الراحة . وأن تستمر بالخروج والاختلاط بالمجتمع ، وعدم الانزواء ، والبحث عن هواية تشغلها لكي تشعر بالطمأنينة ، والابتعاد عن الجهد الفكري و النفسي لأن هذا يزيد حالتها سوءاً .
والجانب الجمالي هو من أهم ما تفقده المرأة في سن التغير :
لفقد النضارة التي يتسبب فيها هرمون الاستروجين في هذه المرحلة ، إذ ينعكس ذلك على حيوية الجلد و المزاج النفسي و الهم في العلاقة الزوجية .
وعندما يقل هرمون الاستروجين تقل كل هذه العوامل ، نلاحظ أن النساء اللواتي يتناولن هذا الهرمون في هذه السن تعود إليهن تلك النضارة المفقودة إلى حد كبير ، وهناك عنصر مهم يلعب دوراً سلبياً في الحياة الزوجية ، وهو قدرة المرأة على المتابعة الزوجية ، لأن المناطق الحساسة تصاب بالضمور ، وتصبح هذه المتابعة مؤلمة لها ، وتصاب المثانة بالضعف و الحالب أحيانا بالتلوي .
هذا التغير يبدأ في سن 50 ـ 54 ، وربما أبكر من ذلك أي في حوالي
الـ  40سنة من العمر ، و إن العناية الصحية الجيدة جعلت السيدات اللواتي بلغن مرحلة التحول و ما بعد سن التغير بازدياد مضطرد و هن الآن 50% ، والإحصائيات تقول إن اللواتي سيعشن ثلث عمر هن بعد سن التغير سيشكلن
30 ـ 40% فقط ، لأن عدد الوفيات سيقل .
ما هو موقف الرجل عندما يكتشف أن زوجته بلغت هذه المرحلة ،
وما العمل ؟؟
ـ بعض الرجال يتعاملون معها برفق و وعي و هدوء ، لأنهم يعرفون أنها فترة لن تدوم إلا لسنوات قليلة .
ـ في حين يوجد رجال معقدون ، يفاجؤون بأن زوجاتهم لم يعدن
كالسابق ، فيبدأ أحدهم بإظهار انزعاجه من عصبيتها الشديدة أحياناً بسبب إفراز هرمون الكورتيزول ( هرمون الشدة و التوتر ) فيثور لكل كلمة منها و لا يتحمل تصرفاتها،  و تشتد الاختلافات حتى قد يؤدي ذلك إلى الطلاق أحياناً ، لذا نجد ان نسبة الطلاق ترتفع في هذه الفترة . ويوجد في الدول المتطورة عيادات لسن اليأس في بريطانية مثلاً يوجد / 370 / عيادة لهذا التغير لتقديم النصائح للزوجين .
ولكن الرجل الذي لا يفهم الوضع ، عادة ما يقدم على تصرفات يصعب عليه بعد ذلك إصلاحها ، مثل زواجه من امرأة أخرى أصغر من السابقة للتعويض عما ينقصه من شباب لدى زوجته ، وهذا نشاهده في مجتمعاتنا إذ يجهل الزوج ما تتعرض له زوجته من تغير جسدي و نفسي و ينسى بأنه سيصبح  قريبا شيخاً . وهنا دور الوعي الاجتماعي و الدور الثقافي ، وأمية دور الأم في حياة ابنها و إفهامه له وهو صغير مراحل الحياة لدى الرجل و المرأة . إذ يكون على علم بكيفة التعامل مع زوجته في المستقبل . وعلى و سائل الإعلام أن تقوم بهذا الدور في عملية تثقيف المرأة والرجل .
وإن دور الزوج هو مراعاة ظروف الزوجة ، حتى لو اضطر لتحمل بعض المضايقات الناتجة عن حالتها العصبية العرضية ، ومن أنجح الحلول :
ـ القيام برحلات و لو قصيرة ، وبعيداً عن كل ما يثير أعصابها و يقلقها ، إذ القلق يتملكها من دون سبب يذكر  .
ـ كما يجب أن يشرك زوجته اشتراكاً متواصلاً في المواضيع المتعلقة بالعائلة والمستقبل ، ليشعرها بأنها جزء مما سيأتي بعد .
ـ و إن دخولها مرحلة جديدة لا يعني إلغاء دورها كزوجة و أم ، و إن هذه الفترة لا تعتبر تقاعداً ، بل كثيرٌ من النساء يبدعن فنيا أو سياسياً أو علميا مما يثبت أن هذه الفترة ليست نهاية العطاء
ـ الملاطفة و الشعور بالدفء أمران مهمان لإعادتهما الثقة بنفسها .
و من المهم الابتعاد عن استعماله عبارات قاسية ليشعرها بأن الوقت قد فاتها، وأن عليه أن يبحث عن امرأة جديدة و شابة ، وهذا يزيد من قلقها و اضطراباتها النفسية و يجعلها أكثر حدة في انفعالاتها .
ـ و ينصح الزوج أن يشعر زوجته بأنها تحظى لديه بمكانة جديدة . ولا مانع من أن يخطط معها برنامجاً لممارسة رياضة معينة أو هواية تحبها و هذا
ما يقرب بينهما .
ـ والأهم عدم تفاعله معها تفاعلاً انفعالياً عندما تثار أي مشكلة صغيرة ، بل التعامل معها بحكمة لحلها .
ـ ولا مانع من تجفيف عرقها ، أو تهوية الغرفة ، أو تحضير بعض المرطبات لها خاصة التي تهواها ، إنها مبادرة صغيرة لا تكلف الكثير ، ولكن يجب أن تصدر عن مشاعر حقيقية ، لأن المرأة في هذه الفترة تكون ذات مشاعر حساسة جداً .
يجب على المرأة أن تحافظ على نضارتها و عدم إهمالها لنفسها ، و ممارسة الرياضة مثل المشي أو السباحة ، و الإقلاع عن التدخين إذا كانت تدخن لأن التدخين يلحق الضرر ببشرتها و نضارة جلدها ، مع تناول الفيتامين D من أجل القوة العظمية ، إلى جانب استعمال هرمون الأستروجين الموصوف من قبل الطبيب في عيادة سن اليأس ، والأحدث منه التاموكسيفين و الجيل الثاني منه و هو الرالوكسيفين واسمه بالتجارة Evista    ، وهذا ليس هرمونا و لكن تأثيره
مشابه للآستروجين .
وإن الإيمان يعد من أهم العوامل التي تساعد في التخفيف من وقع هذه الحالة، إضافة إلى التأكيد على أن العلاقة بين الرجل و المرأة ليس هي علاقة زوج مع زوجة فقط ، بل هناك أشياء مهمة مثل الأسرة و الأولاد .
وإن بناء مستقبل الأولاد لمن كان في الدراسة أو الحياة العلمية هو شغل الأبوين الشاغل ، وهدفهما المشترك ، ويدفعهما للعيش و الاستمرارية معاً .
وعلى الزوجين أن يتذكرا أن مرحلة التغير هذه هي فترة قصيرة مثل الحجر الذي يرمى في الماء فتنتج عنه تموجات تختفي بعد أن تستقر في أعماق البحرة ، ويجب أن يتذكر الرجل أنه سيدخل كما يؤكد الأطباء مرحلة اليأس ، و يمر بحالة مماثلة لحالة المرأة .
 
والخلاصة :
يتفق المختصون على أن سلاح المرأة الأفضل ثلاثي الشعب :
1 ـ زيادة المواد الغنية بالكالسيوم ، وإن اختبار كثافة العظم ضروري في هذه السن .
2 ـ ممارسة الرياضة التي تحول دون زيادة الوزن .
3 ـ و تناول مركبات الأستروجين لمدة لا تزيد عن خمس سنوات .

و أخيراً إن سنوات منتصف العمر يمكن أن تكون حقاً أجمل السنوات في حياة المرأة ، وإن سن اليأس هو سن الحكمة سن التجارب الناجحة ، سن الحفاظ على الشباب ، و استعادة أحلى الذكريات ، سن المشاعر الهادئة التي تنساب بنعومة ، وتتسلل بخفة بعيداً عن التهور و النـزق .
إن سن اليأس هو خلاصة المعرفة ، وبداية الإيمان بالثقة بالنفس ، و الوقوف عند كل المحطات الهاربة .
وبذلك تكون الحياة الأسرية معافاة وسعيدة ، وعندها يحق لنا أن نردد نصيحة ابن سينا أكبر طبيب مسلم عربي ( بما لا يرقى للشك أننا دون الموسيقى الداخلية المنعشة للجسد فلا حياة ، وسوف يسود صمت الجسد لتهرب منه الروح
فيصبح جثمانا ) .
ومن الجميل أن نذكر هنا ما قاله الشاعر الأستاذ محمد منذر لطفي الذي يصف هذه الفترة من حياة المرأة :

عجبت لمن يشكو من العمر حالة
   إذا سنوات اليأس هلّ هلالها

فأطيب ما في المرأة .. السحر و الشذا
  هما حسنها إن " خمسنت " وكمالها

و هل يقطف التفاح إلا إذا حلا
  كذالك فإن الغيد يحلو جمالها

ففي عقدها الخمسين تندى ثمارها
  و في عقدها الخمسين تزهو غلالها


 
 
 

 

 

{ يقف العلم البيولوجي ـ هذه الأيام ـ على مفترق الطرق ؛ فإما مضيّ نحو الهدف المرسوم ، وإما مراوحة في المكان نفسه ، وإما عودة إلى نقطة البدء ، ورجوع إلى خط الانطلاق .
ربما علينا أن نتساءل : هل يعود كل علم بالخير العميم على البشرية ، أم إن التجارب العلمية قد تكون مطية لأهداف وضيعة ومرام مشبوهة ، وقد تكون سبباً لتدمير المدن وسحق السكان ، كما فعلت علوم الذرة في هيروشيما وناغازاكي .
الآن .. يطل علينا علم جديد ، هو علم الاستنساخ ، خطوته الأولى كانت نعجة دوللي ، ترى ما هي الخطوات المقبلة ، وما هو تأثيرها على الجنس البشري ؟}
موفق

 
الاستنساخ واقع أم خيال ؟.

أولاً ـ تعالوا نحدد معنى النسخ ..
نقول في اللغة : نسخ الكتاب نسخاً أو الصورة ، أي نقله ، واكتتبه حرفاً بحرف ، والنسخة هي الكتاب المنقول ..
وعلى ذلك فالنسخ أو الاستنساخ قد جاء في اللغات الأجنبية تحت اسم DUPLICATE  أو COPY ، والاستنساخ معروف منذ القديم ، فقد استنسخ الإنسان النباتات التي مكنته من استنساخها بطرق عديدة من دون بذور ، ومكنته من استنساخ فصائل مرغوبة بالتطعيم بدس خلايا الفصيل المطلوب في جذع النبات من أجل الحصول على فائدة سريعة ..
ـ إن كلمة استنساخ في هذا العصر تدفع إلى الذهن مجموعة من الصور تتداعى أمام المخيلة ، ولنقرب ذلك أكثر ، إن كثيرين منا قد عرفوا ذاك الرسام الذي كان يمضي وقته وهو يستنسخ رسوم الأشخاص وينجز ما يطلب منه نقلاً دقيقاً يضاهي أحدث الآلات الحديثة في نسخ الصور الملونة ، كانت تبرز أمامنا شخصيات مستنسخة ، نعرفها كأنها أشباح شياطين متقمصة ضلت عن طريق خاطئ فبقيت ناقصة .
تتداعى الصورة في الذاكرة ونحن نسمع نجاح مشروع استنساخ النعجة دوللي في أدنبرة في إقليم اسكتلندا .. لقد أجاب الخواجة ويلموت بالإيجاب عن سؤال مراسل دار شبيجل الصحفية ؛ قال :
هل تعتبر الاستنساخ الإنساني بات قريباً ‍‍.
فقال : نعم ، أجرينا التقنية على الثدييات ، ونستطيع تطبيقها على الإنسان ما دام الإنسان من فصيلة الثدييات ، نعم يمكن استنساخ الإنسان .
ـ وعلق مدير مركز الدراسات البيولوجية آرثر كابلان في جامعة بنسلفانيا على استنساخ النعجة في معهد روزالين في اسكتلندا قائلاً :
أتوقع أن يتم استنساخ الإنسان في غضون سبع سنوات فقط .
أيها السادة : دعونا نبدأ :
لنترك قصة "دوللي" جانباً ، ونبحث عن مفاتيح تساعدنا في قراءة مفردات هذا البحث الطريف ..
ـ منذ 332 سنة تقريباً ، اكتشف أن أجسام الكائنات الحية مؤلفة من خلايا، وحتى عام 1950 لم يكن لدى علماء البيولوجيا ( علم الأحياء ) الشيء الكثير عن مكونات الخلية وكيف تعمل ، لكن مع المجهر الإلكتروني بدأت تتكشف بعض أسرارها ومدى الإعجاز الإلهي في جعلها النقطة الأولى من كتاب أي
كائن حي ..
ـ والخلية عبارة عن جيب ، قطره عدة ميكرونات ( والميكرون يساوي جزءاً من ألف من الميليمتر ) ويحوط بها جدار خارجي يعطيها شكلها العام الذي قد يكون كروياً أو مفلطحاً أو مستطيلاً ، والداخل سائل هلامي ( السيتوبلازم ) تسبح به مئات الأجسام وأكثرها يقل قطره عن ربع ميكرون ، وأهم ما في الخلية النواة التي تقع في الوسط ، فهي المسؤولة عن حياة الخلية وانقسامها وتكاثرها ، ولو قطعنا خلية إلى نصفين لوجدنا أن النصف الخالي من النواة يفقد القدرة على التكاثر ثم يموت ، بينما يستمر النصف الآخر في أداء وظيفته ..
ـ إن الخلية مصنع فعلي ، تتم فيه أعقد التفاعلات الكيميائية والتي ما زال الكثير منها سراً من الأسرار ، والذي يغنينا ـ هنا ـ عملية محددة هي تكاثر الكائن الحي انطلاقاً من الخلية .
تعتبر البيضة المخصبة أساس التكاثر لدى معظم الكائنات الحية ، بما فيها النبات ، حتى البكتيريا ،وهي أبسط الكائنات الحية ، التي تكـون الخليـة وحدتها
 
 
الشكلية الأساسية ، فهي تتمتع بقدرة تثير دهشة العلماء ، ونعني بها القدرة على التكاثر الجنسي .
والبيضة المخصبة أيها السادة ، أو ( الجنينية ) هي خلية تنتج عن اتحاد خلية تناسل أنثوية مع خلية تناسل ذكرية ، وحين يتم هذا الاتحاد تبدأ البويضة بالانقسام مرات ومرات حتى يتكامل الجنين ..
وربما يسأل سائل : لماذا لا تعطي زهرة التفاح الملقحة ثمرة أجاص ؟! أو لماذا لا تلد الذئبة جرواً مغطى جسمه بالريش بدلاً من الشعر أو بأذني هرة ؟!
إن هذا الأمر ليس متروكاً للمصادفات ، هذا الأمر يتحكم فيه مهندس لا يخطئ يشرف على نواة الخلية ويسهر على عملها .. وما المهندس هنا إلا الأجسام داخل النواة نفسها ، نسميها بالكروموزومات ، هذه الكروموزومات مزودة بما نسميه " الشيفرة الوراثية" ، أي بخرائط بناء الجسم ، وبمواصفات وخصائص الكائن الحي الذي سيولد مع مخطط البناء ، وكيفية التنفيذ ومراحله ؟..
إن العلم الحديث يميز بين نوعين من الخلايا :
الخلايا التناسلية التي يبدأ منها الجسم .
والخلايا العادية التي تؤلف كل مجموعة منها عضواً من الأعضاء( العضلات ، القلب ، الدماغ ) .
وفي كل خلية عادية لدى البشر بعامة يوجد (46) كروموزماً ، ويظل العدد ثابتاً ، أما في الخلية التناسلية ( ذكرية أو أنثوية ) فهناك (23) كروموزوماً ، وفوق هذه الكروموزومات تكتب حروف الشيفرة الوراثية ..
والكروموزوم رسول أمين ، أو هو ساعي البريد الأمين ، ينقل بأمانة حروف الشيفرة وخرائطها من البويضة المخصبة إلى الخلايا التي ستنتج عن انقسامها .
واسمحوا لي أن لا أدخل في التفاصيل المعقدة لمكونات الكروموزوم .
ـ يكفي أن نتصور هذه المكونات مثل سلم من الحبال ، سلم ملتو على نفسه التواءً حلزونياً ، كل درجة من درجاته تتألف من قطعتين متصلتين في وسطهما ، وفي نقطة الاتصال هذه ، نلاحظ أن لكل قطعة تجويفاً أو نتوءاً يتناسب مع تجويف أو نتوء القطعة الأخرى ..
هذه الدرجات تسمى حمض ديزوكسي رايبوز النووي ، واختصاره DNA وهو المهندس الذي تحدثنا عنه من قبل ، وكل قطاع من قطاعات السلم هو عبارة عن خريطة أو جين GEN وراثي يحدد صفة من صفات المولود ، ولو أتيح لنا أن نحول كمية الجينات إلى ما يعادلها من صفحات مكتوبة لوجدنا أن الحمض النووي DNA لأي خلية من خلايا الجسم البشري ، يحتوي على عدد من الكلمات ، تكفي لكتابة ألف كتاب من الكتب الكبيرة ، حجم كل منها 600 صفحة !!.
بعد اتحاد البويضة بالخلية التناسلية الذكرية يصبح عدد الكروموزومات في البويضة المخصبة 23 + 23 كروموزوماً ثم يبدأ بالانقسام ..
ـ يبتعد حبلا السلم عن بعضهما ، وتنفصل كل درجة إلى قسمين ، ثم يقوم كل حبل بتركيب الحبل الذي ينقصه مع تركيب الأجزاء الناقصة في كل درجة ، ويتم أخذ المواد اللازمة من وسط الخلية ، وهكذا يظهر عند الانقسام سلمان بدلاً من السلم الواحد ، إنهما متشابهان في كل التفاصيل ، وفي طريقة توزيع الدرجات بين الحبلين ، وهكذا فإن الحمض النووي ينسخ نفسه ، وتنقسم الخلية إلى خليتين ، في كل منها العدد نفسه من الكروموزومات ، والمزودة بالشيفرة الوراثية ذاتها ، وتتكرر هذه العملية يتكرارعمليات الانقسام .
لقد قام البروفسور إيان ويلموت وفريقه فيأخذ خلية عادية (غير جينية ) من ثدي النعجة (آ) ثم أخذ بويضة من النعجة (ب) وإفراغها من نواتها ، وبذلك أصبحت هذه الخلية خالية من أي كروموزوم ولا تحمل أية شيفرة وراثية .
عزل ويلموت النواة الموجوةدة في خلية النعجة (آ) ( خلية الثدي) وزرعها في البويضة بوساطة صعقات من تيار كهربائي خفيف ، ووضع البويضة في طبق اختبار فيه محاليل ، وبعد أن بدأت البويضة في الانقسام زرعها في رحم النعجة (ج) ، كانت النتيجة أن حصل بعد الولادة على نعجة طبق الأصل من النعجة (آ) .
ـ إن النواة التي أخذها من النعجة (آ) كانت تحمل كل صفات هذه النعجة ، وعندما بدأت كروموزمات هذه النواة بالانقسام كانت تعيد انتاج الخرائط الوراثية للنعجة (آ) ، أما البويضة التي أخذها من النعجة (ب) فقد اقتصر دورها على تغذية النواة ، فيما الشيفرة الوراثية جاءت من نواة خلية الثدي ، والنعجة (ج) كانت مجردة حاضنة بذلك ، جاءت دوللي نسخة عن النعجة (آ) .
بلى ... لقد قامت الضجة مع أخبار استنساخ cloning  النعجة دوللي ، وكادت ثلوج القطبين أن تذوب من حرارة بعض المذيعين الذين تحمسوا لعملية الاستنساخ ، التي لم يبق إلا أن تحلّ كأعظم آلية لاستمرار الحياة كما حدث يوم طبع السير شارلز داروين كتابه أصل الأنواع . إن موضوع الاستنساخ مثير للخيال، مثير لخيال الكاتب و الأديب و الطبيب عن وحدة الموضوع إلى أفكار شتى .. وحرص الفراعنة على الاستنساخ في العائلة المالكة فأمروا بحصر الزواج بين أفرادها حتى سمحوا بزواج الأخوة من الأخوات عند الضرورة للحفاظ على بقاء العرق في السلالة ، ولا سيما أنها سلالة حاكمة منحدرة في الأصل من صلب الآلهة .. كما يزعمون طبعاً  !!! ...
 واتبعت أقوام أخرى هذا الترتيب في أكثر من زمان و مكان ، و كان ظهور سمات الجد في الأحفاد واضحاً ، وبخاصة حين حصر الزواج في نطاق ضيق من الأسر ، أو السلالة ، وهذا ما أوحى إلى فيثاغورث قديماً و إلى المدارس المثيلة لأفكاره ، بالتحدث عن تناسخ يحقق الاستنساخ بين أجيال متعاقبة ( كان فيثاغورث واحدا من الذين أولوا التقمص أهمية خاصة ، وقد بشـر بخلود الأرواح
 
 
الإنسانية ، وأكد على رجوعها إلى الحياة مرة بعد مرة ، و التقمص في المصطلح الأجنبي واحد للتناسخ والتقمص وهو في اللغة الإنكليزية transmigration of souls  أو  metempsychosis  ) .
وقد بقيت سيطرة أفكار التناسخ قوية و مقبولة ، حتى صارت مصدر العديد من الأعمال الأدبية في سجل اللغات و بخاصة في اللغة الإنكليزية ، وهناك قصة طريفة و مثيرة عن مجتمع اكتشفت طبيبة عالمة فيه طريقة جديدة للاستنساخ من دون معشر الذكور ، وذلك بقص سلامية من إصبع وزراعته في أنابيب محضرة ، وأوصت الطبيبة بضرورة زراعة سلامية الخنصر ليتم استنساخ أنثى ، و حذرت من زراعة سلامية البنصر الذي ينشئ ذكراً ، وتتابع القصة سرد أحداث خيالية عن إبادة الذكور وانتخاب ملكة لمجتمع خال من الرجال تتمتع فيه النساء بحرية تامة .
وقد دام ذلك حتى الملل من تلك الحياة ، وحتى قطعت امراة صدفة سلامية بنصرها وتخيلته رجلاً ، فحنّت إلى تربيته ، وهكذا حين كبر وظهر وشاهدته
الملكة ، اشتاقت نفوسهن كلهن إلى الذكور ، فقطعن سلاميات البنصر وزرعنها متلهفات للعودة إلى  مجتمع الذكور حتى لو فقدن شيئاً من حرياتهن .
إن موضوع الاستنساخ هو موضوع الحياة ، ولقد كان هناك عدد من المتنبئين العلميين يتحدثون في مجالسهم الخاصة ، ومنذ زمن طويل عن طريقة ما لصنع الرجال و النساء ، وقد ظل ذلك كله كلاماً نظرياً ، لكن مفكرين ومبدعين طوروا أفكارهم ، وكتبوا أحلامهم ، من مبدأ تحسين النسل  Eu genic  ( المربي الأحيائي غالتون إلى شارلز داورين ) ، كان غالتون يقول : علينا أن نتصدى لصالح الصراع الذي يسمح للفوز لأفراد يحملون أفضل المواهب على العاديين ... وهو بذلك يلمح إلى وجود عروق بشرية اقل تطوراً ، تتوسط التدرج على سلم الأحياء بين الحيوانات و الناس !! كان غالتون و هو ابن عم داروين يحذر البريطانيين دائماً من أن يزيح الأفراد الأدنون الأعلين !!
ولقد وصلنا ـ اليوم  ـ إلى النعجة  دوللي و إلى القردين ، وإلى أذن الفأرة الإنسانية ، فهل نصل إلى الإنسان نفسه ؟!
هناك قائمة طويلة تتضمن الناس الذين اعتبروا التكاثر النسخي موضوعاً جاداً. بما فيهم رجال علم مرموقون ، هم علماء القرن العشرين ، و قد اقترحوا نسخ أشخاص ذوي مواصفات خاصة كانعدام الشعور بالألم ، والرؤية في الظلام ، والقزامة ، ( و الصفة الأخيرة قد تفيد في الأماكن ذات الجاذبية العالية التي يمكن أن نكتشفها و نستعمرها في المستقبل ) ، أو كما اعتقد جان روستان العالم البيولوجي الفرنسي أن التكاثر النسخي قد يستخدم لإضفاء نوع من الخلود المتسلسل على الفرد ، وذلك باستبدال النسخ المهترئة منه بنسخ جديدة إلى الأبد ! .
 وليس هناك من شك في أن نسخ البشر أصعب من نسخ النعاج أو الضفادع أو الفئران . والسبب الرئيس في ذلك هو أ ن البويضة البشرية لا بد أن يتم حملها في الرحم ، بدلا من تركها على إحدى الصخور ، أو نقعها في حليب الهند ( كما فعلوا في بعض خلايا الجزر ) ، بالإضافة إلى أن البويضة البشرية هذه اصغر بكثير من بيضة الضفدع و أسرع منها عطباً ، لذلك فإن أكبر عقبة تواجه المختص في هذا المجال هي إيصال النواة المتناهية الصغر للخلية الجسمية سالمة إلى داخل سيتوبلازما البويضة ، وعندما يتمكن العلم من القيام بذلك ، فلن يكون هناك ما يمنع نمو هذه البويضة كأية بويضة ملقحة بالطريقة العادية .. ولقد توصل العلم ـ بالفعل  ـ إلى طريقة  تقنية لإدخال البويضة إلى الرحم الذي سيغذيها و ينميها !.
إن العلماء يحققون تقدماً في عملية نقل الجنين ، وإن هذا التقدم سيمهد الطريق إلى نسخ البشر ، ومما يسهل تحقيق هذه الهدف ، الاكتشافات العلمية
ولا سيما في مجال الاندماج الخلوي ، وقد تم العثور على مواد كيمائية لها مفعول سحري في التحرض على مثل هذا الاندماج ، كما تم عزل فيروسات يمكنها تحقيق الغرض نفسه .. و يحذر العالم ديملوت بقوله :
صحيح أن الاستنساخ الجيني يبدأ من أية خلية جسدية متمايزة وبالغة ، ولكن هناك خلايا جسدية تستثنى من ذلك ، وهي خلايا الدماغ و العضلات لأنها على درجة من الخصوصية بحيث يصعب إرجاعها بيولوجياً إلى مرحلة الصفر للانطلاق من جديد .
إن تساؤلات مثيرة وملحة تثار اليوم في مختبرات العلماء ، وربما تشير أبحاثهم العلمية إلى أن الكائنات المستنسخة ستكون عقيمة ، غير قادرة على الإنجاب ومواصلة التناسل الطبيعي .
لقد انتشرت بعد حكاية دوللي الافتراضات و السيناريوهات والتنبؤات المستقبلية ، فكتبت الصحافة عن إمكانية الحمل من دون رجل ومن دون حدوث جماع أو اتصال ، وجعل النساء يلدن بأنفسهن متكئين بذلك على العديد من روايات الخيال العلمي ( صارت هذه الراويات فيما بعد واقعاً ملموساً ـ ولدي كتاب أحرز قصب السبق في هذا المجال . إذ نشر في سورية منذ عام 1991 ـ وصدر عن دار الحكمة في دمشق وبيروت ، أراه أقرب إلى الخيال العلمي ، فهو يتحدث عن استنساخ كائن إنساني ، ويوثق هذه القصة بالأسماء والتواريخ
والأماكن والمشاهد ) .
إن العالمة البيولوجية في جامعة واشطن أورشولا غوددينوف تسخر
حين تقول :
ـ إذا أتقنت عمليات الاستنساخ ، فلن تكون هناك حاجة للرجال (!! )
وعلى ذلك .. وانطلاقاً من هذه الافتراضات ، سيكون بمقدور النساء أن يؤسسن عالماً خالياً من الرجال ، وسيصبح بإمكان المرأة أن تستنسخ نفسها ، وسيصح بإمكان العذراى اللاتي يرفضن الزواج و الحمل أن يحصلن على فلذات أكبادهن من دون رجال ( !! ) 
منذ عشرين سنة عرض فيلم بولوني بعنوان : "سيكس ميسيا" ، يتحدث عن عملية تكاثر مشابهة تماماً للاستنساخ الوراثي ، تجري مخبرياً بحيث يكون هناك تحكم في الجينات ، والمواليد دوماً إناث ، ولكن مخرج الفيلم أراد أن يحافظ على وجود الذكر ، فأنهى فلمه بخطأ صغير في عملية عزل الجينات ، فيأتي أحد المواليد ذكراً ، ومنذ سنوات ـ كما سمعت و قرأت ـ تم استنساخ بشري في الولايات المتحدة الأمريكية ، والنتيجة ، تحفظ كامل ، وسرية مطلقة ، وتجارب متواصلة ، ومتابعة دقيقة ، والمعلومات تؤكد على أن هناك جديداً سيشهده القرن الحادي و العشرون ، والرئيس نفسه يعلن و يصرح بالحرف الواحد : ينبغي أن لا نقع في إغراء
نسخ أنفسنا !.
هناك إغراء ، إغراء المعرفة ، إغراء البحث ، إغراء الاكتشاف ،  و العالم يذهل يوماً بعد يوم أمام هذا الإغراء ، أمام هذا الكشف غير المنتظر ، الذي سبق اكتشاف القنبلة الذرية ، و لم يقف الأمر عند هذا الحد .. بل إن هناك ما يثير الخيال البشري ، هناك الواقع المشهود الذي هو أبلغ من كل خيال ، فلقد وافقت لجنة اتحادية أمريكية على الاستنساخ البشري ـ في الأيام الأخيرة ـ وستعمل هذه اللجنة على حث الكونغرس لتمرير تشريع يسمح باستنساخ أجنة بشرية لاستخدامها في أغراض البحث ، ويحظر في الوقت نفسه استخدامها لاستنساخ مواليد جدد ..
 وفي هذا الصدد ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن عدداً من أعضاء اللجنة الاستشارية المختصة بأخلاقيات الأبحاث البيولوجية ، أعلنوا أن اقتراح اللجنة يسمح لعلماء و أطباء يمولهم القطاع الخاص ، باستنساخ أجنة بشرية لإجراء الأبحاث عليها، ويحظر زرع الأجنة المستنسخة في أرحام النساء بغرض استنساخ مواليد جدد ..
ـ وقال أعضاء في اللجنة : إن تلك التوصيات معقولة ، نظراً لتعقد الجانب الأخلاقي من القضية ، والحاجة إلى تحرك فوري ..
وذكرت الصحيفة أيضاً : أن اللجنة المكونة من ثمانية عشر عضواً كلهم خبراء في العلوم واللاهوت ستستكمل عملها في مطلع الأسبوع القادم !
وكانت اللجنة قد اجتمعت خمس مرات بناء على طلب الرئيس الأمريكي كلينتون ، منذ الكشف عن استنساخ النعاج دوللي في اسكتلندا ، خلال
شهر شباط ..
لقد طالب المنتقدون في أمريكة ومن بينهم مناهضو الإجهاض بحظر شامل على تجارب الاستنساخ البشري ، ولكن الباحثين يرون في الاستنساخ خياراً مفضلاً لعلاج العقم إلى جانب ما يمكن أن يقدمه من حلول في مجالات طبية أخرى .. بمعنى آخر لا خيار عن الاستنساخ ولا بديل ، فهل يحدث ذلك حقاً ، سؤال أتركه
لكم  .. أتركه ليكون في ذمة المستقبل ..
ـ واسمحوا لي ان أقول في نهاية المطاف : إن أخشى ما أخشاه أن نتصدى اليوم للاستنساخ الصهيوني ، فأسماء مثل : هرتزل ـ وايزمن ـ بن غوريون  ـ اشكول  ـ مائير  ـ ايبان  ـ بيغن ـ دايان  ـ كاهانا  ـ شامير ـ شارون  ـ رابين ـ بيريز  ـ باراك  ـ نيتينياهو .. قد تشابهت علينا جميعاً  ، وأضاعت أهدافها واتجاهاتها على منطقنا و عقلنا ـ نحن العرب  ـ فاختلطت الحمائم بالصقور  ، اختلطت على نحو لم نعد فيه نصدق أحداً ...
 علينا أن نتأكد من إبعاد عملية الاستنساخ ، إن أخباراً مدهشة، ومثيرة وغامضة و مشوشة ، مبهمة و متباينة تصل إلينا ، يوماً بعد يوم  ، وساعة إثر
ساعة ، علينا ـ قبل كل شيء ـ أن نتأكد من أنها ستستبدل بعالمنا هذا عالماً أكثر سعادة وأقل شقاء ، لأننا نحن في غنى عن مزيد من الهموم و الأحزان ، في عالم يصير الإنسان فيه مجرد حبال من الجينات يعاد تشكيلها  ، حسب طلب الرجل الأقوى ، السوبر مان الأثرى مالا ، أو الأشد بطشاً .. والليالي قادمات يلدن ..
كل عجيب .. 


هل نستطيع استنساخ البشر

ـ كانت ولادة ( دوللي ) .. أول ولادة انتشر خبرها في جميع أنحاء العالم ، لأول حيوان ثديي سبق أن تم استنساخه من خلية واحدة بالغة ، وقد كانت دليلاً حياً على أن العلماء قد توصلوا إلى حل إحدى المشكلات الأكثر تحدياً لبيولوجية الخلية ، وقد أثار هذا الأمر سؤالاً مزعجاً .. هل من الممكن استنساخ البشر أيضاً ؟
ـ في الحقيقة لم يكن كيث كامبل يفكر بغرف مليئة بالنسخ البشرية التي تكبر بصمت كقطع تبديل من أجل الشخص الذي يتم نسخها منه ، ولم يكن أيضاً يفكر بإعطاء الـ lesbians طريقة لحمل نسل بيولوجي من دون زيارة بنك النطف ، ولم يكن يهدف بالتأكيد إعطاء مالكي الفريق السابق أداة لنسخ أعظم لاعبيهم ، والمستشفيات أفضل أطبائهم ، أو الوالدين ابنهم المحتضِر ، كان كامبل ، وهو عالم حيوي في معهد روزل في اسكوتلندا يفكر في الغنم .. أعداد كبيرة من الغنم ( تعطى أسياجاً كافية ) لوضع جميع الـ inisommiacs في اسكتلندا لتنام، وكلها ناتجة عن خلية واحدة من نعجة واحدة . بعبارة أخرى كلها منسوخة.
عرف كامبل أن الاستنساخ من حيوان ثديي بالغ أمر مستحيل وفقاً لما ورد في الكتب المدرسية .
ـ كان يعرف أنه عندما تقرر خلية من الخلايا ما ستكون عندما تنمو ،
ستكون جزءاً من العظام ، أو الأعصاب ، أو الجلد ، أو أي عضو آخر ، فإنها تشبه ألبوم الـ CD الذي يتخذ مساراً واحداً فقط .
ـ وبالرغم من أن كل خلية في كل جسم ، بدءاً من خلايا الكبد عند الإنسان إلى خلايا الضرع عند الغنم ، تحتوي على البصمة الزرقاء الوراثية التامة لصنع الشخص كله أو النعجة بأكملها ، فإن الذي يؤثر في الواقع ( يلعب الدور الوحيد ) في هذا الأمر هو الوراثة .
بالنسبة لخلية الكبد أو خلية الضرع ، أما الطرق الأخرى ، وهي التعليمات بالنسبة للعضوية الكاملة ، فقد أُصمِتت .
ـ لم يكن كامبل لينهج أياً من هذه الطرق ، فقد كان هو وزملاؤه من معهد روزلين سائرين نحو استنساخ حمل من خلية بالغة ، حتى ولو قال الجميع إن هذا
غير ممكن .
ـ وقد توقفوا عن قول ذلك في شهر شباط من عام 1995 بعد أن تخطى كامبل القاعة ، نازلاً إلى المكتب المشوش مهنياً لزميله ( يان ويلموت ) .
ـ كان قد حسب ( أي كامبل ) ، كما قال لويلموت كيفية جعل الخلايا البالغة تصدر صوتاً لكل من النغمات الوراثية المطلوبة ، لتكون حيواناً كاملاً ، وكان المفتاح يتمثل في جعل الخلية غير فعالة .
وفي تلك الحالة تكون جميع جيناتها حائزة عل الكمون الاحتياطي للقيام بدورها ، وهذا ما تحقق منه كامبل .
ـ وكل ما كان مطلوباً هو اللاعب ( القائم بالدور أو بالفعل ) .
ـ وقد كان ذلك موجودا عند كامبل : البيضة الأصلية للبلغمة ـ خلية البيضة تحتوي على بورتينات خاصة تتحول إلى جينات تسلك جميع المسارات الواحد تلو الآخر كما يفعل شعاع الليزر في تشغيل شاشة الـ CD .
قال كامبل لويلموت : يجب أن نكون هادئين بالنسبة لهذا الأمر وأن نكتمه ولا نخبر به أحداً .
ـ ولم يخبر كامبل بذلك أحداً حتى الأسبوع الأخير عندما عرف العالم بقدوم (دوللي) التي ولدت في شهر تموز ، وهي الحيوان الثديي الأول الذي يتم استنساخه من خلية بالغة .
ـ إن الاستنساخ ، وهو استحصال وأخذ خلية أخذاً يدوياً من حيوان ثديي حتى تنمو وتصبح دقيقة طبق الأصل لذلك الحيوان ، يعتبر الفاكهة المحرمة  للتكنولوجيا الحيوية .
ـ كان العلماء واثقين جداً من أن ذلك لا يمكن القيام به ، حتى أنهم في عام 1970 (في بداية السبعينيات) نصحوا الأخلاقيين البيولوجيين بعدم التفكير في معانيها الأخلاقية الضمنية .
ـ ومع ذلك فقد كان علماء آخرون وفي الوقت نفسه يقتربون اقتراباً مستمراً من القيام بالاستنساخ وراء ستار من التكتم والسرية .
ـ إن مآل ومصير الاستنساخ لا يمكن توقعه أو التنبؤ به بالرغم من جميع مظاهر الدهشة والذهول التي تجلت في أعقاب الإعلان عن ولادة (دوللي ) في الأسبوع الماضي .
ـ ظل العلماء منذ عشر سنوات يقومون باستنساخ الأغنام والأبقار من خلايا الجنين مع أنها غير بالغة .
ـ ولم يتوقف البحث مع بهائم الحقل ، فقد قام علماء الجنين في جامعة جورج واشنطن عام 1993 باستنساخ أجنة بشرية ، حيث أخذوا خلايا من (17) جنيناً بشرياً يتراوح حجمها جميعاً بين ( 2 و8 ) خلايا وقاموا بفصلها وتركوا كلاً منها في صحن ( إناء مخبري ) فنمت جميعها ، وازداد عددها ، فحصلوا على بضع أجنة يحتوي كل منها على (32) خلية ، وهذا حجم يمكن زرعه في امرأة بالرغم من أن ذلك لم يحدث ، لذلك فقد عبر العلماء عن استغرابهم بشأن حلقات ( دوللي ) التي كانت جوفاء نوعاً ما .
ـ وكان السؤال الحقيقي بالطبع ، هل من المؤكد أن تلحق ( ماري ) الحمل ( النعجة) الصغيرة حيثما ذهبت ؟ في تعبير آخر ، في غضون كم عاماً سيتمكن العلماء من استنساخ البشر ؟
ـ وقد نشرت ( الطبيعة ) وهي صحيفة علمية قامت بنشر خبر ولادة
دوللي ، مقالاً تحدثت عن هذا الموضوع قالت فيه : ( إن استنساخ البشر من أنسجة البالغين ، يحتمل أن يتحقق في أي وقت من سنة إلى ما بعد عشر سنوات من الآن .
ـ ويقول أحد علماء الأحياء واسمه (W.Bruce , Curr ) إن (10) مختبرات فقط بالعالم باستثناء مختبره ، تستطيع التعامل يدوياً مع خلايا الغنم بالطريقة نفسها، التي تم فيها استنساخ ( دوللي ) ، وذلك بإخماد الخلايا وإنتاج النسخ منها .
ـ ولكن من حيث المبدأ ليس هناك أي صعوبة على الإطلاق في تخميد الخلايا البشرية { في صحن (وعاء) مخبري ) يقول (كوري ) .. كل ما هو مطلوب هو أخذ مزروع من خلايا متكاثرة وحرمانها من الغذاء } .
ـ بالنسبة لأجنة الغنم لا تظهر المورثات من خلية المعطي حتى تنقسم البيضة ثلاث أو أربع مرات ، هذا ما أشار إليه كوري .
ـ أما لدى الإنسان فتظهر هذه المورثات بعد انقسامين ، وقد يكون ذلك الفرق عقبة لا يمكن التغلب عليها بالنسبة لاستنساخ البشر وقد لا يكون كذلك .
ـ ولكن المرتابين كانوا مجمعين على أن قضية ماهية النسخة البشرية أمر
أكثر تعقيداً .
فقد تشبه النسخ البشرية ظاهرياً الشخص الذي تم منه استنساخها ، ولكنها تختلف اختلافاً كبيراً من حيث الميزات التي تحدد الفرد ، أي فيما يتعلق بالشخصية والجوهر والذكاء والمواهب .
ـ ها هي ذي القاعدة ، يقوم العالم النفساني ( جيروم كاغان من هارفارد ) لن يكون بإمكانك الحصول على توافق في الهوية بنسبة (100% ) أبداً وذلك بسبب عوامل الصدفة ولأن الأوساط لا تكون أبداً نفسها تماماً ، وهذا ما أراح السياسيين وزعماء الأخلاق والـ pundits .
ـ وقد أمر الرئيس كلينتون لدى ذكره القضايا الأخلاقية الجادة بأن تنقل اللوحة الفيدرالية لعلماء الأخلاق البيولوجيين في مدة /90/ يوماً أخباراً عما إذا كانت الولايات المتحدة ستنظم استنساخ البشر أم ستحظره .
ـ رفض علماء الأخلاق المناقشات التي دارت عام 1970 ، لذلك فقط استطاع العلماء المشاركون في هذه الجدالات والمناقشات نشر مقالة ذكروا فيها أن الاستنساخ يعتبر طريقة إنسانية لجعل الأزواج العقيمين يحصلون على طفل ، ضاحكين من أن الاستنساخ سيجعل الذكور كثيري العدد ، أو سيستحضر صوراً قبيحة لأشخاص مستنسخين يمكن رفعها كقطع تبديلية.
ـ ويبدو أن ذلك التطلع بعيد للغاية عن هدف معهد روزلين الروتيني وهو صنع كأس أفضل من الحليب .
ـ أراد العلماء بدعم من بعض الشركات الدوائية الحصول على هندسة وراثية للغنم والبقر بحيث يحتوي حليبها على بروتينات  بشرية ، ليس أي بروتينات ، بل تلك التي تستخدم من أجل أغراض صيدلانية ، أي أدوية .
ـ وفي أوائل العام بعثت شركة الـ (PPL) فريقاً من أجل ( روزي ) ، وهي بقرة يحتوي حليبها على جميع الحموض الأمينية تقريباً التي يحتاجها المولود الجديد ، تتمثل الفكرة في تنقية البروتين من حليب (روزي ) وبيعه على شكل مسحوق ، وذلك من أجل الأطفال الرضع الذين لا يستطيعون الرضاع الطبيعي .
ـ وتعتمد بعض الشركات الأخرى على الحيوانات ذات الصفات البشرية من أجل الحصول على كل شيء ، من الدم إلى القلوب .
ـ صنعت روزي بروتيناً بشرياً ، لأنها عندما كانت مجرد جنين في إناء في المخبر، قاموا بسحب مورثة البروتين ووضعوها في خلاياها ( المورثة البشرية ) ، مجهزة بحيث يتم صنع البروتين فقط في غدد الحليب وليس لنَقُل في الشبكية .
ـ عندما ولدت روزي كانت تحمل المورثة البشرية ، وهذا ما يجعلها
حيواناً استحالياً .
ـ ولكن وضع مورثة بشرية في كل بقرة يراد استنساخها ليس فقط أمراً متعباً، بل غير فعال أيضاً ، ومعدل إخفاقه أكثر بكثير من معدل نجاحه .
ـ تصور ( ويلموت ) أن الاستنساخ أعطى طريقة أفضل .
ـ وتقول وصفة ويلموت : أولاً قم باستنساخ نعجة تحويرية ( كان ويلموت يفضل النعاج ، الغنم ) على البقر ، وعندما يكبر الحمل خذ إحدى خلاياه ، دسها في البيضة الأصلية ( في خلية البيضة ) من غنمة مختلفة ، وضع الناتج بأكمله في النعجة الظئر الأم ( الحاملة للمستنسخ ) ، وانتظر (150) يوماً ، قم بذلك بضع مرات وبعد فترة قصيرة نوعاً ما ، سيكون هناك قطيع من الغنم تنتج حليباً
ذا شريط دوائي .
ـ وبعد أن أنتج قطيعاً من حوالي /12/ نعجة مستنسخة ، تصور ويلموت أنه سيربي الحيوانات ( أي النعاج ) بالطريقة العتيقة الطراز ، وبتلك الطريقة سيكون القطيع أكثر تنوعاً من النعجة الوراثية ، وهكذا يكون أقل تعرضاً
للفيروسات والأمراض .
ـ إن حجرة العثرة التي تقف أمام الاستنساخ تمثلت في أن الخلايا في الحيوان البالغ قد اختارت مسبقاً ما تريد أن تكون عليه عندما تكبر ، إنها خلايا الكبد أو خلايا الجلد أو العصبونات ( الخلايا العصبية ) على سبيل المثال.
ـ يتم إطفاء كل جينة غير مطلوبة بالرغم من أنها تبقى موجودة ، و نتيجة لذلك لا تقوم خلايا الجلد بصنع الايستروجين ، ولا تقوم خلايا الدماغ
بصنع الأنسولين .
ـ ويبدو أن البروتينات التي تعمل مثل حزام العفة في العصور الوسطى تعيق وصول الخلية إلى تلك المورثات .
ـ ولهذا السبب لم يقم العلماء البتة باستنساخ خلية بالغة ، وكفارس شجاع نبيل أُحبط ، لم يستطيعوا على الإطلاق الحصول على جميع المورثات اللازمة المطلوبة لصنع حيوان كامل .
ـ كانت فاتحة اكتشافات العلماء الاسكوتلنديين جعل الخلايا البالغة تعيش لغاية أقصى احتياطيها من العمر .
ـ قام العلماء بإزالة خلايا ثديية من نعجة حامل عمرها (6) سنوات ، وزرعوا الخلايا وتركوها تنمو في أوعية مخبرية غامسين إياها في
مواد غذائية ، ثم في خطوة وحدها التي جعلت كامبل ينزل إلى القاعة إلى ويلموت قبل عامين ، أعادوا الاتصال ما بين المواد المغذية و 1/20 مما تحتاج إليه الخلايا كي تنمو، وبعد خمسة أيام أصبحت الخلايا خامدة ، وساكنة في تلك المرحلة تماماً من دورة حياتها التي تكون فيها مورثاتها مفتوحة على ما يسميه علماء معهد روزلين (برمجة التعبير عن المورثات ) ، بتعبير آخر استطاعة المورثات تلقي إشارات من البيضة أنها ينبغي أن تبدأ بصنع جنين حمل ، تم بهذه الطريقة دمج /277/ خلية بالغة مع بييضات ، إلا أنه لم ينجم عن ذلك سوى /13/ حملاً ، ولم تولد حية إلا
دوللي ، ولكن هذا أفضل مما توصل إليه أي شخص آخر ، ما كاد العلماء يفرغون من استنساخ دوللي حتى أكدوا للجميع الذين سألوا عن هذا الأمر ، أن لا أحد أبداً سيلجأ إلى تطبيق التقنية التي أدت إلى صنع دوللي على البشر ، وعندما اضطر العلماء إلى الإجابة عن ما إذا كان استنساخ البشر قريب الحدوث ، تحدثوا عما ستؤول إليه مثل هذه الخطوة من النواحي الأخلاقية والقانونية ، وعن هدف هذا الأمر ، فقالوا : إنه لا أخلاقي ولا قانوني ولا هدف له ، ولكن كما أشار حاكم لندن ، فإن ذلك قد يحدث إذ أن الأمور التي لا هدف لها وغير الأخلاقية ، وغير القانونية تحدث كل يوم ، فإذا ما قرر المجتمع أنه يريد حشو مورثات الاستنساخ ثانية في زجاجة ، فهل يمكنه ذلك ؟؟.
ـ في حالة القنابل الذرية تحكمت الدول العظمى الخمس ( الدول النووية الخمس ) بتزايدها إلى حد ما تقريباً ، وذلك لأن الولايات المتحدة الأمريكية أظهرت لدى حادثتي هيروشيما وناكازاكي الرعب الذي يمكن أن تحدثه القنبلة الذرية .
ـ وقد اتفق أيضاً على إقامة حظر على الأسلحة البيولوجية .
ـ باستثناء الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 والهجوم الذي شنته قبيلة النظام الديني التي تدعى ( آوم شينريكو ) على الطريق الفرعي لطوكيو ، فقد بقيت الأسلحة الكيميائية أيضاً على الرف ، على الأقل منذ الهجمات المريعة والقطيعة بغاز الخردل التي حدثت في الحرب العالمية الأولى .
ـ هل سنسمح بحدوث بضع كوارث استنساخ حتى نقيم حظراً ؟؟.
ـ إن التحكم بالتقنيات التي تتطلب استثمارات كبيرة لرأس المال وبنية تحتية كالأسلحة ، أسهل من تلك التي يمكن تنفيذها من قبل طالبين متخرجين في مخبر
في قبو .
ـ إن الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً ، تحظر استخدام أموال الحكومة من أجل إجراء بحوث على أجنة بشرية ،ولكن أحد البيولوجيين في جامعة جروج واشنطن استقال في شهر كانون الثاني بعد أن اكتشف وهو يقوم ببحث على أجنة بشرية في محاولة لإيجاد طريقة لتشخيص تك الأجنة التي فيها شذوذات وراثية .
ـ إن من السهل تخيل باحث يملك أيضاً بواعث غيرية ( من أجل نفع غيره )، وهو يحاول استنساخ البشر بالرغم من الحظر .
ـ ويساوي ذلك في السهولة تصور أسباب أقوى للاستنساخ .
ـ نقلت صحيفة ( الطبيعة ) أنه قبل أن يرسل خبر قضية ولادة دوللي ، تلقت خطاباً من عالم في جامعة هارفرد يتوسل حذف هذه الصفحة ، لأن سوء استخدام تقنية الاستنساخ من قبل جماعات أجنبية أو خارجة على القانون أمر
محتم تقريباً .
ـ ادعى العالم المتنبئ بالمستقبل والباحث باتريك ديكسون الأسبوع الماضي أنه اتصل بامرأة أرادت استنساخ والدها الراحل ، ومن الممكن أن تحمل الطفل لتسميه بنفسها .
ـ و لكن من سيكون بالضبط ذلك الطفل ؟ إن أحلام وكوابيس الاستنساخ التي رأتها آلاف الأمهات ليست أقرب إلى الواقع بعد ولادة دوللي مما كانت قبلها ، نستطيع القول ، وهذا أمر أصبح معروفاً لدى جميع الناس ، إن دوللي نسخة دقيقة من النعجة التي تحمل حموضها الأمينية الـ DNA ، ولكن من الصعب تحديد الفروق بالنسبة للغنم .
ـ أما فيما يتعلق بالبشر ، فإن المورثات هي البداية فقط ، كما أدركت أفلام سينما هولييود قبل (19) عاماً .
ـ ففي فيلم ( أولاد من البرازيل ) تم تعريض الـ /94/ ولداً الذين صنعوا من إحدى خلايا هتلر للمعاناة الظاهرية التي عانى منها هتلر نظراً لأن واضعي حبكة هذا الفيلم الخيالي عرفوا أن المورثات وحدها لن تضمن الفوهرر (II) عن
طريق الـ (VC) .؟
ـ و لو ولدت دوللي قبل عشر سنوات لما انتهت الإيضاحات هناك ، مع طمأنة عامة الناس بأن الناس عددهم أكثر من مورثاتهم ، وأنهم نواتج لتفاعلاتهم مع آبائهم وأمهاتهم وأصدقائهم ومعلميهم وثقافاتهم وأزمنتهم ، ولكن دوللي أتت إلى الوجود تماماً عندما بدأ علماء الوراثة السلوكيون وعلماء النفس يتصورون بدقة كيفية ظهور أو انقلاب المورثات الطبيعية نتيجة لبيئتها .
ـ إن التأثيرات البيئية ، يمكن أن تبدل البنية الفيزيائية للدماغ ، وهي تحدد نوعاً ما كيفية تعبير المورثات عن نفسها في كلا علمي الأحياء والسلوك ، وهذا ما قاله الطبيب النفساني ستانلي غزتسبان من جامعة جورج واشنطن في كتابه الجديد (نمو العقل ) .
ـ خذ الخجل ، الذي يعتبر الصفة الأكثر توارثاً ، اكتشف أحد علماء جامعة هارفرد أن الأجنة ذات الضربات ( الخفقات ) السريعة تميل إلى أن تصبح أطفالاً خجولين ، بتعبير آخر ، إن هؤلاء الأطفال لديهم القابلية بيولوجياً لفرط الحذر والقلق ( يبدو أن الجينات لها علاقة بجعل الدماغ يتراجع عن التنبيه
والخبرات الجديدة ) .
ـ ولكن الأبوين إذا ما زجا أولادهم الخجولين في مواقف لا يرغبون بها ، كأن يلعبون مع أطفال آخرين ، من المحتمل أن تقوم الأجهزة الحيوية الكيميائية التي حرضت الخجل أولاً بإعادة الاتصال نوعاً ما .
ـ ما الذي يؤدي إلى الدرس الأول بالنسبة للمستنسخين في المستقبل . إذا ما قمت باستنساخ شخص اجتماعي وبعد ذلك قمت بحماية هذا المخلوق الثمين بغيرة مربية جولييت فقد تنتج زهرة جدار مهتزة .
ـ إن الإنجاز ( تحقيق استنساخ البشر ) واقع تحت سيطرة وراثية أضعف .
ـ يقول أحد أطباء الأعصاب وهو (هارولد كلاونز) من كلية (RUSH) في شيكاغو: لو ولد موزارت في قبيلة بدائية ( متخلفة ) في بابو غينيا الجديدة لما كتب سيمفونية أبداً .
ـ ولكن .. لقد كان والد موزارت مؤلفاً موسيقياً ، وأخته الأكبر منه كانت تتلقى دروساً في العزف على البيانو ، إن الموهبة الكامنة مهما كانت قليلة سوف تظهر وتتحقق .
ـ والثوريون الفكريون مصنوعون أيضاً ولم يولدوا هكذا .
ـ إن ( فرانك سولووآي ) من (MIT) الذي اكتسب شهرته وسمعته الطيبة بسبب دراساته التي تظهر كيف أن ترتيب الولادات يؤثر على كل شيء من الآراء (وجهات النظر ) السياسة إلى الشخصية ، يناقش هذا الموضوع فيقول : إن داروين لو لم يكن أول ولد لأمه ( بكر ) لما كان ثورياً .
ـ واستناداً إلى معلومات م (600) من معاصري داروين توصل (سوسووآي) إلى إحصائية مفادها أن ( 50% ) فقط من الأولاد البكور كانوا ثوريين ، ولكن (50%) من المولودين فيما بعد كانوا متحدّين للمؤسسات ، وعلاوة على ذلك فإن داروين ينحدر من عائلة متحررة سياسياً ودينياً ، ويقول عنه (سولووآي ) أنه محمّل تحميلاً كاملاً وغامراً بكل شيء يمكن أن يجعل المرء ثورياً .
ـ الدرس الثاني : ينص على عدم القول إن المورثات ليس لها أهمية ، فالحقيقة أنها ذات أهمية .
ـ إن المورثات تدفع الطفل دفعاً لطيفاً لسلوك تصرفات معينة ، تشكل بها عالمها بعد ذلك بين أمور أخرى تصدر عن تلك التصرفات الجارية حول أنواع معينة من ردود فعلها .
ـ ولكن التفاعلات وخبرات الطفل قلما تكون خارجة عن سيطرة الإنسان .
ـ صحيح أن الطفل الصاخب كالزوبعة يمكن أن يغضب والديه وحتى يجعلهما يشتمانه ، ولكن الوالدين يستطيعان تهدئته والتأثير عليه بحيث يكف عن هذا السلوك ، وذلك بتقبيله والإمساك به والتحدث إليه ومداعبته ، والطفل الذي بالفطرة بارد عاطفياً قد يصبح loving preschool .
وعلى العكس من ذلك ، فالأبوان اللذان يذعنان لرغبات طفلتهم المفرطة في الإحساس ، ويسمحان لها باللعب وحدها ، إنما يفاقمون نزعاتها الفطرية ، والأبوان اللذان ينسحبان بعيداً عن طفلهم الصعب المراس يجعلانه يبالغ ويتمادى في
صفاته السيئة .
الدرس الثالث : نادراً ما تعبّر كلمة وراثي ( غير قابل للتحول ) .
ـ هل يمكن أن يصبح أي أحد قطعة منسوخة ؟.
ـ دوللي ستسرّع السباق من أجل الحصول على منتجات جديدة كالأدوية والأعضاء البشرية ، ولكن لا تُنظَر بمقياس اللحم .
ـ أدى الإعلان عن الاستنساخ إلى هجوم المكالمات الهاتفية بسرعة على (ليزا تكرمان) المديرة المالية التي عملها وضع الاستثمارات في المجال الحيوي التكنولوجي ، هل كان هؤلاء المستثمرون يتطلعون إلى أن يكون لهم يد في عالم الاستنساخ
الجديد ؟ ليس تماماً ، فقد كانوا مراسلين إخباريين يرغبون في إجراء مقابلات .
ـ قالت ( تكرمان ) إنها في الحقيقة لم تتلق مكالمة واحدة من (وول ستريت ) يتساءل عن فرص كسب المال بسبب دوللي .
ـ ارتفع مخزون البضائع في شركة الأدوية الصغيرة جداً والمسماة (PPL) بمعدل (65%)  ، بينما تزحزح فقط مخزون معظم الشركات البيولوجية الأخرى ، ومع ذلك فإن التقدم الاسكوتلندي يضيف وعداً صعب المنال إلى السباق الذي يهدف إلى هندسة الحيوانات التي تستطيع إنتاج الأدوية ، من أجل تسوية المشكلات الصحية لدى الإنسان.
ـ يتصور العلماء الأبقار التي تنتج صيغة مختلفة من الحليب من أجل الأطفال الخدج ، لها أعضاء حيوانية تشبه وراثياً الأعضاء البشرية .
ـ إن كل ذلك ممكن على الأقل من الناحية النظرية ، وكان موجوداً حتى قبل إعلان الأسبوع الحافل .
ـ ولكن السؤال التجاري الحقيقي هو فيما إذا كان من الممكن أن يصبح الاستنساخ طريقة أفضل لتركيب الأدوية ، أو يكون مغامرة لا ضرورة لها
ولا يعول عليها .
ـ إن الاستنساخ زيادة حدثت في مجال حيوي تقني يدعى علم الاستحالة Trans genic ( التحور ) ، فمنذ عقد على الأقل ، كانت حفنة من شركات التحور تقوم بتبديل أجنة الماعز ، الخنازير ، والفئران ذات المورثات البشرية ، حتى يستطيعوا إنتاج بروتينات وأدوية لعلاج السرطان أو أمراض أخرى .
ـ إن المنتجات الاستحالية ليست للبيع ، ولكن اختبار البشر يبدأ في
الوقت الراهن .
ـ قامت إحدى شركات التحور بتربية عنـزات يحتوي حليبها على بروتين بشري مضاد للتجلط يمكن استخدامه بالنسبة لمرضى جراحة القلب .
ـ كانت شركة (PPL) قد ركبت الأبقار بما فيها بقرة تدعى ( روزي ) تستطيع أن تنتج حليباً يحتوي على بروتين مفيد للأطفال الذين لا يمكنهم الرضاع الطبيعي ، وتقوم شركات أخرى مثل ( أليكسون للمواد الصيدلانية ) باتباع طرقاً للحصول على خنازير من أجل زراعة قلوب وكلى لا ترفض لدى القيام بزرعها .
ـ إن الاستنساخ يعطي وعداً بالقيام بذلك في أحد الأيام ولكن بشكل أسرع وأكثر فعالية .
ـ يجب على الشركات الاستحالية الآن أن تقوم بتربية حيواناتها المتبدلة وراثياً عبر عدة أجيال للحصول على الخلطة ( المزج الصحيح ) ، عملية مكلفة قد تنجح وقد تخفق ويمكن أن تستغرق عدة سنوات .
ـ أنفقت الـ (PPL) [4] مليون دولار أمريكي في تربية (روزي) وقطيعين من الأبقار في غرب فرجينيا مقابل ( 750 ) ألف دولار امريكي من اجل دوللي . وتنتج شركات بيولوجية تقنية تقليدية بروتينات عن طريق تغيير خلايا بشرية في أوان VASTS كبيرة من الخميرة وهذه طريقة باهظة التكاليف أيضاً .
ـ ولكن بالنسبة للاستنساخ ، استطاعت الشركات القيام بهندسة الحيوان المرغوب به بواسطة المورثات المنتجة للأدوية الجديدة ، ونسخته طبق الأصل
مئات المرات .
ـ ولن يكون هناك فقط عدد أكبر من الحيوانات ـ تقول الـ (PPL) ـ بل كل منها سيكون أكثر فعالية .
ـ يقول آلات كولمان مدير الأبحاث في الـ (PPL) أنه عند استخدام التربية الاستحالية الطبيعية ، تنتج فقط غنمة أو غنمتان من أصل (10) ـ ومن كل عشر نعجات معدلاً عالياً من البروتين المطلوب ، ويستطرد قائلاً : أما في حالة الاستنساخ فإنها جميعاً ستكون حيوانات عالية الانتاج ، وسيكون لدينا قطيع انتاج في الجيل الأول .
ـ وتتحدث شركة الـ (PPL) سلفاً عن سوق بتكلفة (1) بليون خاص بها في أوائل العقد المقبل ، وهي تأمل باستنساخ حيوانات مهندسة وراثياً تنتج صمغ أنسجة Tissue Glue من أجل الاستخدام في الجراحة ودواء من أجل
التليف الكييسي .
ـ هل كل هذا حديث مضاعف ؟ يحتاج الاحتياطي ( الكامن ) للظهور بوضوح ، ولكن الحواجز العلمية والتجارية (steep) شديدة .
ـ على شركة (PPL) أولاً أن تستنسخ حيواناً ذا مورثات بشرية ، وأخبر (كولمان ) مجلة ( نيوزويك ) أنها [ أي شركة الـ PPL ] تأمل القيام بذلك في نهاية هذا العام ، ولكن معدل نجاحها عند استنساخ دوللي كان فقط
حوالي (3%) ، وهو معدل ينبغي أن يتحسن كثيراً لجعل تقنيتها أرخص من الطرق الحيوية التقنية المنافسة .
ـ وفي النهاية هناك سؤال عن الصناعة يقول : هل بوسعهم أن يصنعوا الأدوية بتكلفة أرخص وبأمان ؟
ـ هناك سؤال آخر عندما يتعلق الأمر بالقطعان المستنسخة بالطبع : هل يريد أي شخص أن يأكل قطعة مستنسخة ؟ الجواب الحقيقي هو أن ذلك الأمر يعتمد على كيفية تذوق الشخص ، ولكن مشاكل التسويق قد تكون مزعجة كالكوابيس، وقد قالت إحدى الشركات العملاقة المختصة في الأغذية في الأسبوع الماضي : إنهم لم يكونوا مهتمين .
ـ وحتى الصفات الفيزيائية مثل خطر الإصابة بمرض ما ، يمكن أن يزداد أو يقل أو حتى أن يزول نتيجة لخبرات المرء في الحياة ، فحوالي ( 15%) من النساء اللواتي يرثن الـ (BRCA1) المعروفة بأنها مورثة السرطان ( سرطان الثدي )
لا يصبن بالمرض ، ربما يكون السبب في ذلك شيئاً ما في بيئتهم أو مجرد الحظ .
ـ ويتم فتح مورثة أخرى مرتبطة بسرطان الجلد بالتعريض للإشعاع ، فإذا كان الشخص الذي يحمل هذه المورثة يتخذ احتياطات ضد الأشعة فوق البنفسجية فربما لا يصاب أبداً بسرطان الجلد .
ـ إن الأمراض الأكثر تعقيداً مثل مرض القلب والمرض العقلي أقل خضوعاً للسيطرة الوراثية ( للتحكم الوراثي ) .
ـ فالمرء قد يستنسخ ما يبدو شخصياً صحيح الجسم جيد الانضباط ليكتشف أن المستنسخ يمر بخبرات تجعله مفرط الإحساس أو منفصم الشخصية .
ـ على سبيل المثال ، قد تضاعفت الإصابة بانفصام الشخصية بين الأطفال الهولنديين المولودين في هولندا ( شتاء المجاعة ) في أثناء الحرب العالمية الثانية .
ـ ويمكن أن يتسبب سوء تغذية الأم في الإصابة بهذا المرض .
ولكن الاستنساخ الذي أخذ هؤلاء الأطفال نسخة وراثية طبق الأصل ، قد يهاجم انفصام الشخصية إذا كانت هذه النسخة مولودة لأم كانت تأكل أكلاً طبيعياً أثناء الحمل .
ـ الدرس الرابع : لا تعتمد على تجنب مرض وراثي فقط لأنك تستنسخ ما
يبدو شخصاً خالياً من المرض .
ـ إن ما تستنسخه قد لا يكون ما تحصل عليه ، وذلك يعود إلى سبب أساسي أكثر : فالخلية التي يجري استنساخها قد مرت بسنوات من التحولات .
ـ إن هذه التغيرات في مورثاتها الناجمة عن الإشعاع والمواد الكيماوية أو مجرد الصدفة ، ربما لا تكون قد أدت إلى مشكلة ظاهرية .
ـ فإذا ما طرأ تحول على مورثة المادة الكيميائية الدماغية في خلية جلدية فإن ذلك لا يمكن استنساخه .
ـ ولكن ماذا لو صادف أن كان أحد المخابر غير موفق ووقع اختياره على تلك الخلية للقيام باستنساخها .
ـ عند ذلك سيكون الطفل المولود حاملاً لتشوهات رهيبة أو حتى مميتة .
ـ إن الطفرات مشكلة بالنسبة لكل خلية ولا تستطيع حتى أن تعرف أن تبحث عنها .
ـ ويؤثر العمر أيضاً في الخلية المستنسخة ، وربما في الحيوان الذي ينشأ منها .
ـ فبالرغم من أن دوللي تبدو كحمل عمره /8/ أشهر ( ويعود ذلك إلى أن المتعاملين معها كان عليهم أن يستمروا في تغذيتها حتى تستطيع الوقوف بثبات أمام المصورين الفوتوغرافيين ، فهل من الناحية الحيوية الكيميائية حقاً تبلغ من العمر /6/ سنوات ، و هو عمر النعجة التي تم استنساخها منها ؟.
ـ إذا كان صنع دوللي يعطي أي دروس فهي ما يلي :
أولاً ـ من الممكن القيام بشيء لا تمنعه منعاً مطلقاً القوانين الطبيعية .
ثانياً ـ العلم دائماً تقريباً يفوز ، سواء أدى إلى نتيجة سيئة أو جيدة .
ـ صحيح أن الاشمئزازات الأخلاقية قد تلقي بعض الحواجز ( أحجار الطريق) في طريق العلم ، أو تؤثر على كيفية انتشار طريقة ما ، ولكن النفور الأخلاقي نادراً ما يكون نداً لانطلاقة العلم ، وعندما سيواجه المجتمع بارتياح
(بنفس طيبة ) حقيقة أن ليس هناك أي قانون معروف من قوانين الطبيعة يمنع
استنساخ البشر .
ـ فإذا كان البالغون يودون استنساخ أنفسهم ، إما لتربيتهم كأطفال أو لزرع قطع تبديلية ، فالوقت مؤات الآن لإعلان ذلك بصوت مرتفع ، أو ربما لا ينبغي أن نقلق بشأن ذلك ، وبالرغم من كل ذلك فإنهم يقولون أن ذلك لن يتم .
اليوم النعجة .. وغداً الراعي ؟
قبل أن يصل العلم إلى هناك ، يريد علماء الأخلاق طرح بعض الأسئلة الصعبة والإجابة عليها .
ـ قبل عشرين عاماً وعندما تم فقط استنساخ الضفدع أبي ذينبة (Tapdole) ، أثار علماء الأخلاق البيولوجيون إمكانية أن العلماء قد يطورون التقنية نحو استنساخ الكائنات البشرية ايضاً في أحد الأيام .
ـ أرادوا مناقشة القضية ، ولكن العلماء حملوا على مخاوف الأخلاقيين ووصفوها بأنها مهيجة .
ـ قال العلماء : ليستمر البحث ، لأن الاستنساخ البشري لن يخدم أي هدف علمي محسوس .
ـ إن استنساخ البشر في المتناول الآن ، والمجتمع بأسره واقع تحت حصار وضغط قيوده الأخلاقية .
ـ اليوم تم استنساخ النعجة ، فهل سيستنسخ الراعي غداً ؟
ـ إن قضية إمكانية تبرير استنساخ البشر أخلاقياً مطروحة حالياً طرحاً ثابتاً وربما طرحاً دائماً في جدول أعمال الأمة الأخلاقي .
ـ وقد أعطى الرئيس الخبراء الاستشاريين مهلة /90/ يوماً فقط للخروج باقتراحات من أجل عمل الحكومة .
ـ إن بإمكان الحكومة أن تمنع استنساخ البشر أو أن تصدر أنظمة تحد مما يمكن أن يقوم به الباحثون .
ـ ولكنها غير قادرة على التحكم بتصرفات الأفراد أو جماعات خاصة عازمة على استنساخ البشر أو أي هدف آخر ، وللعلم طريقته في تخطي جميع
القيود الأخلاقية .
ـ هناك قاعدة علمية تقول : ( ما يمكن القيام به ، سيُفْعَل ) .
ـ يعتبر بعض علماء الأخلاق استنساخ البشر شراً وتدخلاً لا مبرر له في
حياة الإنسان .
ـ ويقيس آخرون أخلاقية فعل ما بالنية التي تكمن وراءه ، ومع ذلك فآخرون يهتمون بالدرجة الأولى بالنتائج ، بالنسبة للمجتمع والأفراد على
حد سواء .
ـ ويقول الأب ( ريتشارد ماكروميك ) ، وهو عالم أخلاقي في جامعة (نوتردام ) / وهو يمثل الخط الأكثر صلابة : إن أي استنساخ للبشر هو أمر منفر ، من الناحية الأخلاقية ، فالشخص الذي يريد استنساخ نفسه أناني جداً
و( ريتشارد ماكورميك ) واحد يكفي .
ـ ولكن لم لا نقوم باستنساخ ( إنشتاين ) آخر ؟ عندما تبرمج من أجل انتاج كائنات متفوقة فإنك تدخل في مجال علم تحسين النسل ، وتحسين النسل من أي نوع أمر سديد فطرياً (EUGENIC) .
ـ ما الخطأ في استنساخ (sbiling) يمكن استخدام مخ عظامه لإنقاذ
طفل مريض ؟
ويعتقد ( ماكورميك ) أن ذلك يعني استخدام كائن بشري آخر فقط كمصدر من أجل الأعضاء التي يمكن استبدالها .
ـ و لكن لماذا لا يلجأ زوجان عقيمان للاستنساخ إذا كانت هذه الوسيلة الوحيدة للإنجاب ؟
ـ إن العقم ليس شراً مطلقاً يبرر فعل أي شيء للتغلب عليه ، يقول ماكورميك ملحاً .
ـ ويرى علماء أخلاق آخرون استثناءات ممكنة لقاعدة عامة
ضد الاستنساخ .
ـ ويعارض ( تيدلر) الاستنساخ على أسس توراتية ( دينية ) .
ـ ولكن إذا ما أراد ناج من نار عظيمة ( حريق كبير ) عقيم من الجيل الثاني وريثاً ذكراً للاستمرار في خط عائلي مختلف القدر ، يقول ( تيدلر ) أنه ربما ينصح الرجل بالاستنساخ الذي يعتبره أفضل من نطفة المعطي ( المتبرع ) .
ـ العالمة اللاهوتية الأخلاقية ( ليزا ساوهيل كاهل ) من جامعة ( بوسطن ) ليست مقتنعة بعد بأن استنساخ البشر شر متأصل . إن ( كاهل ) الأم لتوأمين متماثلين في الشكل تتساءل بشأن ما إذا كان صنع مستنسخ ينتهك بالضرورة كرامة النسخة الأصلية أو الوراثية .
ـ أما بالنسبة لعلماء الأخلاق الآخرين ، فإن أكثر ما يهم ( كاهل ) هو التعايش بين الكائنات البشرية ومورثاتها ، انس الـ hubris وتذكر التجارية .
ـ ما الذي سيمنع انتقال كتلة (dollop) من الـ DNA إلى شخص سليم معافى يريد طفلاً جميلاً ورشيق الحركة وذكياً .
ـ وإذا ما ذهبنا إلى ما وراء جدالات الخبراء ، فإن المجتمعات الدينية في الأمة ستقوم بدور مهم في المناقشة الوطنية فيما يتعلق بالاستنساخ ، هذا ما يقوله العالم الأخلاقي ( جيمز تشيلدرس ) ، وهو عضو من أعضاء قائمة مستشاري الرئيس .
ـ ويتفق جميع العلماء اللاهوتيين على أن المستنسخ سيكون ذا روح شأنه شأن أي شخص آخر ، وبالرغم من أن البابا عليه أن يتحدث عن مسألة
الاستنساخ ، فقد أدان الفاتكان مراراً استخدام أجنة بشرية لأغراض غير علاجية ، وهذا ما يحتاج إليه الاستنساخ .
ـ ولم تصدر المحاكم الإسلامية أيضاً حكماً بشأن الاستنساخ ولكن العالم الإسلامي (عبد العزيز ساشدينا ) وهو عالم أخلاقي طبي في جامعة فيرجينيا قلق بشأن المعاني الضمنية الطويلة المدى لفصل التكاثر عن العلاقات
 الإنسانية ( البشرية ) .
ـ ويحذر عالم أخلاقي بروتستانتي من أن الاستنساخ سيبرمج الأبوين على أن يفكروا بأطفالهم كمنتجات .
ـ ويتوقع العالم البوذي ( دوناد لونيز ) مشكلات حقيقية بالنسبة لنظرية الكرما ( KARMA) ، هل سيرث المستنسخ الـ KARMA من
الشخص الأصلي ؟.
ـ ومن أجل الحكم بما يسمح به المجتمع الأمريكي حالياً ، فإن الأمة تسير حثيثاً نحو القبول الضمني للاستنساخ .
ـ و يلاحظ العالم الأخلاقي ( دانيال كالاهان ) أن هناك قيمتين في مجتمعنا تسمحان لأي أحد بفعل أي شيء يريده في التكاثر البشري .
ـ الأولى هي الحق الكامل تقريباً بالتناسل أو عدمه كما تراه مناسباً .
 
ـ والثانية هي أن كل شيء مسموح القيام به طالما أنه لصالح تحسين الصحة .
ـ قد تكون رسالة دوللي تتمثل في أن المجتمع سيعيد دراسة انزلاقه الأخلاقي الطارئ نحو السيادة على الحياة البشرية .
 

 


{ لا شك أن التعامل مع الأعشاب ، والتداوي بها .. قد أصبح موضة العصر ، بل موضوع الساعة ، خاصة بعد أن شهدت الأدوية الكيماوية انحساراً ملحوظاً على الساحة الطبية ، فلقد طالها العد التنازلي على المستوى المحلي و العالمي ، نتيجة للأضرار الجانبية التي تحدثها في جسد الإنسان ، بل نتيجة للمضاعفات الخطيرة التي قد تصل إلى حد الموت في حال سوء استعمالها ، وعدم توخي الدقة في كميتها
 وزمن تناولها ‍.
لقد بدأ الصيادلة و الأطباء يفتشون في الدفاتر العتيقة ، ويقلبون صفحات الكتب التراثية الصفراء ، ويبحثون عن تلك الأعشاب التي كان يتعاطاها مرضى العصور القديمة ، أولم تكن وصفاتٍ ناجحة لأطباء حاذقين موصوفين الحكمة والرصانة و الاندفاع الإنساني الخيري ؟! .{ 
موفق

 
الأدويــة والأغـذيــة

الطب المعاصر يقول :
ـ عودوا إلى الطبيعة ..
عودوا إلى حضن الأم الحنون ..
تقول الشجرة في دعائها :
ـ رويدك يا من تحمل فأساً لتهوي بها عليّ ..
استمع إليّ قبل أن تؤذيني . أنا نار موقدك في الليالي الباردة ، و ظلّك الظليل في أيام الشمس الحارقة . أنا ركن بيتك ، وأثاث دارك ، و متكأ سريرك .. أنا يد معولك ومسند ظهرك .. أنا قلمك الذي تكتب به .. أنا قاربك الذي تبحر به .. أنا عكازك .. أنا عطية الله  وصديقة البشر .. رويدك يا من تمر بي .. استمع إلى دعائي و لا تؤذني .. ذاك هو نداء الشجر ، ذاك هو نداء الأرض ، ذاك هو نداء النبات والعشب ، ذاك هو نداء الطبيعة : الأم ..
والشجرة أم تحمل و تنجب ، وغالباً ما يؤنثها الإنسان تحبباً بها ، فيقول مثلاً (تفاحة) ، قاصداً بذلك شجرة التفاح ، أو ( سقطت تحت أمها ) عن الثمرة التي تسقط .. وكثراً ما تسمى البنات أو الأبناء بأسماء الشجرة أو الفاكهة .
وقد نال ما تنبته الأرض قسطاً من تفكير الإنسان ، وتخيلاته ، حتى أنه بفطرته السليمة صار يدرك أن ما أنبته الله تعالى من حوله من أعشاب و نباتات قد جعل فيها شفاء و دواء مما يصيبه من العلل . هناك جذور .. وهناك أوراق ، وهناك سيقان و لحاء .. وهناك بذور .. ثم هناك تجارب !! و هذه المختبرات حافلة ليل نهار بالأبحاث و التجارب ..
لقد راقبوا القردة ـ ذات مرة ـ فوجدوها تحشو جروحها بأوراق من نباتات  عطرية . ثم ثبت لهم ـ فيما بعد ـ أن لها مفعولاً مطهراً للجروح و مسكناً بفضل ما تحتويه من زيوت طيارة ..! . كأنما الطبيعة هي صيدلية .. الطبيعة بما فيها من أعشاب و نباتات و أشجار صيدلية حقيقية .
وهناك في تاريخنا و تراثنا أطباء و عشّابون ، قدموا ثمرات خبراتهم ، وخلاصة تجاربهم ، يقول أبو الطب ( أبقراط ) :
ـ ليكن غذاؤك دواءك ، عالجوا كل مريض بنبات أرضه فهو
أجلب لشفائه ..
وقد ابتعد عن السحر ، وأعتمد في طبه على تفسير الأمراض بأسبابها الطبيعية وعلاجها على هذا الأساس مستنداً إلى الغذاء الطبيعي و الرياضة و الشمس. وورد عن الفراعنة أنهم استخدموا نبات العرعر في علاج أمراض الكلى و المثانة و أنهم عرفوا فائدة الحنظل في طرد الديدان كمسهل ، وعرفوا زيت الحلبة لمعالجة تجاعيد الشيخوخة ، واستعملوا الخروع لعلاج سقوط الشعر .. تقول
إحدى بردياتهم :
ـ تدق حبوب الخروع ، تخلط بالماء ، ثم توضع على الرأس و سوف يزول الصداع ، كأنه لم يكن ..
 أما الهنود القدماء فقد عالجوا بالأعشاب ، وما يزالون يعرفون كثيراً من الأسرار العلاجية فيها .
ونبغ الفرس أيضاً في هذا المجال ، حتى أنهم وضعوا كتاباً لقواعد العلاج بالأعشاب سموه : (( زاندا فستا )) لكن ما يعيبه هو : اختلاط قواعد الطب بالشعوذة وعدم الواقعية ..
ويجيء أطباؤنا العرب ليقدموا صورة ناصعة البياض عن خبراتهم المتقدمة ، وتجاربهم الرائدة في ميدان " التداوي بالأعشاب " .
ظهرت الرسوم النباتية واضحة في الزخارف عندهم إلى جانب شجرة الحياة ، واستفاد الأطباء آنئذ من النباتات في تركيب الأدوية أو ما يسمى بـ " الأقرباذين " أي علم دساتير تركيب الأدوية ، حتى إن بردية مصرية تذكر لنا قائمة بأسماء سبعمائة دواء لكل الأمراض المعروفة ، وهي محضرة من الأعشاب و النباتات ، ووصلت إلينا قوائم من بلاد آشور تتحدث عن أسماء كثيرة من هذه النباتات . نقل العرب بعض الكتب الهندية و اليونانية ، لكنهم تعمقوا في دراسة خواص التربة ، وأبدع الأندلسيون في علم النبات " و البستنة " ونبغ منهم أحمد بن محمد الغافقي الذي صنف النباتات و فوائدها الطبية .
وتراثنا العلمي يذكر أول من كتب عن النباتات و هو عبد الملك بن عبد العزيز البصري المتوفى سنة 140هـ ، و الخليل بن أحمد المتوفى سنة 180 هـ و له كتاب يحوي أسماء الأشجار و الأعشاب والكثير من النباتات .
 وهناك كتاب النباتات " لأبي حنيفة الدينوري " المتوفى سنة 282 هـ وكتاب الشجر  " لأبي عبد الله بن الحسين " منتصف القرن الرابع الهجري ، وقد ترجم إلى الألمانية . وكتاب " لسان العرب " لابن منظور وفيه إيجاز شامل لكل ما عرف من علوم النباتات الطبية و غير الطبية ، وكتاب منهاج البيان فيما يستعمله الإنسان لأبي يحيى بن جزلة البغدادي : وهو فريد من نوعه في بيان الأدوية
المفردة والمركبة .
 وهناك عميد أطباء دمشق " رشيد الدين الصوري " صاحب كتاب " الأدوية المفردة " في علم النبات و تطبيقاته ، وذكر فيه نحو خمسمائة دواء و هو كتاب هام مزين برسوم النباتات ، أما ضياء الدين بن البيطار الذي نشأ في الأندلس ، وعاش في المغرب ، وزار مصر و بلاد الشام ، فقد كتب معجماً طبياً و علاجياً أسماه " الجامع الكبير لمفردات الأدوية و الأغذية " و يمكن أن نعتبره من خلال هذا الكتاب الجامع أول عربي ألم بخواص النباتات ، إذ جمع فيه ألفين من هذه الخواص ، وله كتاب " المغني في الأدوية المفردة " و كتاب " الأفعال و الخواص العجيبة " وآخر مؤلفاته
" الدرة البهية في منافع الأبدان الإنسانية " .
 وجاء يحيى بن العوام و هو من أهالي أشبيلية ، فألّف كتاب " الفلاحة " الذي يعد من أدق المؤلفات العربية في مجال النباتات و الأعشاب و الأشجار المثمرة.. وفيه مبتكرات عملية جديدة . ولا ننسى سابور بن سهيل الذي كان أول طبيب يضع دستوراً للأدوية ، و ابن سينا و موسوعته في " القانون في الطب  " .
والرازي الذي وضع أول كتاب عن الأعشاب اليونانية بالفارسية و اسماه
" حقائق الأبنية عن الأدوية " ، و الحكيم العربي يحيى بن خزلة وقد ألف كتاباً
سماه : " المنهاج " و رتبه على الحروف الهجائية ، و جمع فيه أسماء الحشائش والعقاقير والأدوية ، والشيخ داود الأنطاكي صاحب " التذكرة " المشهورة باسمه ، وابن زهر ، والزهراوي ،  ابن النفيس .. الذي يقول في هذا المجال :
ـ صحتك في تنظيم غذائك ، وعليك بالحذر من اللجوء إلى الأدوية لسميتها، إلا عند الضرورة القصوى . لقد كان لهؤلاء جميعاً اهتمام بالنباتات والأعشاب و البحث في عالم الطبيعة لإيجاد الدواء الشافي .
ولقد حض الإسلام على المعالجة ، و أبعد الطب عن مظاهر السحر والشعوذة، ونقل عن الرسول الكريم ( ص ) أحاديث كثيرة في حفظ الصحة والوقاية من المرض ، عرفت باسم " الطب النبوي " .
يقول الرسول ( ص ) : " يا عباد الله تداووا ، فإن الله ما انزل من داء إلا وأنزل له دواء " .
وفي يومنا هذا .. لقد ملّ الناس العلاج و الاستطباب بالمستحضرات الكيماوية.. و ذلك لما لها من أضرار جانبية بدأت تظهر يوماً بعد يوم ، و كأنما أراد العلماء والباحثون أن يعيدوا النظر ، أن يبطئوا السعي وراء الكيماويات ، كأنما أرادوا أن يلتفتوا إلى الطب الطبيعي من الأعشاب و النباتات لما فيها من نفع ووقاية.
 
 
والدراسات المعاصرة في هذا المجال بدأت تتوالى .. وصارت تثبت صحة ما توصل إليه الباحثون .. فبدأوا بتطبيقاتهم العملية الواقعية . فهناك أطباء يعالجون مرضاهم من ارتفاع ضغط الدم باستخدام الثوم ، واليابانيون ـ اليوم ـ يفعلون ذلك ، وهناك من يعالج حساسية الأنف باستخدام شمع عسل النحل كما يفعلون في أوربة . كأنما صار الطب بالأعشاب هو المجال الآمن و الفعال لكثير من الأمراض ، بعد ما ذاق الإنسان متاعب الدواء الكيماوي ( سواء من أضراره الجانبية و مخلفاته السمية ، أو من فائدته الضعيفة ، أو من ارتفاع ثمنه ، أو نقصه في السوق ، أو من تعرضه أحياناً للغش التجاري ) .
ولقد عرفنا أن التداوي بالأعشاب و النباتات .. والاستطباب بهما أمر قديم.. يرتبط بعمر الإنسان فوق رقعة الأرض ، و هذا الأمر يصير جديداً ، مستحدثاً ، في يوم الناس هذا ، و الهدف كله أن نخفف الآلام ، وندفع الأذى ، و نحقق الصحة السليمة و العافية المرجوة .
فبالأطعمة البسيطة ، وبالنباتات الوفيرة ، والأعشاب المداوية ندفع كثيراً من الأمراض ، ونتمتع بصحة جيدة .. وذلك أسمى ما يرجوه كل طبيب ..
إن الابتعاد عن أمنا الطبيعة يزيد من بؤسنا ، يزيد من مأساة الإنسان المعاصر . فلماذا نترك أمنا الطبيعة ، أمنا الأرض .. ونقبل على الكيماويات المصطنعة ؟ لماذا نترك هذه الهبات و الأعطيات ( من أدوية طبيعية و من أطعمة و غير ذلك ) و نمعن في المعاناة اليومية و القلق النفسي و الأمراض المعقدة . ونذكر على سبيل المثال :
ـ إن تعاطي الكورتيزون تعاطياً متواصلاً بسبب ارتفاع الضغط ، وفقدان المناعة ، ونشوء تقرحات في المعدة ، وهناك في الطبيعة  معطيات تقوم مقامه ، هناك في البيئة وصفات طبية مؤكدة ، مجربة يمكن أن تكون البديل .
وهذه ( الحبة السوداء ) موجودة ، هذه بذور الحرمل أيضاً . لمعالجة ديدان البطن ، وتساقط الشعر ، و إدرار الحليب عند المرضع .
 
 
والخردل ، وإن أُكِلَ منعَ الطعام أن يفسد و لذلك يمنع التخم ، ويسكّن وجع الأسنان مضغاً ، و يقوي القلب مع العود والمصطكي .. وينبغي أن يجفف في الظل لتبقى قوته و عطريته . ولأهميته درج الأطباء ، على استعمال زيته في صناعة معاجين الأسنان لأنه مطهر ، ومنبه للأغشية بما يحدثه فيها من التحذيرات المؤقت الذي يعقبه رد فعل .
ـ والنعناع : ذلك النبات المعروف ، يحدث عنه الأطباء العرب بإسهاب وذلك لكثرة فوائده الطبية .
 يقول الشيخ داوود الأنطاكي في كتابه " التذكرة " :
النعناع يمنع الغثيان ، وأوجاع المعدة ، و الفواق ، ويطرد الديدان بالعسل .
وهناك من انتبه إلى شراب النعناع الذي يفيد في معالجة الإضطرابات الحرارية ويسكن المغص المعوي ، ومغص أسفل البطن ، وآلام الحيض . إن النعناع صديق القلب ، وهو مريح للأعصاب ، وحبيب الجهاز الهضمي ، يبعث القوة في الجسم ، إذ يقوي عمل البنكرياس ، ويعالج السعال و الربو .
وقد يستعمل ظاهرياً لعلاج الروماتيزم والمفاصل والالتهابات ،  والغرغرة بمغليه تفيد في شفاء اللثة و الأسنان بالإضافة إلى تطبيب رائحة الفم . ومن فوائده أيضاً معالجته لالتهاب الثدي ( إذا عملت منه لبخة فوق مكان الإصابة ) .
والبقدونس : حامل بريد الصحة والجمال ، البقدونس الذي يستخدم على نطاق واسع في الغذاء قبل أي شيء ، لأن فيه كثيراً من الفيتامينات ، إنه يتمتع بخواص دوائية قيمة ، ولذا يستخدمه الطب العلمي في الحياة اليومية ، ويوصى باستعماله من أجل تحسين الرؤية و تقوية اللثة ، يصنعون منه ضمادات عند التعرض للكدمات ( الرضوض ) ، ويساعد عصيره الطازج في دفع لدغات البعوض و الزنابير والنحل ، ويقتل الطفيليات ، ويتمتع عصيره بخواص ضرورية من أجل التبادل الأوكسجيني والحفاظ على الأداء الوظيفي الطبيعي للغدد فوق الكلوية (غدد الكظر) والغدة الدرقية .
إن العناصر الموجودة فيه ، تكون مساعدة في تقوية الأوعية الدموية ، وبخاصة الشعيرات و الشرايين ، وهذا العصير هو دواء ممتاز لأمراض الجهاز البولي التناسلي في حال تشكل الحصى في الكلى و في المثانة ، وهو يستخدم بنجاح عند الاستسقاء ( Hydrops  ) و هو أيضاً فعال لكل أمراض العيون و جهاز العصب البصري .
وهل يمكن أن ننسى خاصة هذا العشب الأخضر في تجميل الوجوه ، إذ ينصح من اجل تبييض جلد الوجه ، بسحق باقة من أوراق البقدونس وإضافة عدة ملاعق من اللبن الرائب ، ويوضع على الوجه ( على شكل قناع ) ثم يزال بعد عشرين دقيقة ، ويغسل الوجه بمرق الأقحوان ، ويدهن بكريم مغذ بهدف وقاية جلد الرقبة من ظهور تجاعيد مبكرة .
ولكن المهم في ذلك كله ، في الطب وفي التجميل ، أن يستعمل البقدونس الطازج بأوراقه و جذوره في التدبير المنزلي .. وذلك أفضل شيء .
ـ والسماق : ما إن يذكر حتى يسيل اللعاب لطعمه الحامض القابض  ، والسماق نبات اقتصادي طبي عطري تزييني طبيعي ينمو تلقائياً فهو بري ، وشائك الفروع يستفاد من ثماره ، ويصنع منه شراب حامض يضاف إلى المخللات الشتوية و الزيتون فتزداد قبولاً و اشتهاء .. ويدخل أيضاً في إعداد الزعتر الشهي .. ويفضله النحل لذا تراه يحوم حوله ، ويجني من زهره .
ومن جهة التداوي : تعد أوراقه دواء للجروح فتقطع النـزف ، وتعالج أمراض المعدة به ، ويسف السماق نيئاً أو يشرب مغليه بالماء عند الإسهال ، ويتمضمض به ذو الفم المريض ، ويفيد في علاج الدواب المرضى يضاف إلى علفها لمعالجة بعض أمراضها الفموية فتشفى .
ـ والغار : ينمو في الصخور والبراري و الغابات ، ويستخرج منه زيت الغار الشهير الذي يدخل في صناعة أفضل أنواع الصابون ، وتكون رائحته طبية عطرة ورغوته كثيرة ، وزيت الغار أغلى من زيت الزيتون . ويصنع منه بعض أنواع العطور،  و يدخل في صناعة الأدوية الشعبية البشرية و البيطرية ، ولا سيما الجرب والأمراض الجلدية . و أوراق الغار عطرة الرائحة تستخدم لإكساب اللحم المسلوق طعماً لذيذاً ، وإذا غليت هذه الأوراق مع منشور الليمون فإنها تشكل مادة تشرب كالشاي ، تزيد قوة الجسم و نشاطه ، و تفيد بذور الغار إذا دقت في علاج أمراض الرأس ( الصداع و الصرع ) ، وزيته له فعالية كبيرة في الجروح و التئامها .
ـ و البلوط : إذ يعرف ثمره بأنه ينتج الحبر الأحمر الأصلي الذي كانت الكتابة به قديماً ، وهو ما يسمى بحبر العفص . ويرد في الطب العربي أن مغلي قشر البلوط المحلى كالشاي يفيد لمن يتبول في فراشه ليلاً ، و لمن كان رخو الظهر ، كذلك تغلى قشور أشجار البلوط الفتية و تحلى بالسكر و تشرب كالشاي لمعالجة المعدة المريضة وأمراض الفم ويقال بأن ذلك الشراب يشفي من السرطان ، كما أن ثمار البلوط الناضجة المجففة في الشمس تنفع كثيراً فهي دواء للسم ، وإذا ذر مطحونها فوق الجراح المفتوحة التأمت .
ـ البابونج : نبات عشبي سريع النمو يزهر بعد شهرين من زراعته ، أوراقه مركبة على هيئة أوراق قرصية لها رائحة التفاح ، وله مفعول مساعد للهضم وكذلك مساعد في استرخاء العضلات الملس المبطنة للجهاز العصبي ، أي أنه مضاد للتقلصات ، وهذا المفعول يرجع إلى احتوائه على كيماويات معينة من أهمها  مادة : بيزابولول ، و البابونج مساعد في التئام قرحة المعدة بل إنه يوفر الوقاية من الإصابة بقرحة المعدة و يساعد في التئامها .. (وذلك مجرب لمن تناول البابونج بانتظام
يومياً ) ، و هو مهدئ و يفيد في مقاومة المغص المرتبط بالدورة الشهرية ، بالإضافة إلى أنه مطهر للجروح و يعالج التهاب المفاصل .
أما زيت البابونج فيدخل في بعض الصناعات الدوائية و مستحضرات التجميل التي تعنى بالبشرة .
ـ اليانسون : نبات دقيق ، يطول أكثر من ذراع ، مربع الساق ، دقيق الورق عطري .. يزيل الصداع ( الشقيقة بخاصة ) و أوجاع الصدر ، وضيق النفس والإعياء و السعال و الحصى ، وضعف الكلى والطحال ، و يعزى مفعول اليانسون كمساعد على إدرار اللبن عند المرضعات لاحتوائه على مادتين كيماويتين لهما مفعول مشابه للهرمون الأنثوي استروجين و هما ديانيثول و دفونوأنثيول وهو يخفف المتاعب الصحية و النفسية التي تعاني منها النساء بعد انقطاع الحيض ببلوغ سن اليأس نظراً لتوقف إنتاج هرمون الاستروجين و هرمون البرو جسترون من المبيضين. ويمكن أن يفيد اليانسون في علاج سرطان البروستات كوسيلة إضافية إلى جانب العلاج الدوائي .
ـ التين : منه نوعان بري و بستاني ، و أجوده اللحيم النضيج المكبب الذي لا بنفتح بالغاً ، وفي فمه قطع كالعسل الجامد . وهو أصح الفواكه غذاء إذا أكل على الخلاء ولم يتبع بشيء .
 وفي حديث أبي الدرداء قال :
أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم طبق من تين فقال : " كلوا " و أكل منه ، وقال " و لو قلت عن فاكهة نزلت من الجنة قلت هذه ، لأن فاكهة الجنة بلا نوى فكلوا منها ، فإنها تقطع البواسير و تنفع في النقرس " .
ومن أهم فوائده الطبية : علاج الإمساك لأنه أفضل الملينات ، و يفيد في حالات اضطرابات القولون ، كما يفيد في حالات تأخر الطمث و السعال ، ويستخدم مغليه كغرغرة مطهرة للفم في حالات التهاب اللثة .
ويكفي أن نقول : أن شجرة التين شجرة مباركة ، وهي أول شجرة عرفها الإنسان و قد أقسم الله بها ، ويمكن أن يُستغنى بالتين عن الخبز لأنه يصد الجوع ويقوي الظهر و يشد العظم و يزيد الدم في الجسم .
ـ البلح ( التمر ) : ثمار النخلة التي ذكرها القرآن الكريم في عشرين آية من ست عشرة سورة ، ويحتل مكانة خاصة عند العرب فهو أجود الأغذية
وأنفع الأدوية .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم : "أطعموا نساءكم التمر فإن كان طعامها التمر خرج ولدها حليماً "
وتكشف لنا الأبحاث العلمية الأخيرة أن آثار الرطب تعدل آثار العقاقير الميسرة للولادة و التي تكفل سلامة الأم و الجنين معاً . فهو يقوم بدور الهرمونات التي يصنعها الطبيب ، كما يسهل انقباض الرحم بعد الولادة ، يمنع النزف ، ويقي من أخطار ارتفاع ضغط الدم أثناء الولادة . وهناك فوائد كثيرة لنوى البلح ( علاج مرض النقرس بمسحوق النوى ) لما يحتويه من نسبة عالية من المواد القلوية .
إنه بعامة مقو للكبد وملين للطبع ، يحسن اللون ، وينفع الصدر و الرئة ، ويقوي اللثة و المعدة .. وهو مصدر هام لفيتامين ( أ ) و فيتامين ( ب ) .
ـ الرمان : و قد ورد ذكره أيضاً في القرآن الكريم مما يدل على أهميته وفوائده العديدة ، زهره أحمر يعرف بـ " الجلنار " و ثماره عجيبة الصنع ، منفردة في تركيبتها بين الفواكه ، إذا نظرت إليها بإمعان وجدتها كالأم الحنون تحيط الحب بلفائف وتضعه في دهاليز كأنه اللؤلؤ المكنون . مرصوص في شكل هندسي بديع مغطى بقشرة براقة تحافظ عليه من كل مكروه . يحتوي لب الرمان على نسبة مرتفعة من حمض الليمونيك الذي يساعد عند احتراقه على تقليل أثر الحموضة في الدم والبول ، مما يكون سبباً في تجنب النقرس ، ويحوي عصير الرمان على نسبة لا بأس بها من السكريات ( 11% ) سهلة الاحتراق و المولدة للطاقة . كما يحتوي قشر الرمان على مادة عفصية قابضة تقي الأمعاء مما قد يصيبها من الإسهالات ، وقشور سيقان أشجار الرمان تستخدم في القضاء على الدودة الشريطية .
ويذكر ابن عباس : ما من رمان من رمانكم هذا إلا و هو ملقح بحبة من رمان الجنة " وعن علي  ( كرم الله وجهه ) إنه قال : " كلوا الرمان بشحمه فإنه
دباغ المعدة  " .  
ذكر ابن القيم الجوية في كتاب " الطب النبوي " ، عن فوائده : إنه جيد للمعدة ، فهو لها ، نافع للحلق و الصدر و الرئة ، ماؤه ملين للبطن سريع التحليل لرقته و لطافته .
وفي الطب الحديث :
ـ الرمان مقو للقلب : قابض طارد للدودة الشريطية ، مفيد للدوسنتاريا ، يكافح الأورام في الغشاء المخاطي ، أكله مع المواد الدسمة يساعد في هضمها ، عصير غني بالمواد السكرية وعنصر الحديد و هو ضروري لتكوين كريات الدم الحمر  ، لذلك فهو مفيد في حالات فقر الدم ( الأنيميا ) ، ونظراً لاحتوائه بكثرة على حمض التنيك . وهي مادة ذات خاصية قابضة ، فإنه يستخدم في الحالات التالية :
تستخدم القشور في علاج الإسهال والبواسير ، يستخدم عصيره كنقط للأنف حيث يساعد على إقباض الأوعية الدموية والغشاء المخاطي المبطن للأنف ، وبذلك يعمل على فتح الأنف في حالات الرشح والزكام . ومغلي " الجلنار " أو زهر الرمان يفيد في علاج اللثة .
 
التركيب التحليلي لثمرة و بذور و قشور الرمان الحلو :
العنصر نسبة وجوده
بذور الرمان :
البروتين 9%
الدهون 7%
قشور الرمان :
حامض تنيك 38%
قشور سيقان الرمان و جذوره :
بلترين 0.6%

 

ثمرة الرمان الحلو
العنصر نسبة وجوده
ماء 81.3%
دهون 3%
سكريات 7%
بروتينات 1%
ألياف 2%
رماد 4.7%
حمض الليمونيك 1%

إن التفصيل في عالم الأعشاب و المداواة بها ، والأبحاث المعاصرة التي كشفت أهميتها و عرفت أسرارها العلاجية ( بذوراً و أوراقاً و ثماراً و أزهاراً ) ، يحتاج إلى مؤسسة بيئية علمية قادرة على رصد ما تخرجه أمنا الأرض ، و ما تجود به على البشرية . وليس هناك من شك أن الجهود لو تضافرت و جمعت ما بين القديم والحديث ، لكانت لنا موسوعة طبية علمية لا يستغنى عنها في عالم الطب و العلاج والاستطبابات المعاصرة .

 


هوامش و إحالات :
ـ الطب النبوي لابن القيم الجوزية   
ـ الطب النبوي للإمام الحافظ الذهبي  
ـ التذكرة للشيخ داود الانطاكي .
ـ الشفاء بالأعشاب . محمد الصايم
ـ اسطورة الشجر . حيدر نعيمة . تراث شفوي     
ـ بعض الدوريات الطبية  ( عالم الطب والصيدلية  ) .
ـ التداوي بالأعشاب قديماً و حديثاً .

 
تمرد طبي معاصر  :
بعيداً عن الكيماويات ! ‍.

إن ما تنبته الأرض و ما تهبه إلى الإنسان كثير لا عدد له .
وما يزال المرء بفطرته السليمة يدرك أن ما حوله من أعشاب ونباتات قد جعل الله فيها شفاء و دواء مما يصيبه من العلل ، أو يتعرض إليه من
الآفات والأمراض..
والمختبرات العلمية الطبية حافلة ليل نهار بالأبحاث و التجارب دائماً ، هناك جذور و أوراق ، هناك سيقان ولحاء ، هناك بذور ثم هناك الأبحاث و التجارب ، كأنما الطبيعة التي حولنا هي صيدلية ، الطبيعة البكر الغنية بما فيها من أعشاب ونباتات وأشجار وجذور  أوراق وبذور هي صيدلية حقيقية ، وكأنما مل الإنسان العلاج والاستطباب بالمستحضرات الطبية الكيماوية ، وذلك لما لها من أضرار جانبية بدأت تظهر يوماً بعد يوم ، وكأنما أراد العلماء و الباحثون أن يعيدوا النظر ، أن يبطئوا السعي وراء الكيماويات و أن يلتفتوا إلى الطب الطبيعي من الأعشاب والنباتات لما فيها من نفع ووقاية ، و الدراسات المعاصرة بدأت تتوالى ، وصارت تثبت صحة ما توصل إليه الباحثون ، فبدؤوا تطبيقاتهم العلمية ـ الواقعية .
ولا عجب أن نرى أن هناك أطباء يعالجون مرضاهم من ارتفاع ضغط الدم باستخدام الثوم ، ولا عجب أن نرى اليابانيين ـ اليوم ـ يفعلون ذلك ، هناك من يعالج حساسية الأنف باستخدام شمع عسل النحل كما يفعلون في أوربة ..
ولقد صار الطب والتداوي بالأعشاب هو المجال الآمن و الفعال لكثير من الأمراض ، وبعد ما ذاق الإنسان متاعب الدواء الكيماوي ( سواء من أضراره الجانبية ومخلفاته السمية ، أو من فائدته الضعيفة ، أو من ارتفاع ثمنه أو نقصه في السوق ، أو من تعرضه أحياناً للغش التجاري ) .
وإليكم هذه الحادثة الواقعية ، وهي من الحكايات الصحية المثيرة ، ففي جامعة أكسفورد كان الدكتور مايكيل جيرين توش ، وهو أستاذ جامعي مرموق ، أصيب بورم في نقي العظام ، وكان ما يزال يعيش مشاعر الصدمة الأولى .لقد اتصل احد الأصدقاء ممن يعرفون هذا الأستاذ الجامعي و قال لمحدثه ، و هو واحد من أبرز اختصاصيي السرطان في الولايات المتحدة الأمريكية ، قال له بالحرف الواحد :
ـ سوف يودع صاحبك الدنيا و أهلها حين يبدأ العلاج الكيماوي .
هذه الكلمات المحدودة كانت نقطة تحول في حياة الأستاذ الجامعي المريض ، فكيف ذلك ؟ .
ما من شك أن المرض الذي يدهم الإنسان يجعله في حيرة و قلق و ارتباك وترقب وانتظار .. ولكن الإرادة القوية تصنع ما لا يصنعه الدواء . فكيف إذا اجتمع العلاج السليم مع الإرادة والتصميم ، والثقة والتفاؤل ، فهذا الأستاذ المصاب تمرد على الطب ، تمرد على العلاج الكيماوي ، تمرد على الوهم ، تمرد على المرض الذي يريد أن يجتاحه ، وقرر أن يتابع حياته الطبيعية ، من دون جراحة و أشعة ، من دون عقاقير ، وليس من شك أن مرض السرطان داء وبيل ، مجرد سماع اسمه يجمد الدم في العروق ، و لا مفر من البحث عن سبيل بديل، فمصيره المرير معلق بالعثور على طريق آخر ينجي من لعنة حتمية ، ولقد أشهر الطب المعاصر ، الطب الحديث ، سيفه في وجه كل مصاب ، لكن هل يستطيع كل واحد الصمود ، هنا نقطة الارتكاز في هذه الحادثة لواقعية .
ثماني سنوات تتابعت ، ومايكل توش يمر بلحظات لا تحصى من اليأس والأمل، من الضعف والقوة ، من القنوط والرجاء ، من الانهيار والصمود ، وفي النهاية نجا من السرطان ، وسجل معاناته وتجربته المريرة في كتاب سماه "الدليل الحي" تمرد طبي.
وهنا ثارت ضجة بين المختصين من أطباء السرطان ، منهم من هاجم الكتاب واعتبره أكذوبة ، ومنهم من هلل وابتهج لهذه التجربة الحية ، والمعاناة
الإنسانية المتميزة .
لقد انتصر المريض ، وضرب عرض الحائط بطرق العلاج الكيماوية التي اعتبرت طرقاً تقليدية ( جراحة وأشعة و عقاقير و علاج كيماوي ) ، وسرطان نقي العظام مرض ليس كبقية الأمراض السرطانية ، إنه أخطرها على الإطلاق ، وهو داء وبيل من أكثر الأمراض ترويعاً للكائن البشري ، وهناك من يقول في هذا الصدد : أن السرطان مرض يجلبه المرء لنفسه ، و جناية المرء هنا على نفسه تتمثل في القرارات الحاسمة التي يتخذها في حياته ..
إما أن يدخن أو يبتعد عن التدخين ، إما أن يتناول طعاماً صحياً أو يحيا على وجبات الطعام السريعة ، إما أن يتناول عشاء أمام التلفاز أو يمارس الرياضة ، إما أن يستسلم للبدانة أو يقرر أن يكون رشيقاً .. ولكن ما البديل الذي لجأ إليه مايكل توش في العلاج ؟
ثماني سنوات وهو يصارع المرض ، وقد انتهى المطاف أنه ما يزال حياً ، وانتهى أنه ما يزال يقوم بأعماله في جامعة أكسفورد و يعيش حياته الطبيعية ، لأنه لجأ إلى الطبيعة التي خلقها الله في أبهج صورة و أروع مثال . لقد فجر ثورة تمرد ، وتحدى الطب ، وأزاح الكيماويات من طريقه ، وظل صامداً على قيد الحياة لتبقى هذه الحكاية الصحيحة في مقدمة الحكايات الواقعية ، حمية تعتمد على وصفات قائمة طعام محددة ، أخذ جرعات كبيرة من الفيتامينات والأنزيمات ، تناول قهوة وكميات كبيرة من الثوم ، والتزام الأساليب المناسبة في التنفس .
إن الأستاذ مايكل توش ألقى بنفسه في حضن الطبيعة الأم الرؤوم ، وبدأ يستسلم شيئاً فشيئاً إلى بحر التفاؤل و الأمل و الرجاء . وهكذا بعد مضي ثماني سنوات عاد يتمتع بصحة جيدة جداً ، ومعنويات عالية جداً ، وكانت نفسه منشرحة لاستقبال الحياة كل يوم ، يحمل في طياته أملاً و تفاؤلاً ، صحة وحيوية ونشاطاً ، ولا كيماويات تقلق راحته  !.
عن مبدأ الشيخ داوود انطكلي في كتابه " التذكرة " الذي يقول فيه :
ـ صحتك في تنظيم غذائك ، وعليك الحذر من اللجوء إلى الأدوية لسميتها، إلا عند الضرورة القصوى .
مبدأ سليم ، وقد صار مجرباً في أيام الناس هذه  ، وهذا المبدأ يرتبط بعمر الإنسان فوق رقعة الأرض ، والهدف كله أن نخفف الآلام و ندفع الأذى ، ونحقق الصحة السليمة  العافية المرجوة ..
بالأطعمة البسيطة و بالنباتات الوفيرة ، و بالأعشاب المداوية ندفع كثيراً من الأمراض ، ونتمتع بصحة جيدة ، وذلك ما يرجوه كل طبيب .
إن الابتعاد عن أمنا الطبيعة يزيد في بؤسنا ، يزيد من مأساة الإنسان المعاصر ، فلماذا نترك أمنا الطبيعة ، أمنا الأرض ، ونقبل على الكيماويات المصطنعة ، لماذا نترك هذه الهبات و الأعطيات من أدوية طبيعية و من أطعمة و نمعن في المعانات اليومية و القلق النفسي و الأمراض المعقدة .
إن تعاطي الكورتيزون تعاطيا مستمراً متواصلاً يسبب ارتفاع الضغط ، وفقدان المناعة ، نشوء تقرحات في المعدة ، و هناك في الطبيعة معطيات تقوم مقامه ، هناك في البيئة وصفات طبية مؤكدة و مجربة يمكن أن تكون البديل .
ومن يرجع إلى البحث الذي كتبته عن العودة إلى الطبيعة ، يلمس الجهود  التي بذلها الباحثون والمخبريون في اكتشافات في عالم الأعشاب و المداواة بها ، ويتعرف إلى الأسرار العلاجية ( من بذور و أوراق و أزهار و غير ذلك ) ، وقد دعوت فيه إلى إنشاء مؤسسة طبية علمية قادرة على رصد ما تنبته الأرض وما تجود به
على البشرية .
وليس هناك من شك أن الجهود لو تضافرت وجمعت بين القديم والحديث ، وعززت ذلك كله بالأبحاث والتجارب الحية والواقعية ، وإجراء التطبيقات العملية على شرائح من المرضى ، لكانت لنا موسوعة طبية علمية لا يستغنى عنها في عالم الطب والعلاج والاستطبابات المعاصرة .
إن الحديث في هذا المجال ذو شجون ،و لعل الحكايات الواقعية التي نسمعها هي أبلغ من الخيال ، وأبعد أثراً في تعميق الصلة بين الإنسان والأرض ، بين الطبيعة البشرية وما يحيط بها من فضاء ، ونبات ، وماء ، وحياة ، وكائنات تعج في البر والبحر والجو ، ويبقى الغذاء الطبيعي ، وتبقى الرياضة ، والشمس ، والهواء النقي ، السند الأول في العلاج الداعم ، الأساس الذي يحمل مفعول السحر والخلاص من كثير من أمراض هذا العصر المحموم المأزوم .
 
 

 


 

 

 

{ إنه فتّاك ، سفّاح ، يبطش بما حوله ، ويطيح بكل ما يقف
 أمامه ، ما انتشر في عضو إلا وكانت نهايته البتر ، وما تغلغل في جسد إلا وأوصله إلى النهاية المحتومة !. وعلى الرغم من آلاف التجارب والاختبارات التي قام بها الأطباء والعلماء عبر عشرات السنين ، إلا أنه ما زال يقف موقف المتحدي إزاء كل علاج ، ويضحك ملء فيه أمام كل دواء .. فهو الأقوى والأعتى والأدهى !.
ويبقى الحذر هو السلاح الممكن ، والكشف المبكر هو المقاومة المجدية .. وفي انتظار الحل الشامل والكامل والناجح ، الذي يستأصل هذا المرض المخيف من جذوره ، لا بد لنا من التمسك بذلك السلاح
وتلك المقاومة } .
موفق
 
الكشف المبكر عن الأورام الخبيثة

يقول العالم الاجتماعي الكبير وليم ركلهاوز في معرض حديثه عن تلوث البيئة، لا يحدث سوى مرة واحدة في كل قرن ، أن تستطيع إحدى القضايا الهامة أن تفرض نفسها على الناس جميعاً من مختلف الطبقات و الأجناس و الأديان ، ولقد أصبحت مشكلة تلوث البيئة التي نعيش فيها إحدى هذه القضايا ، وإن التحليلات الإحصائية المستمدة من أجزاء مثيرة من العالم تشير إلى أن نسبة كبيرة تصل إلى أكثر من أربعة أخماس جميع الأورام الخبيثة البشرية : تنتج بطرق مباشرة أو غير مباشرة عن مواد سامة في بيئة الإنسان . وإذا كان من الممكن تحديد بعض هذه المواد القادرة على إصابة الإنسان بالأورام ، فيصبح من الممكن إذن تحقيق إمكانية إزالته فيما يتعرض له الإنسان من أخطار الإصابة بالمرض هذا أو تقليل هذه الأخطار إلى أدنى حد ممكن، فخلايا الجسم تتكاثر بشكل طبيعي ، و هذا ما يفسر نمو الإنسان أصلاً مع ترميم الخلايا المستهلكة في سياق حياته ، إن هذا التكاثر له حدود و هو منتظم بعوامل موجودة داخل الجسم لا يشذ عن هذا النمو المضطرد إلا إذا أفلتت هذه الخلايا عن هذا النظام ، فإنها تنمو نمواً فوضوياً لا رادع له في عضو من الأعضاء فتشكل ورماً داخل هذا العضو ، ويمكن أن ينتقل إلى غير المكان الذي بدأ منه . يصيب كل الأعمار ، ولكن معظم هذه الأورام تشاهد في النصف الثاني من العمر ، ولقد ظهر اهتمام كبير في الآونة الأخيرة في كثير من الدول تجاه مشكلة الأورام وأصبحت تحتل المرتبة الثالثة نسبة للوفيات . ففي 1975 م ارتفع المعدل السنوي إلى ستة ملايين حالة ورم خبيث جديدة و خمسة ملايين وفاة في العالم أجمع .
لذا فقد امتد الاهتمام بهذه الأورام من المحافل العلمية إلى البرلمانات الوطنية والاجتماعية على أعلى المستويات ، حتى إلى مؤتمر الأمن و التعاون الأوربي واعتبروا بحوث هذا الورم بالتحديد أحد حقول التعاون العلمي الذي يرجى من ورائه الخير المثير . وقد أظهرت الإحصائيات أيضاً أنه لم يحدث الارتفاع المتوقع في متوسط العمر في كثير من الدول النامية ، وترجع هذه الظاهرة جزئياً إلى عدد من الأمراض ومنها هذا الداء الوبيل . وأصبح من المقرر أن الخلية العادية تتحول إلى خلية خبيثة تحت تأثير بعض المركبات الكيماوية أو فيروسات تضخم الخلية أو الإشعاعات التي تحدث تأيناً كهربيا في الأجسام ، وإن عدد و كمية تلك المواد المسببة للورم آخذة بالازدياد ، لذلك من المهم أيضاً أن نضع نصب أعيننا نظاماً للتحكم بهذا المرض وذلك برفع الصوت عالياً لمكافحة التلوث بالكيماويات المختلفة لما فيها من مسببات الأورام التي تتكون : كفضلات في الصناعة و المواصلات و غيرها من القطاعات المختلفة ، وأن نسعى إلى تعاون الاختصاصات المتعددة مثل علم الخلية والوراثة و الكيمياء الحيوية و الفيزياء الحيوية والمناعة وما إلى ذلك ، فبهذا التكامل يمكن الاقتراب من حل طلاسم هذا الأورام ، والمعروف أيضاً أن الوقاية أكثر الوسائل فعالية من أجل التحكم بأي مرض ، وهذه البدهية تنطبق أيضاً على الأورام كما أنها تقوم على :
1 ـ حماية الناس من المسببات الكيماوية للورم .
2 ـ وقاية البيئة من التلوث .
3 ـ تشجيع الناس على الكف عن التدخين و غيره من العادات المؤذية .
4 ـ توفير الظروف الصحية الملائمة .
5 ـ العلاج الباكر سواء بالجراحة أو بالعقاقير الكيماوية أو الإشعاعات أو بوسائل المناعة أو النظائر المشعة و المعجلات الذرية .
وإن وسائل العلاج الحديثة جعلت شفاء 4 من كل 10 مرضى بالمرض الخبيث أمراً ممكناً ، ففي إحدى الدول الكبرى مثلاً 1.5 مليون شخص يعيشون اليوم بعد شفائهم من أمراض مختلفة من الورم الخبيث كانت قد أصابتهم
منذ 5 سنوات أو أكثر .
لن يواجه أي مرض بسوء الفهم و سوء الوصف أو الإحاطة بضباب كثيف من الخوف في أذهان الجماهير مثلما يواجه هذا المرض . حتى أن العامة و المثقفين في بلادنا لا يذكرونه باسمه ، بل يقولون عنه تعابير كثيرة مثل ( المرض الذي لا يذكر أو المرض الملعون أو المرض الخبيث ... الخ ) .
وقد وصفه بعض الشعراء مثل الشاعر الراحل الدكتور وجيه بارودي بقوله:
فهل لي من نطاسي شهير
  يجرد مبضعاً و يشق صدراً

يشرّح مهجتي عِرقاً فعِرقاً
  و يقتلع الهوى و ينال أجرا

ولولا غيرتي ما هام قلبي
  ولا عرف الحياة وظلّ غِرّا

لأن الغيرة العمياء داء
  هي السرطان بل أدهى وأضرى


وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الخوف و الحذر و الذعر الذي يسيطر على الناس جميعاً ، وبالمقابل لا يمكن مقابلة الفرحة و الأمل اللذين يسيطران على مريض أمكن شفاؤه من هذا المرض ، وهنا تبرز أهمية التثقيف الصحي و التوعية الجماهيرية حيث تمتد من الآثار المرضية و الاقتصادية للمرضى على تحسين الصحة ، وحينما يكون الاهتمام بهذا المرض فإن السبب الأساسي للتفاؤل الذي يبرز بين الجماهير يتميز في أن كلمة السرطان التي شاع استعمالها تغطي عشرات من الأمراض التي ترجع في الواقع إلى أصول مختلفة و تنمو بطرق مختلفة و تعالج بأساليب متباينة كما تختلف في معدلات النجاح . ولما كانت استجابة بعض هذه الأورام للمعالجة محدودة أو غير مجدية فإن هذا يعطي انطباعاً عاماً لعدم قابلية الشفاء من جميع الأمراض الورمية و يكون الخوف نتيجة لذلك ، و الخوف عادة يولد السلبية عند الناس بدل الايجابية في مقاومة المرض ، كما لو أعطيت المعلومات الصحيحة عن هذا المرض فلا شك أن هناك سبباً للتفاؤل في أن يمنعوا بعض الأمراض الورمية و يكشفوا بعضها الأخر في الوقت المناسب ، وهكذا يصبح دور التوعية و التثقيف الصحي عن هذا الداء هو إعطاء المعلومات لكل شخص عن العوامل الهامة كفرد مستقل بذاته ، وكعضو في المجتمع والذي يستفيد من التثقيف الصحي حول هذا المرض :
1 ـ الأطفال والفتية والفتيان حيث تتضمن دروس التاريخ الطبيعي التاريخ للسرطان بحيث يصبح الجيل الجديد واعياً للمشكلة .
 2 ـ الشخص السليم المعرض للعوامل المسببة للورم ، وهنا يجب أن يعلم الشخص أن هناك أسباباً عديدة للورم منها ما هو معلوم و منها مازال مجهولاً ، ومن المهم أن نؤكد على الأسباب المعروفة لإمكانية الوقاية منها و التحكم في بعضها ، فهناك مواد مسرطنة بالهواء و الماء و الغذاء و أهمها :
أ ـ المواد الكيماوية مثل الدخان الموجود في الهواء الذي نستنشقه والناجم عن احتراق محركات وسائل النقل و المصانع الواقعة باتجاه الريح والموجودة في بيئة المعمل، و بصورة عامة تلوث البيئة باختلاف أشكالها إن كانت في المدينة أو المنزل أو المعمل ، وفي حال تلوث المعامل داخلها و خارجها ينبغي العمل على إيجاد جهاز لامتصاص الفضلات الكيماوية التي تتناثر في كل مكان مؤدية إلى تلوث البيئة ، وأضيف أن تشييد المناطق الصناعية خارج المدن أمر حيوي لمنع التلوث داخل المدن.
ب ـ كما أن تعاطي بعض المخدرات كالحشيش يسبب الإصابة بالورم الخبيث ، حيث ينتج عن حرقه مادة صمغية كيماوية تتلف الجهاز الوراثي بالخلية ، وتنسب ( فرنسا ) حالياً بعض الأورام الكبدية الخبيثة إلى الإدمان على الكحول ، كما أن ازدياد نسبة ثاني أكسيد الكربون بالهواء و وجود ثاني أكسيد الكبريت بالهواء ثم في الماء و تأثيره على شيفرة الوراثة يؤدي إلى طفرات وراثية في
بعض الكائنات .
وكذلك التساقط النووي و أثره في تأين الهواء في طبقات الجو العليا ، وأثر هذه الإشعاعات على الكائنات الحية ومن بينها الإنسان ، فهي تسبب العديد من أنواع السرطان ، ولا تقتصر هذه التأثيرات على الكائنات الحية وقت إجراء هذه التجارب، بل تحدث الإشعاعات طفرات وراثية تشوه الأجيال المقبلة من الجنس البشري ، عدا تلف الأعصاب و الإسراع بالشيخوخة .
ج ـ كما أن المواد التي تدخل عن طريق الجهاز الهضمي ، على شكل غذاء تضاف له بعض المواد و أهمها الأصبغة و الملونات التي تستعمل لحفظ هذه الأغذية ، لها تأثيرها ، كما أن لمادة الـ د . د . ت دورها الفعال في تشكل هذا الداء .
وإن الالتهابات المزمنة المهملة ، و التعرض المفرط لأشعة الشمس ، والأسنان النخرة ، كلها قد تؤدي للإصابة بهذا المرض إذا أهملت .
ويأتي التدخين على رأس الأسباب المؤهلة لهذا المرض الخبيث سواء بالرئة أو الحنجرة أو الشفة السفلى ، والإحصائيات الأخيرة في بريطانيا أعطت أن هناك إصابة واحدة بالورم الرئوي الخبيث في كل ثمانية مدخنين هذا بعد سن الأربعين .
3 ـ الشخص الذي يبدو سليماً و هو يعاني في الواقع من تغيرات سابقة لورم خبيث ، وهذه التغيرات يمكن كشفها إذا حثثنا الناس على التقدم للاشتراك في عملية المسح الطبي ، مثل فحص عنق الرحم و الثدي و ما إلى ذلك .
4 ـ الشخص الذي يبدو سليماً و هو فعلاً مصاب بالسرطان ، يجب أن يعرف شيئاً عن أمراض هذا الورم و إمكانية كشفه ذاتياً ، حتى يمكن للعلاج أن يقوم بدوره مبكراً قدر الإمكانية ، فمثلاً يمكن كشف ورم الثدي بالفحص الذاتي المنتظم الذي يقوم به الشخص نفسه ، وهناك بعض أعراض أخرى للورم الخبيث في أنحاء أخرى من الجسم يمكن إحالتها للطبيب فور ظهورها و هي  :
ا ـ كل تغير في انتظام ما اعتاده الإنسان عند التخلص من الفضلات
المعوية أو البولية .
ب ـ السعال الذي يمتد لأكثر من ثلاثين يوماً  .
ج ـ جرح لا يشفى ، نزف غير عادي .. الخ .
إن معظم الدول تعطي هذه المعلومات للأشخاص عن طريق المحاضرات و المناقشات مع الأطباء والإذاعة المسموعة والمرئية والصحافة والمعارض والنشرات المطبوعة ، وبهذه الوسائل يمكن تحسين معلومات قطاع كبير من الجمهور ، وعلى السلطات الصحية تحديد الطريقة الواجب إتباعها لتقديم التثقيف الصحي و التوعية الجماهيرية فيما يخص الورم الخبيث ، فجميع المنظمات الأعضاء في الاتحاد الدولي لمكافحة الأورام و معاهد الأورام المحلية تقدم مساعدات مستمرة ، ويوجد اليوم
( 100) مائه دولة عندها منظمات الأورام تضع برامج مختلفة و تجمع المال لسد نفقاتها و منها التثقيف الصحي في حقل الأورام . وذلك بالاشتراك مع السلطات الصحية المحلية حيث تقدم لها هذه السلطات المعونات المادية و البشرية لتؤمن لها ضباط اتصال يؤثرون على الرأي العام عن طريق الصحافة و الإعلام ، وبالتالي يؤثرون على صانعي القرار السياسي .
أما المستهدفون من البرامج التثقيفية لمقاومة الأورام .. فمنهم الطلاب في المدارس و المنظمات الشبابية و الشبان في القوات المسلحة الذين يترددون على المراكز الصحية أو العيادة الملحقة بأماكن العمل .
ففي خلال عام واحد .. وجدت أعراض احتمال الإصابة في 235 مشتركة وجدت إصابة الثدي بـ 15 منهن ( خمسة عشر ) من أصل 8000 متطوعة ، وإن معدل الوفيات بإصابة الرئة بالسويد مثلاً انخفض من 33 لكل 100 ألف شخص سنة 1970 م إلى 22 لكل 100 ألف شخص سنة 1976 م وذلك بتخفيض عدد المدخنين إلى النصف . بذلك يظهر لنا أن التثقيف الصحي و التوعية الجماهيرية الموجهة لمنع الإصابة بالأورام والكشف تعتبر أمضى سلاح لخفض نسبة
الإصابة مستقبلاً .
نحن مزاجيون وفرديون في نظرتنا إلى كل شيء في الوجود ، ولكن الواقع الخطير يضعنا في مجرى التيار ، فالخطر داهم والاستفحال رهيب ، وإن التوعية الصحية أمر أساسي لكل فرد وينبغي أن توضع في مقدمة اهتمامنا جميعاً ، وإن المسؤولية الأولى تقع علينا كأطباء ، ويبقى على الدولة أن تؤمن الأجهزة والكوادر والأدوات ، وعلى المواطنين أن يعرفوا مواطيء أقدامهم و إلى أين يسيرون ، لنغدو كلنا على الطريق السوي في حماية الصحة البشرية .
أليس هذا أمثولة في الطب الوقائي !.
 

 

 

{ لعل العودة إلى ماضي أمتنا التليد ، والرجوع إلى تاريخ كتب بحروف من نور ، حافز لنا ، ودافع لدينا ، ينطلق بنا نحو المستقبل
الباسم ، بخطاً وئيدة متـزنة .
إننا لا نعود إلى الماضي كي نعيش في الذكريات ، ولا نعود إلى الماضي كي نباهي ونفاخر ، ولا نعود إلى الماضي كي نبقى حيث نحن في ركود وجمود .. إننا نعود إليه ونحن نردد قول الشاعر :
وشرّ العالمين ذوو خمول
  إذا فاخرتهم ذكروا الجدودا

وخير الناس ذو حسب قديم
  أقام لنفسه حسباً جديدا }


موفق
 
دور العرب في تقدم العلوم

هذا الفصل الذي سأقدمه إليكم باختصار واحد من فصول مجتمعة في إطار بحث مستفيض حول ( أثر العرب في تقدم العلم ) ، لذلك فاسمحوا لي أن أجتزئ غصناً من شجرة أصلها ثابت وفروعها في السماء ، والحديث في هذا المضمار
ذو شجون .
إن قفزتنا السريعة المدهشة في سلم الحضارة ، قفزتنا التي قام بها أولئك البداة أبناء الصحراء ، آباؤنا وأجدادنا ، لهي ظاهرة جديرة بالاهتمام في تاريخ الفكر الإنساني ، وانتصاراتنا العلمية المتلاحقة التي جعلت منهم سادة الشعوب الفريدة في نوعها ، أعظم من أن تقارن بغيرها .
ابن النديم وحده ( في بغداد ) نشر فهرساً للعلوم يضم في عشرة مجلدات أسماء جميع الكتب التي صدرت في الفلسفة والرياضيات والفلك والطبيعيات
والكيمياء والطب .
في الأندلس أيضاً وجد زمن الخليفة الحكم الثاني نصف مليون كتاب قيم في العلوم ، وفي القاهرة أيضاً مليونان ومائتان من المجلدات ، وقل مثل ذلك في دمشق والقيروان وفي كل الأقطار العربية .
إن الشغف العلمي الذي امتاز به العرب .. هو الجوع الباحث عن العلم وعما وراء الطبيعة التي تنتسب إليها كل الفلسفات ، هو الحضارة بعينها ، التي يتغذى منها هذا الجوع ، ويهضمها ويتمثلها ، هو التعاون المثمر بين مختلف الذهنيات مع سعة العقل العربي ، وعشقه للحرية ،و للمثل العليا ، وتحرره من التعصب والتزمت .
هذا ما ذكره الكاتب المعاصر هوكونيغ في كتابه مبادئ السياسة العالمية ، عند بحثه عن مستقبل الحضارة العربية .
ومن يراجع كتاب / شمس العرب تسطع على الغرب / لكاتبته المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه ، يعرف أي شأو وصلنا إليه في مضمار العلوم ، والكتاب المنصفون يدركون أية ثمار يانعة قطفها الغرب من حقولنا الواسعة .. لقد مد العرب الآفاق وألهموا العالم أدق المعارف والاكتشافات ، ولا أريد القول أنه كانت لنا حضارة ثم بادت ، بل أريد أن أؤكد أنه كانت لنا حضارة وستبقى نحملها في وجداننا ، في ضمائرنا ، سنبقى نذكر بها أجيالنا وأطفالنا ،و لعلنا نعيد إلى الأذهان فضل الأولين .. ونستلهم منهم طريق المستقبل ، ونسترشد إلى دروب الإبداع العربي ، كنا وما زلنا أصحاب حضارة ،و إن كثيراً من العلماء في أوربة يخفون الحقائق ويشوهونها ، وإن كثيراً من الكتب الهامة التي ترجمت إلى اللاتينية واللغات الأخرى لا تحمل اسم المؤلف الأصلي ، أو كان يحذف هذا الاسم من غير ذكر جنسيته ودينه ، فكتب الجراح أبي القاسم الزهراوي المترجمة كانت تحمل اسم كازيز، وكتب أبي بكر الرازي المترجمة كانت تحمل اسم ريزر ، لكن الأمناء والمنصفين من الكتاب الغربيين كانوا يتحرون الحقيقة يقدمونها بأمانة ، ويذكرون الأثر المتوهج الذي تركه العرب في تقدم الطب والعلوم .
إن ابن خلدون هو أول عالم ألف عن تاريخ الفلسفة في العالم ، وقد نسب هذا السبق إلى الكاتب الأوربي ( نيق ماندا أو أوغست ) في فترة مبكرة ، ولم يعط ابن خلدون حقه في كسب هذه المضمار إلا قريباً .. عندما وضع الباحث السوري إحسان العظم النقاط على الحروف منذ ثلاثين عاماً تقريباً ، فقد كان يستمع إلى أحد الأساتذة المحاضرين الغربيين الذين يتحدثون عن الفلسفة وتاريخها ، فذكر بأن رائدها هو العالم ( أوغسط OGOST  ) ، فاعترض الباحث العظم وقال : إن رائد الفلسفة عربي وهو ابن خلدون .. فقال المحاضر : أمهلني أسبوعين ، وسأعطيك الجواب ... وبعد أسبوعين عاد المحاضر ، وأقرّ أمام الجميع بأن إحسان العظم مع كل الحق ، وأن رائد الفلسفة وتاريخها هو ابن خلدون ‍!.
وعندما اكتشف ابن النفيس الدمشقي الدورة الدموية الصغرى نقلها عنه هارفي الانكليزي ثم عزاها لنفسه ، وعمل سرفيتوس الإيطالي ما عمله زميله الانكليزي في سرقة آراء ابن النفيس وانتحالها لنفسه ، حتى إن مايرهوف العالم المعاصر قال في هذا الصدد :
( إن ما أذهلني هو مشابهة لا بل مماثلة بعض الجمل الأساسية في أقوال سرفيتوس لأقوال ابن النفيس ، كأنها ترجمت ترجمة حرفية ) ، ويدعم هذا الرأي (الدوميالي) العالم المعاصر ، وكذلك ليون بينة عميد كلية الطب في باريس ، ولكن الطالب الباحث المصري محي الدين التطاوسي /1924/ وضع النقاط على الحروف أخيراً عندما عثر في مكتبة برلين على مخطوطة ابن النفيس ( شرح التشريح ) فأعاد الأمر إلى نصابه ، وعرف العالم سبق ابن النفيس وفضله ، وحسمت هذه القضية .
وحين ترجم لوسيان لوكلير كتاب ( ابن البيطار ) الجامع لمفردات الأدوات والأغذية ، وجد أنه اكتشف وحده مائتين من أصناف النباتات الطبية ، وقد عثرت المستشرقة الألمانية فريدرون (مصادفة ) ضمن مجموعة من المخطوطات على رسالة للرازي وهي ( مقالة في العلة ) فأبو زيد البلخي تعرض للزكام في فصل الربيع عند شمه للورد والأزاهير ، وبذلك انتبه العلماء إلى أن الرازي كان أول من وصف
( الرشح التحسسي ) في التاريخ الطبي .
لقد ظلت لغتنا العربية لغة العلم والأدب والفلسفة لأكثر من سبعة قرون ، وإن المؤلفات التي كتبت بهذه اللغة تفوق في عددها وموضوعاتها ما كتب بأي لغة من لغات العالم ( في الطب والعلوم والفلسفة والفلك والدين ) .
وثقافتنا العربية في القرن العاشر والقرن الحادي عشر والثاني عشر حتى الثالث عشر كانت أعظم ثقافة في العالم ،و أعني بذلك الفترة الذهبية لوجود العرب في الأندلس ولا غرابة إن قلنا :
إن هذا التفوق العلمي كان مصدره القرآن الكريم الذي حث على التفكير الصحيح ، والتمعن في خلق السماوات والأرض ، وعظم العلم والعلماء .
لقد بلغ الاهتمام بالعلم أوجه في العصر العباسي ، فأنشئت مدرسة بغداد التي حملت راية العلم والمعرفة ، هذه المدرسة التي أمها الطلبة والباحثون والعلماء من أنحاء العالم قاطبة ، رفعت مشعل العلم والثقافة والفكر في القرن الخامس عشر ، فألفت الكتب ، وتُرجمت من العربية وإليها ، حتى صارت مكتبتها من أكبر وأضخم مكتبات التاريخ، وفي منتصف القرن السادس عشر كانت هي المؤسسة الوحيدة في العالم ، إذ ربطت التاريخ القديم بالتاريخ الحديث بعد سقوط روما .
في هذه المدرسة الرائدة ابتدع العلماء لأول مرة الطريقة العلمية الحديثة في السعي وراء الحقائق الكونية ، إذ كانوا يراقبون المظاهر الطبيعية ومنها يستنتجون ، ثم يضعون هذه الاستنتاجات موضع التجربة ، حتى يقرروا بعد ذلك بأنها حقيقة ثابتة يعلنون عنها ، وهذه الطريقة هي الطريقة العلمية الحديثة ، وإن من الحقائق التاريخية الثابتة التي لا يتطرق إليها الشك ، هو أنه في العصر العباسي الذي كان فيه العرب منهمكين في تأليف كتب الفلسفة والطب والفلك في القاهرة وبغداد وقرطبة، ظل الجهل والظلام يخيّمان على دول أوربا كلها ، وإنها أيضاً لحقيقة ثابتة أنه في الوقت نفسه الذي كان العرب قد عرفوا كروية الأرض واستطاعوا أن يحسبوا محيطها بعمليات رياضية ، كانت أوربا تعتقد أن الأرض مسطحة ، ولا غرابة أن نعرف أيضاً أن أول مرصد لمراقبة الظاهرة الكونية أنشئ في العالم كان في جنوبي فرنسة أنشأه العلماء العرب وعلى رأسهم العالم العربي جابر بن عافية الذي كان أول مدير لهذا المرصد ، أما العالم يحيى بن منصور مؤلف كتاب القوائم المتفرقة فقد ذكر بالتفصيل طريقة إيجاد المسافة بين الأرض والقمر ، واستطاع أن يحدد بدقة متناهية أيام السنة ، وصحّح كثيراً من الجداول الزمنية التي وضعت من قبل على أيدي اليونانيين والرومانيين .
لقد أنشئت المراصد الفلكية والمدارس لتعلم علم الفلك في بغداد والقاهرة وقرطبة وسمرقند ، واستطاع العلماء العرب اكتشاف الكثير من الحقائق الفلكية وألفوا الكثير من الكتب العلمية في هذا المضمار ، حتى أن الخليفة عبد الرحمن الناصر في قرطبة أسهم بنفسه في تأليف الكتب ونشر العلم وتشجيع العلماء ، وحثهم عل الاكتشاف في ميدان العلوم .
وبرز حينئذ رجال أعطوا اهتمامهم ونذرو أنفسهم في سبيل البحث العلمي ، يحق لنا أن نذكر منهم بالفخر والاعتزاز ابن الباطني وأبا الوفاء في مدرسة القاهرة ، وعلي بن يوسف الذي اكتشف الساعة الشمسية والساعة الزمنية ، وكذلك الفرعاني الذي ترك لنا كتاب مبادئ علم الفلك وترجم من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية في القرن الثاني عشر، وفي هذا الصدد ذكر العالم الانكليزي باجيت توبي في القرن التاسع عشر وهو من أكبر تلاميذ الفيلسوف /دانتي/ أن الفرعاني ذو تأثير كبير على الفيلسوف دانتي وبخاصة في كتاب ( فاتيا نوفا ) الذي يتحدث فيه عن الكواكب وأبعادها ، وعن الأرض ، والمقارنة فيما بينهما .
ومن الطريف الذي لا بد أن نذكره أن ( ابن الهيثم ) وضع رسالة في الجبر مؤلفة من اثنين وخمسين بيتاً من الشعر ، كما شرحها في رسالة أخرى ، كما نظم في حساب الفرائض ( رسالة التحفة القدسية ) ، كذلك وضع ابن الياسمين أرجوزة في الحساب والجبر يلمس المتأمل فيها سيطرة مؤلفها على فنون الشعر بأوزانه وقوافيه ومعانيه ، وعلى إحاطته بدقائق علمَي الحساب والجبر وإجادته فيهما .. نقتطف
من أبياتها :
على ثلاثة يدور الجبر
  المال والأعداد ثم الجذر

فالمال كل عدد مربع
  وجذره واحد تلك الأضلع

والعدد المطلق ما لم ينسب
  للمال أو للجذر فافهم تصب

والجذر والشيء بمعنى واحد
  كالقول في لفظ أبٍ ووالد

لقد صاغ ابن الياسمين قواعد الجبر وقوانينه شعراً ، وهي تدل (أي الأرجوزة ) على ثروة أدبية عظيمة وعلى معرفة عميقة بأصول علم الجبر وقواعده ،و لقد اطلعت بنفسي على المعادلات الرياضية والمعادلات المركبة فوجدت أن العرب اهتموا اهتماماً بالغاً بهذه العلوم ، بل وجمعوا بينها وبين الأدب ، كما فعل الخوارزمي في كتابه الجبر والمقابلة والتباني (تعانق عنده الأدب والرياضيات) والبوزجاني وابن حمزة ، وأبناء موسى بن شاكر ، وثابت بن قرة وغيرهم ، ومن الطريف أيضاً أن العرب هم أول من عرفوا فن إخراج الكتاب كفن جميل
قائم بذاته .
فالقرآن الكريم كان عبر كل العصور منذ ألف وأربعمائة سنة موضوعاً لأعظم الخطاطين والمخرجين ، وكأني بالفنانين المسيحيين وضعوا أعظم إنتاجهم منذ القدم في رسم جدران الكنائس ، ولما كان الفنان المسلم ليس في مذهبه تزيين المساجد بالرسوم للأشخاص ، فقد صب طاقته الفنية في كتابة القرآن والتنافس في نسخه قرناً بعد قرن ، وامتد هذا المزاج إلى بعض النسخ النادرة القليلة في الكتب الأخرى ، فوق النقوش البديعة التي أخذت تزين المساجد في عواصم الحضارة العربية الإسلامية ( راجع بحث التراث العربي يغزو أوربة لأحمد بهاء الدين ) .
إن نظرة سريعة إلى التاريخ العربي والإسلامي تشير إلى الاهتمام بالترجمة ونقل ما لدى الحضارات السابقة من علم ومعرفة بدأ مع ظهور الدين الحنيف ، وتعاظم قوة دولته وطموحاتها في بناء حضارة جديدة ، وقد شهد عهد الخليفة المأمون في القرن الثالث للهجرة ( التاسع للميلاد ) نشاطاً كبيراً في الترجمة إذ تُرجمت خلاله كتب لأفلاطون وأرسطو وسقراط وجالينوس واقليدس وبطليموس وغيرهم ، ولم تكتف الحضارة العربية والإسلامية بأخذ العلم والمعرفة من الآخرين ، بل قامت بتعزيزها وتطويرها لتصبح بذلك مصدراً للإشعاع الحضاري لسائر أنحاء العالم .
في القرن الثاني عشر للميلاد بدأ العلماء الأوربيون بالاهتمام بنقل العلوم عن العربية ، وأنشئت مراكز للترجمة عن العربية في صقلية وطليطلة ، وكانت هناك أيضاً مدارس وجامعات تعتمد على الكتب العلمية المترجمة عن العربية مثل مدارس مونبلييه ونابولي وبولونيا وبادو واكسفورد وكمبردج ، ومن أهم علماء العرب والمسلمين التي ترجمت كتاباتهم إلى اللغات الأوربية : الخوارزمي وابن سينا وابن الهيثم وابن النفيس والكندي والبيروني وغيرهم .
اهتم العرب والمسلمون بالمرضى ومعالجتهم ، وبنوا لهم مصحات ومشافي ، كان ذلك في أيام الخلفاء الأمويين ، واعتمد الغرب بعدئذ هيكلية المشفى العربي كنموذج لبناء مستشفياته ، وقد أدخل المقتدر طريقة المشافي المتجولة وفيها كل الكوادر والعناصر اللازمة لها ، وطور في عهده أيضاً سنان بن ثابت بن قرة خدمات المشافي لتشمل الأحياء المجاورة والسجون والأماكن الشعبية ، وكان بذلك رائداً في تطبيق البرنامج الشعبي الطبي الذي بدأ الغرب تطبيقه حديثاً .
يقول الكاتب فستاب : إن تصميم المشافي العربية كان في تلك الأيام تصميماً صحياً يراعي شروط التهوية والمياه ، حتى أن مدرسة ساليرنو كانت تعزى في شهرتها وسمعتها إلى الأطباء العرب ، وكانوا يمارسون علاج مرضاهم بالطرق العلمية والبحث والدرس في حين كان المرضى في أوربة يتلقون علاجاً بدائياً .
والطبيب العربي سنان بن ثابت أنشأ بيمارستان السيدة ، وكان رئيس امتحانات جامعة بغداد الطبية ، ثم تحولت المستشفيات إلى مراكز ومتخصصين ، وكانت مجهزة بقاعات للمحاضرات ومكتبة يتوافد إليها طلاب الطب من أقاصي الامبراطورية العربية ، ولا يمكن أن نغفل شهرة مشفى النوري في دمشق والمشفى الناصري في القاهرة ، إذ تخرج معظم الجراحين العرب منهما ، وانتقلت العلوم الطبية عند العرب إلى المناهج التعليمية في الجامعات في أوربة ، وأشهر من أقبل على هذه العلوم ونهل منها وغرف من كنوزها : روجر باكبين ـ مايكل سكوت ـ البابا سلفستر الثاني . وهل يصدق أحد أن أطباءنا العرب استخدموا الموسيقى للترويح عن المرضى والسرعة بالشفاء ، وقد عبر ابن شاهين في النجوم الزاهرة عن
ذلك بقوله :
( لا مثل لها في الدنيا والمعالجة مجانية وكذلك تعليم الطب ) .
ألم أقل لكم : إن الحديث ذو شجون ، وهذه قطرة من بحر ، إن أي منصف في تاريخ الإنسانية لا يملك إلا أن ينحني إكباراً وإجلالاً لما بذله الأولون في ترسيخ العلوم ورسم الطريق أمام اللاهثين وراء المعرفة ، ونحن أمة كنا ولا نزال خير أمة أخرجت للناس ، نأمل أن تبقى هذه الذكرى ماثلة في الأذهان لتشق الدرب من جديد ، وتحقق للبشرية العلم والمعرفة والفضيلة والتقدم .
 
 

 

 

{ لقد بنى أجدادنا أمة متطورةً ، سبقت الأمم الأخرى في ميادين الطب والصيدلة والعلوم الإنسانية ، فقد ثبت تاريخياً وبالدليل القاطع .. أنّ الزهراوي والرازي وابن سينا وابن زهر وغيرَهم منَ العلماء الأفذاذِ، كانوا مشاعل مضيئةً في عالمٍ لا يزالُ يتخبّطُ في دياجيرِ الظلامِ آنئذٍ .
ولقد اعتمدتْ حضارةُ هؤلاء الأجدادِ ، في الأساسِ ، على التواصلِ مع الحضارات الأخرى ، أخذوا منها ، وأخذتْ منهم ، ثم جدّدوا وطوّروا ما استقوه منْ علومِ الآخرين ، لقد كان الكتابُ المترجمُ يُعطى وزنه ذهباً تقديراً وتشجيعاً لصاحبه ، ولولا هذا ، ما قدّم العربُ المسلمون ذلك المزيجَ العلميَّ الرائعَ الذي يجمعُ بين معارفِ الشرقِ ومعارفِ الغرب ، ويعتمدُ على تواصلِ وتلاحمِ حضاراتِ العالم في
 كلّ مكان !. }
موفق

 
العصر الذهبي للطب العربي

أمتنا العربية أعطت العالم في العصور السالفة كثيراً من المعرفة ، فقد ظلت ردحاً طويلاً من الزمن تحمل راية العلم ، ومشعل العرفان ، لتنير الدروب ، وتبدد الظلمات .. كانت بحق خير أمة أخرجت للناس .. تمكنت من استيعاب المعرفة الإنسانية التي وصلت إليها الأمم من قبل .. ثم انطلقت في رحاب النور .. تخط للدنيا حروفاً مشرقة مضيئة .. تهدي بها السادرين في لجج الضلال .. وترشد التائهين إلى ضفاف الأمان والسلام .
وهاأنذا أفتح صفحة من ماضينا ، لأطلعكم على لمحة مشرفة من عصرنا الذهبي للطب العربي ..
أول طبيب عربي مسلم كان أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. هو الحارث بن كلده درس الطب في جند يسابور ، وكانت له مناظرة مع الملك الساساني (أنوشروان) في موضوع الصحة ، ثم عاد إلى المدينة المنورة حيث وجه إليه الرسول الكريم كثيراً من المرضى لعلاجهم .. وتقول لنا المصادر التاريخية أن ابنه كان طبيباً أيضاً ، وعلى الرغم من هذا الاتصال المبكر بين المسلمين الأولين ومدارس الطب الأجنبية ، فإن المسلمين لم يواصلوا التعلم في هذا الميدان ، ولم يقبلوا على الطب إلا بعد أن توطدت اللغة العربية في البلاد كلغة للطب ، وتغلغلت المعرفة الطبية في حياة العرب اليومية .. وحين فتح الفاتحون ( جند يسابور )
و( الاسكندرية ) ، كان فيهما مدرستان تعملان كمركز للطب ، وكانت الأولى بصفة خاصة في أوج نشاطها ، ولكن لم تتم ترجمة أية رسالة طبية قبل العصر الأموي في عهد الخليفة مروان الأول حين ترجم (ماسرجويه) وهو طبيب يهودي بصري (قوانين ) أهروان الفارسي إلى اللغة العربية .
لقد امتد ملْك الأمويين ما بين سمرقند وأقاصي الأندلس ، وكانت دمشق منارة تشع بنورها على أرجاء واسعة من العالم ، فقد احتلت الثقافة العربية مركزاً
لا مثيل له في التاريخ ، وأول من أمر بالترجمة مروان بن الحكم ، فترجم الكتاب المذكور "قوانين" وقد تم نشره فعلاً في عهد عمر بن عبد العزيز ، وكان خالد بن يزيد بن معاوية ، خطيباً شاعراً وفصيحاً جامعاً ، جيد الرأي ، كثير الأدب ، حتى سموه ( حكيم آل مروان ) ، وضع ( خالد ) هذا كتيباً في الكيمياء وأمر بترجمة المؤلفات اليونانية والقبطية ، واستعان بجماعة من الفلاسفة اليونان كانوا يفدون على الاسكندرية آنئذ .
نحن لا ننكر هنا أن العرب اتصلوا بالسريان في فتوحاتهم الأولى ، وقد اطلعوا على مدارسهم فوجدوا فيها ما يرضي نهمهم الشديد إلى العلم ، بل إنهم أكرموا السريان بعد ذلك ، وتركوا مدارسهم قائمة في انطاكية وحران إكراماً للعلم وحفظاً لأمهات الكتب العلمية ، وقد أحب أولئك النصارى المسلمين الفاتحين حباً جماً ، لما تحلو به من التسامح الديني والمبالغة في إكرام العلماء ، وبادلوهم الإخلاص والولاء.. وقد استعارت لغتنا العربية بضع مئات من الألفاظ والمعاني والعبارات العلمية ، بعد أن صقلت بما يلائم قواعدنا العربية ، أوليست لفظة "الفاروق" أي المنقذ سريانية ، وقد أطلقوها على الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، الذي أنقذهم من اضطهاد الروم .
لقد بعث الإسلام قوة جديدة ، وروحاً وثابة ، ونشاطاً باهراً ، في إمكانات العرب الكامنة ، مما أدى إلى تقدمهم حتى أنهم كانوا يقولون : لقد كان "اليوناني " أباً للعلم ، فجاء العربي المسلم ، فحلَّ محله في أبوة العلم .. ثم أولم يقل "ولز" إن حقائق العلم والنور جاءتنا نحن الأوربيين عن طريق العرب ،و لم تصلنا عن طريق اللاتين .. ولقد كان باستطاعة القادمين من الصحراء ، بعقولهم الذكية المولعة بالاطلاع والجرأة النادرة أن يفتحوا العالم أجمع لو بقوا سائرين سيرتهم الأولى ..
والأسباب التي جعلتنا ، نحن العرب ، متعطشين إلى الاطلاع على العلوم ، علوم من سبقنا من الأمم حفاظاً لها ، ومبتكرين فيها وناشرين .. هي :
أولاً ـ طبيعة العربي : فقد خلق العربي باحثاً محباً للاطلاع ، فما إن جاء الإسلام ودان به العرب ، حتى رغبوا في اقتباس العلم .
ثانياً ـ القرآن الكريم ،و الحديث الشريف ، فهما قد حببا المسلمين بالعلم حباً ، أصبح في نظرهم أثمن شيء بعد الإيمان ( والذين يتفكرون في خلق السموات والأرض ، ربنا ما خلقت هذا باطلاً ) .
ثالثاً ـ تشجيع الخلفاء الراشدين للناس على طلب العلم ، روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال : كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً ، أو محباً للعلم ، و لا تكن الخامس ( أي جاهلاً ) فتهلك ، وقال أيضاً : العلم خير من المال .. العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، العلم حاكم ،و المال محكوم عليه ، مات خازن الأموال وبقي خازن العلم ، ومما قاله خلفاء العرب عن العلماء : إنهم صفوة الله في خلقه ،و نخبة من عباده ، صرفوا عنايتهم إلى نيل فضائل النفس الناطقة فكانوا مصابيح الدجى ، وسادة البشر .
رابعاً ـ استعراب الأمم التي فتح الله قلبها للإسلام فآمنت ، وأعجبت بإعجاز القرآن وبلاغة الحديث ، فصدت عن التأليف في لغتها ، وألفت بالعربية بعدما
فتنت بها .
يمكن أن نسمي المرحلة التي سبقت ازدهار الطب عن العرب ، بمرحلة النقل والترجمة، وقد قلنا من قبل : إن أول ترجمة طبية كانت في عهد الخليفة الأموي مروان الأول إذ ترجم (ماسرجويه) قوانين اهروان الفارسي .. ولا بد من الإشارة إلى إسهام السريان ( في حركة النقل تلك ) .. والسريان هم بقايا الكلدان والبابليين القدماء الذين أنشأوا حضارة رفيعة تميزت بوضع علوم هامة أدت إلى وضع أسس في الطب كان من أعظم كتابهم ومترجميهم ( سرجس الرأس عيني ) المتوفى سنة /526/ م وقد ترجم هذا القسم الأكبر من مؤلفات جالينوس وأمضى زمناً في الاسكندرية ، أتقن خلالها اللغة اليونانية ودرس الكيمياء والطب في مدرستها الطبية عند أول عهدها بتدريس ذلك العلم ، أما نشأته فكانت في رأس العين ،و لا تزال بعض ترجماته محفوظة حتى اليوم في المتحف البريطاني .
لقد كان الرسول العربي الأمي صلى الله عليه وسلم أول من وجه إلى تعلم السريانية واقتباس العلوم من السريانية .
جاء في الصفحة /165/ الجزء الأول في صبح الأعشى ما يلي : ( روى محمد ابن عمر المدائني في كتاب القلم والدواة قول الرسول لزيد بن ثابت : أتحسن السريانية ؟ قال : لا .. قال : تعلمها .. فتعلمها زيد .. ) .
وقد فتح الفاتحون (الرها) في القرن السابع الهجري ، وهي مدينة سريانية عظيمة ( كانت مهد الثقافة العالمية وفيها مدرسة "الرها" التي نبغ فيها عدد كبير من الدارسين ، أشهرهم القديس افرام السرياني ، وريولا الأسقف . لقد اشتهرت هذه المدينة حتى أنهم سموها : أثينا سورية ) ، وهناك مدرسة (حران ) التي قيل فيها إنها أول مدينة بنيت على وجه الأرض بعد الطوفان ، وخرج منها أئمة في كل فن ومن أشهرهم ( ثابت بن قرة ) وأولاده وأبو عبد الله البستاني .. وهناك مدرسة قنسرين التي أنجبت عدداً من جهابذة الفكر وفحول العلماء ، وقدر بعض الباحثين عدد المدارس التي كانت فيها بين النهرين بنحو خمسين مدرسة .
لقد استفاد الأمويون ومن بعدهم العباسيون من هذه المدارس ، فترجمت الكتب من السريانية إلى العربية ، فلم يترك كتاب في الحكمة إلا عربوه ، ولقد أدى هذا التماس بين المسلمين والسريان وتبادل الود والاحترام بينهم إلى أن أفتى رجال الدين من السريان النصارى بتعليم أولاد المسلمين التعليم الراقي ، حيث كانت العلوم وقفاً يورثه الآباء لمن يجدونه أهلاً من أبنائهم .
وقد أولى العباسيون الترجمة عناية فائقة ، فأقاموا عدداً من المدارس ، وعهدوا بالترجمة إلى علماء عرب وسريان و في طليعتهم أسرة "بختيشوع" وهي أسرة من النساطرة اشتهرت في دولة بني العباس ، توارثت صناعة الطب وكان لأفرادها حظوة عند الخلفاء العباسيين فانتفعوا ونفعوا بطبهم كما نفعوا العلوم الأخرى بآثارهم ومنتجات عقولهم ، وكانوا من أفضل أهل زمانهم بما لهم من شرف النفوس ونبل الهمم . ومن البر المعروف والأفاضل والصدقات ، وتفقد المرضى من الفقراء والمساكين والأخذ بأيدي المنكوبين وتأليف الكتب الطبية ، ومنهم أيضاً ( أيوب الرهاوي ) و ( هلال الحموي ) و ( آل ماسويه ) و ( أبو الحسن ثابت بن قرة الحراني ) إذ كان من الذين تعددت نواحي عبقريتهم ، فنبغ في الطب والرياضيات والفلك والفلسفة ووضع فيها مؤلفات جليلة ،و لم يكن في زمانه من يماثله في صناعة الطب ولا في غيره ، وكان هذا العالم المسلم جيد النقل من السريانية إلى العربية ، حتى أن أحدهم وصفه ووصف طبه بقوله :
هل للعليل سوى بن قرة شاف
  بعد الإله وهل له من كاف

فكأنه عيسى بن مريم منطقاً
  يهب الحياة بأيسر الأوصاف

مثلت له قارورتي فرأى بها
  ما اكتن بين جوانحي وشغافي

يبدو له الداء الخفي كما بدا
  للعين رقراق الغدير الصافي

ولم تكن الأندلس أقل شأناً في هذا الموضوع ، فقد عني الخلفاء والأمراء في الأندلس وعلماؤهم ، وذوو الوجاهة والثروة منهم بتشجيع حركة النقل والترجمة ، فترجموا كتباً جديدة ، بل أصلحوا الترجمة التي قام بها الأمويون والعباسيون ، فقد جاء في كتاب ابن جلجل أن كتاب (ديوسقوريدس ) ترجم في بغداد في أيام جعفر المتوكل العباسي من اليونانية إلى العربية ، وقد وردت نسخة إلى الأندلس من الترجمة المذكورة وفيها نقص كبير ، وذلك في عهد عبد الرحمن الناصر الذي عرف بين ملوك الدنيا برغبته في العلوم ، فكانوا يهدونه الكتب ، وقد أهداه ( أرمانوس ) ملك القسطنطينية هدايا منها كتاب ( ديوسقوريدس ) مصوراً بصور الحشائش والنباتات الواردة الذكر فيه ، ولما لم يكن في ذلك الحين ، في قرطبة من يقرأ اللسان اليوناني طالب (عبد الرحمن ) (أرمانيوس) أن يبعث إليه برجل يحسن اليونانية ، ليعلمها في قرطبة ويساعد في الترجمة .. فأرسل ذاك براهب يوناني اسمه نقولا فاشترك مع عدد من أطباء الأندلس بينهم محمد المعروف بالشجار ، وأبو عثمان الجزار ، ومحمد بن سعيد الطبيب ، وعبد الرحمن بن اسحاق ، وأبو عبد الله الصقلي، فصحح هؤلاء ببحوثهم أسماء العقاقير الواردة في ترجمة الكتاب ذاك ، كما صححوا النطق بأسمائهم، وهكذا نشأت مدرسة للترجمة نافست مدرسة بغداد وأنجبت عدداً لا يحصى من العلماء أغنى بعضهم ببحوثه علوم الطب ، وعلوم النبات، وجمع الطبيب القرطبي الغافقي نباتات اسبانيةو إفريقية وسمى كلا منها بأسمائها العربية
واللاتينية والبربرية .
المرحلة الثانية : مرحلة التدوين والتأليف :
بلغ الطب ذروة عصره بعد سنة /750/ للميلاد ، وكان مركزه دمشق وبغداد وقرطبة والقاهرة ، فاشتهر من الأمراء الأمويين خالد بن يزيد بن معاوية الذي يعتبر من أعلام قريش في فنون المعرفة ، على أنه إذا بدأت الحركة العلمية في دور بني أمية ، فقد أتت في عهد بني العباس ثمارها ، فاشتهر المنصور والمأمون بحبهما في التوسع العلمي ورغبتهما في التطلع إلى آفاقه البعيدة .
لقد سبق الطب العربي بنهضته الطب الغربي بمئات السنين ، وكانت في البصرة والكوفة وبغداد والقاهرة ودمشق وقرطبة مدارس جامعة بثت أنوارها في العالم كله، وكانت هذه المدارس امتداداً للجوامع يقصدها الراغبون في العلم من كل عرق ولون، وسنكتفي بذكر ما له بالطب صلة وثيقة ، فقد تعمق المسلمون في دراسة الفيزيولوجيا ، علم وظائف الأعضاء ،و علم الصحة ،و فن الأدوية ، ومازال الكثير من أدويتهم يستعمل حتى الآن .
عرف المسلمون التخدير ، وأقدموا على إجراء عمليات جراحية واسعة ابتكروها ، فكان النجاح حليفهم في حسن نتائجها ،و كانت الرسومات الطبية الكبرى التي وصفوها تحت متناول أيدي الجميع .
كشف المسلمون في الكيمياء عناصر كثيرة ، أشهرها الكحول والبوتاس ، وآزوتات الفضة والسليماني الكاوي ، وحوامض عديدة منها حامض الليمون ، وحامض الكبريت ، وكثيراً من العطور والأرواح والأشربة ، وقد عرفوا صناعة استخراج السكر .
ويجدر بنا أن نقول : إن تقدم الطب الإسلامي يرتبط على أية حال بمدينة بغداد ، وبانتقال الأطباء إليها في خلافتي الرشيد والمأمون .
لقد نشّط الرشيد العلوم بجميع الوسائل وتبعه في  ذلك وزراؤه ، بل زادوها تبسطاً في الأبحاث ، وتوسعاً في العلاج ، ومهارة في  الجراحة والتشريح ، وخبرة في العقاقير ، وكانوا قد استقدموا إلى بغداد كثيراً من أطباء الأمم الأخرى ، فطببوا الخلفاء ، ونقلوا لهم الكتب ، فكان عند الرشيد من يطببه على طريقة اليونان والهنود والفرس والكلدان .
وكان الخليفة المأمون ذا ولع بالطب .. ومن غريب ما يروى عنه : أنه أولم لخاصته ووضع لهم أكثر من ثلاثمائة لون من ألوان الطعام ، وكلما وضع لونا نظر إليه المأمون وقال : هذا يصلح لكذا .. وهذا ينفع لكذا .. ومن أحب الزيادة في لحمه ، فليأكل من هذا ، ومن كان قصده الغذاء ، فليقتصر على هذا .. وما زالت تلك حاله حتى رفعت الموائد .. فقال يحيى بن أكثم : يا أمير المؤمنين ، إن بحثت في الطب فأنت جالينوس ، وفي معرفة النجوم فأنت هرمس ، وإن ذكرنا السخاء
فأنت حاتم .
لقد اشتهر الخلفاء العباسيون بحبهم الواسع للعلم ، ورغبتهم في التطلع إلى آفاقه البعيدة ، مما أثار سخط الساخطين .
ـ هل ننسى كيف كان المنصور يتحف ملوك الروم بهداياه الثمينة ، ولكنه كان يفعل ذلك من أجل أن يصلوه بما لديهم من كتب الحكماء ، وكان أن خصّص لهم مهرة المترجمين وكلفهم أحكام ترجمتها ، ثم حضّ الناس على قراءتها ورغّبهم في تعلمها ، فراجت سوق العلم في زمانه ، وقامت دولة الحكمة في عصره .. وتنافس أولو النباهة في العلوم لما كانوا يرونه من رعايته للعلماء ، كان المنصور يخلو بهم ، ويتلذذ بمذاكرتهم ، فينالون عنده المنازل الرفيعة ، والمراتب السنية .
كانت الترجمة في عصره عمل دولة لا عمل فرد .. فزاد عدد التراجم عن المئة، وتخصص بعض الأسر بأعمال النقل ، بل أقيمت مدرسة خاصة لتعليم المترجمين ، فأصبحوا يتنافسون في هذا المضمار ، وقد ذكرت لنا الكتب أسماء عدد كبير منهم ، اشتهر من بينهم محمد أحد أبناء موسى بن شاكر ، وعلي بن يحيى المعروف بابن المنجم (أحد كتّاب المأمون ) وكان نديماً له ، ومحمد بن موسى بن عبد الملك ، وكان من جملة العلماء الأفاضل محمد بن عبد الملك الزيات ، كان يقارب عطاؤه للنقلة والنساخ في كل شهر ألفي دينار ، وترجمت باسمه جماعة من أكابر الأطباء .
ولكن أنبغ المترجمين هو : حنين بن اسحاق ، فقد كان ضليعاً في اللغة العربية إلى جانب لغة السريان والإغريق .. ولقد لقبوه بحق : شيخ المترجمين ، فنقل أمهات الكتب الإغريقية في الطب مثل كتب جالينوس وأبقراط .. ومما يستحق الذكر أيضاً أن (حنيناً ) هذا لم يترجم فقط النصوص الفردية للأطباء ، بل ترجم مجموعات كاملة في الطب ، كما يدل على ذلك كتابه ( جوامع الاسكندريين ) وهو حينئذ يؤثر تأثيراً مباشراً لا على الطب وحده بل على تعليم الطب أيضاً ، كان حنين طبيباً بارعاَ ، وقد ألف كتابين أساسيين في طب العيون أولهما : كتاب منظم ويشمل رسوماً بيانية لتشريح العين ، والثاني : كتاب المسائل في العين ، كما ألف كتباً ذات أثر كبير في موضوعات الطب عامة ، وقد أبقى في الطب الإسلامي طابعاً لا يمكن محوه ( كتاب المناظر لابن هيثم 965 ـ 1039 م ) أول كتاب وصف العيون علمياً . كتب عنه العالم الأوربي ثالرس بأن المناظر هو الأساس الذي بني عليه علم النظريات الحديثة والعدسات والبصرية والمكبرة ، وقد فتحت هذه الحقائق الباب للعالم روجر بيكر لاكتشاف المجهر المكبر ( مياكروسكوب ) والمراقب
أو ( التلسكوب ) .
لقد استقرت العلوم في بغداد . ونشأ جيل من العلماء المسلمين فهم هذه العلوم فهماً صحيحاً و على رأسهم أبو يعقوب يوسف الكندي الذي ألف ما يزيد على واحد وعشرين كتاباً في الطب حتى عرف بفيلسوف العرب .. وكان للكندي اهتمام خاص بالصيدلية ، ولو لم يختص في التأليف فيها ، وكذلك الفلكي الكبير ثابت بن قره . الذي ألف في موضوع الطب ، ووصف في كتابه ( التذكرة ) قبل أن يفعل ذلك الرازي ، مرضى الحصبة و الجدري و قد أصبح كتابه هذا فيما بعد مرجعاً أساسياً في الطب  .
ثم يأتي على بن ربان الطبري الذي ألف كتاب ( فردوس الحكمة  ) و هو أول كتاب إسلامي منظم في الطب .. وقد استفاد الطبري أكبر فائدة من المراجع السريانية و الإغريقية من دون الرجوع على ما يبدو إلى ترجمان حنين ، كما استفاد من الترجمات السنسكريتية ، واشتمل علمه على أبواب المبادئ العامة لكونية وفروع الطب وقسم خاص بالطب الهندي ، وبهذين العالمين : الكندي و الطبري ، بدأ عهد التأليف العربي المستقل .
العصر الذهبي  :
في هذه الفترة ، كان أهم ما في التراث الطبي من العالم قد نقل إلى لغتنا العربي في ذلك الوقت ، وعلى الأساس الذي أرساه الطبري من ناحية و حنين من الناحية الأخرى ، بدأ الطب الإسلامي في الازدهار ، وسرعان ما ظهر محمد بن زياد الرازي الذي يعتبره الباحثون شيخ الأطباء المسلمين وخاصة من وجهة النظر التجريبية والسريرية في الطب  .
ولد الرازي في الري  ، وبدأ تعليمه في هذه المدينة واتجه إلى الكيمياء في مستهل حياته ، ولم يتحول إلى الطب إلا في فترة متأخرة .ثم جاء إلى بغداد حيث كان على رأس المستشفى الرئيس فيها ، وأخيراً عاد إلى الري حيث مات سنة
( 313 / 925 م ) ، ومن الصعب أن نتصور صورة تاريخية واضحة في هذه المرحلة من حياته .. ولكننا نقول : لقد كانت له تجربة سريرية واسعة ، وقد درب عدداً كبيراً من الطلاب وكتب كثيراً من المؤلفات و كان متفوقاً في شتى ميادين المعرفة من الفلسفة وعلم النفس إلى الكيمياء و الطب .
وكان إعجاب المؤرخ والعالم الفذ البيروني بكتابات الرازي كبيراً  ..حتى أنه قضى سنوات عديدة في جمع تلك المؤلفات ، وتسجيلها في فهرس خاص ، وقد بلغ مجموع هذه المؤلفات /184/ مؤلفاً تختص بالطب والموضوعات المتصلة به .. وأهم هذه المؤلفات الموسوعة الضخمة ( الحاوي ) ، وهذا الكتاب الموسوعة ذاع صيته في الشرق و الغرب وهو يقوم على ملاحظات الرازي اليومية في فحص مرضاه وعلاجهم .. ويعتبر ذخراً ثميناً من وجهة نظر الملاحظة والتجربة أكثر مما به في الطب النظري .
ومن كتب الرازي الأخرى ( الكتاب المنصوري ) وكتاب ( تقسيم العلل ) وكتاب (الفخري) ، ولعل أكثر كتبه ذيوعاً في العرب كتاب (الجدري والحصبة) ، وقد ترجم إلى اللاتينية ، إن كتب الرازي تشمل كل فرع من فروع الطب ، وهذا الرجل الذي كان يعتبر نفسه نداً لأفلاطون وأرسطو ، جمع بين التراث الطبي القديم وقدرته الشخصية على الملاحظة والاستنتاج للكشف عن عديد من الأمراض الجديدة ولابتداع وسائل حديثة في ميدان الطب التقليدي ، فهو يمثل بحق قمة شامخة في الطب الإسلامي ، وإن أثره في هذا العالم الإسلامي وفي الغرب ( في فروع الطب جميعها ) ليفوق كل تقدير ، وشهرته منذ ألف سنة مضت لهي خير دليل على الأثر الذي تركه في تاريخ الطب الإسلامي بخاصة وفي الطب العالمي عامة .
وقد خلف الرازي أبو نصر الفارابي ذلك الفيلسوف الكبير ، ولكن اهتمامه بالطب لم يبلغ درجة سلفه ، ومع ذلك فقد أبدى بعض الآراء في الطب .. وخاصة في طرقه ومبادئه ، بل روي أنه زاول الطب حين كان في حلب ودمشق .
وهنالك علي بن علي المجوسي وهو من تلاميذ الرازي ، ألف كتاب ( كامل الصناعة الطبية ) وكان يقول : إن العلم بصناعة الطب أفضل العلوم وأعظمها قدراً وأجلها خطراً ، وأكثرها منفعة لحاجة جميع الناس إليها ، وكان علي هذا مديراً لمارستان عضد الدولة الشهير في بغداد ، وقد دل كتابه على معرفة واسعة ليست مكتسبة من قراءة الكتب وحسب ، بل هي نتيجة تجربة شخصية واسعة .
ثم جاء ابن سينا الشيخ الرئيس : وهو من أذكياء العالم ، وكان يفضل الأطباء بأنه فيلسوف ، ويفضل الفلاسفة بأنه طبيب ممتاز .. والواقع أن العرب كان فيهم الأطباء الفلاسفة ،و الفلاسفة الأطباء ،و قد أنزله دانتي منزلة بين أبيقراط وغالينوس، حفظ ابن سينا القرآن أولاً ، والأدب العربي ثانياً ، ثم واصل دراسته عند بقّال يقال له ( محمود المساح ) فدرس على يديه الشريعة ، وتعلم الفلسفة اليونانية والعلوم الطبيعية، ثم تابع المطالعة حتى برع في الرياضيات ثم بالطب ، وهو ما يزال في السادسة عشر من عمره ، تقول المستشرقة ( مدام جواشون ) : إنه حينما بلغ ابن سينا السادسة عشر كان طبيباً معروفاً وقد ملأ اسمه الآفاق ، مما جعل سلطان بخارى يستدعيه لمعالجته ، وفعلاً فقد شفي السلطان على يديه .. فأكرمه بأن وضع مكتبته الضخمة بين يديه ، حيث أخذ يعبّ العلم من هذه المكتبة .
ـ بلغ عدد مؤلفاته أكثر من /160/ كتاباً ، فيها سبعة عشر كتاباً في موضوع الطب ومن أهمها كتاب القانون الذي ترجم إلى اللاتينية ، و أصبح مرجعاً هاماً للدراسة الطبية في أوربا ، وقد كان يُدَرَّس هذا الكتاب في جامعتي فيينا وفرانكفورت طوال القرن السادس عشر ، كما بقي يُدرس في جامعتي مونبلييه ولوفان حتى منتصف القرن السابع عشر ، وقد تُرجم الكتاب إلى لغات مختلفة فتداوله الإسرائيليون المشتغلون في الطب بين أرجاء العالم بأسره ، وقد تعددت طباعته حتى قاربت الأربعين طبعة ، في الوقت الذي كان فيه الطب خاضعاً لسلطان السحر والشعوذة والتدجيل في أوربة .
كان ابن سينا يفصل بين طبه وفلسفته فصلاً علمياً دقيقاً في موضعي الفحص والمعالجة ، إذ يحاول أن يصل مع مرضاه إلى علاج نفسي ، فإذا لم يتمكن من ذلك حاول أن يستعين بالأدوية ،و لقد قضى ابن سينا جل حياته في البحث العلمي ، ووفق إلى إدخال التصحيحات عل ما جاء في طب الأقدمين حول عوارض الفالج ، وأمراض الكبد ، والصدر وعلاقة بعض الأمراض بغيرها ، كما أنه اكتشف مرض التهاب السحايا ، وقد ذكر الدودة الشصية ( الانكلوستوما ) في مؤلفاته ووضع حدوداً لآلام الأعصاب بعد ملاحظتها ، وإجراء تجارب عليها ، ولقد توصل ابن سينا في ملاحظاته إلى أن الحصبة أكثر ما تنتشر عدواها في الربيع والخريف ، كما كان ابن سينا شاعراً ،و له قصيدة من أروع القصائد في وصف النفس :
هبطت عليك من المحل الأرفع
  ورقاء ذات تعزز وتمنع

محجوبة عن كل مقلة عارف
  وهي التي سفرت ولم تتبرقع

كان ابن سينا متعاظماً ، معتداً بنفسه ، طموحاً متعالياً ، لذلك كانت حياته سلسة من الأحداث والاضطرابات ، كان كتابه القانون موسوعة طبية جامعة ، لكل العلوم الطبية المدونة ، وقد حوى هذا الكتاب على ما يقارب المليون كلمة ، ومما يقول في الأرجوزة :
وكل طعام يعجز السن مضغه
  فلا تبتغيه فهو شر المطاعم

ولا تتعرض للدواء وشربه
  مدى الدهر إلا في احتمال العظائم

ولا تحبس الفضلات عند اقتضائها
  ولو كنت ابن المرهفات الصوارم

وكن مستحماً كل يومين مرة
  وحافظ عل هذي الخلال وداوم

ذلك ابن سينا الذي سُجِّل في الخالدين :
لأجعلن الزَّمِنَ أحبّ إلى أهله من السليم ..ونحن لو فكرنا ملياً في هذا القول الرائع لعرفنا مبلغ الدرجة الإنسانية الرفيعة التي ارتقى إليها الطب الإسلامي ، وأين هذه الكلمة من أولئك المشرعين الذين نادوا بقتل ( المرضى المزمنين ) باسم الإنسانية، أين هذا القول من أولئك الذين نادوا في برلمانات الغرب بأن تتخلص البشرية منهم باسم القتل الرحيم .
ولكنه النور الذي ملأ الأرجاء ،و لكنه الإيمان الذي عمر القلوب ..
وبعد هذا هل ننسى الطب في الأندلس . هل ننسى العلوم في
فردوسنا المفقود..
كان أول من أنجبتهم قرطبة .. الزهراوي .. الذي يعتبر أعظم جراح في تاريخ الطب الإسلامي ،و قد كتب ( كتاب التصريف ) وهو موسوعة علمية ، كانت دليلاً للجراحين على مر العصور ، إذ قدم وصفاً دقيقاً فيها عن تنظيم الجراحة في الطب ، وقد ضم الكتاب ثلاثة أجزاء ، أولها في الكي كما يشير به الطب النبوي ويقترحه الزهراوي لعلاج الصرع ، والثاني : في العمليات التي تجرى بالمشرط ، وعمليات العيون والفم ، والثالث : في أنواع العظام وخلعها ثم في التوليد .
ثم هناك ابن زهر الطبيب العربي الأندلسي :
ذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان : أن ابن زهر من أهل بيت كلهم علماء ورؤساء ووزراء ، نالوا المراتب العليا عند الملوك ، ونفذت أوامرهم .. كان يحفظ شعر ذي الرمه ، وهو ثلث لغة العرب ،و قد أوصى أنه إذا مات تكتب على قبره هذه الأبيات ، وفيها إشارة إلى طبه ومعالجته للناس :
تأمل بحقك يا واقفاً
  ولاحظ مكاناً دفعنا إليه

تراب الضريح على وجنتي
  كأني لم أمش يوماً عليه

أداوي الأنام حذار المنون
  وها أنا قد صرت رهناً لديه

أما المؤرخ المعاصر فؤاد افرام البستاني فقد ذكره في دائرة معارفه فقال :
إن شهرة ابن زهر تقوم إضافة إلى طبه في شعره .. ولا سيما في موشحاته المبتكرة التي كان فيها من المقدمين في هذا الفن الجديد ،و قد جمع إلى ثقافته الطبية ثقافة لغوية أدبية .
أما الدكتور الأستاذ أحمد شوكة الشطي في كتابه (اللب في الإسلام والطب) فقد قال : بنو زهر اسم يطلق على أفراد من أسرة من علماء الطب في الأندلس منهم : أبو مروان بن زهر طبيب وفقيه ، وأبو العلاء بن زهر بن مروان طبيب اشتهر بحسن التشخيص ، ومنهم أبو مروان بن أبي العلاء ، ولد في اشبيلية ، اعتبره ابن رشد أعظم طبيب بعد جالينوس ،و له اختراعات في علم الجراحة ، ومنهم أبو بكر بن أبي العلاء ، برع في الطب ، وله كتاب ( طب العين ) .
كانت ( قرطبة ) منارة العلم والعرفان .. ذاع صيتها في الآفاق ، حتى أن أديبة سكسونية هي ( هور نسويزا ) قد وصفتها بأنها جوهرة العالم ،و قد بلغ من ارتفاع شأنها أن حكّام ليون ونافار وبرشلونة كانوا يقصدونها ، كلما احتاجوا طبيباً أو جراحاً أو مهندساً ، وذلك ما حدث مع ( طولما ) ملكة نافار ، فقد أوفدت ولدها سانكا البدين لتعالجه من السمنة على أيدي أطباء قرطبة .. ثم هل ننسى جامعة قرطبة التي بلغ عدد المنتسبين إليها بضعة آلاف من الطلاب ، وأصبحت شهادتها سبيلاً إلى الوصول إلى أسمى المراتب ، وأرفع المناصب ، وكانت النساء شقائق الرجال في اقتحام الحقول العلمية ، فاشتهر منهن في الأدب والطب عدد كبير ، ثم هناك جامعة غرناطة التي أسسها يوسف أبو الحجاج ( سابع سلاطين بني نصر 1233 ـ 1254 ) . وقد وضعت في مداخل هذه الجامعة تماثيل أسود من الحجر كأنما تحرسها ، وكان لهذه الجامعة ، جامعة غرناطة ، فروع ومعاهد تدرس فيها علوم الطب والكيمياء والفلك والفقه والدين ، وهناك قول مألوف كان ينقش غالباُ فوق أبواب هذه المعاهد وهو أن العالم يقوم على أربعة أمور :
علم الحكماء ، وعدل العظماء ، ودعاء الصلحاء ، وشجاعة الشجعان .
أما قرطبة فقد تفردت بأنها كانت في مقدمة أسواق الكتب في الأندلس .
وكان اقتناء الكتب آنئذ سبيل المنافسة بين الناس ، ولا بأس أن نورد هذه الحادثة للاستئناس :
قال الحضرمي : أقمت بقرطبة ولازمت سوق كتبها مدة أترقب وقوع كتاب كان لي بطلبه اعتناء ، إلى أن وقع وهو بخط جيد ، ففرحت به أشد الفرح ، فجعلت أزيد في ثمنه فيرجع إلى المنادي بالزيادة علي ، إلى أن بلغ فوق حده ، فقلت له : يا هذا أرني من يزيد في هذا الكتاب حتى بلغ ما لا يساوي ..
قال : فأراني شخصاً عليه لباس رياسة ، فدنوت منهو قلت له : أعز الله سيدنا، إن كان لك غرض في الكتاب تركته لك ، فقد بلغت به الزيادة بيننا فوق حده ، فقال لي : لا ادري ما فيه ،و لكن أقمت خزانة كتب ،و احتفلت فيها لأتجمل بها بين أعيان البلد ، وبقي فيها موضع يسع هذا الكتاب ، فلما رأيته حسن الخط جيد التجليد استحسنته ولم أبال بما أزيد فيه ، والحمد لله على ما أنعم من الرزق فهو كثير !! .
أيها السادة .. ذلك غيض من فيض .. أو قطرة من بحر ، ولو نقلنا إليكم
ما قاله الأوربيون في تراثنا الطبي العربي الإسلامي لأطلنا .. ولكننا نريد أن نترك ذلك للدارسين والباحثين .
ترى ماذا حل بتلك المؤلفات جميعاً ؟ نعم لم يصلنا منها إلى القليل القليل ، فلقد ارتكب أعداء الإنسانية جرائمهم في كل مكان .. وهل هناك أفظع مما ارتكبه التتار في بغداد . هل هناك أفظع مما فعلوه حين حرقوا ما في بغداد من كتب وألقوا في نهر دجلة ما ألقوه .. وفي غرناطة أو لم يصادر ( كسيمنس ) كتبنا الخالدة ويرتكب بحقها وحق العلم والإنسانية جريمة كبرى تحاكي جريمة التتار في بغداد ، فقد جمعها في أكوام في ساحات غرناطة وأشعل فيها النار .
نحن بحاجة إلى اهتمام دائم بتراثنا ، نحن بحاجة إلى النظر فيه باستمرار ونشره وإحيائه . وأن تتسلمه أيد أمينة مخلصة ، أيد مؤمنة صادقة تخاف الله وتؤمن به وتعمل في سبيله ، أيد نظيفة لم تلوثها نزعات الهوى ، ولا زيغ القلوب والضمائر ، أيد تعمل بصدق ، وتكتب بصدق ، وتبحث بصدق ، وتسعى دائماَ إلى الصدق .
وجدير بمن كان ماضيه حرياً بالإعجاب والتقدير ، أن يصل الحاضر بالماضي ، ليسير في الركب ، لأن ركب الحضارة يسير حثيثاً مستنداً إلى أصالة نبيلة وإلى ماضٍ مجيد ، يزيده علماً وعملاً وطموحاً وأملاً ..
 
 

 

 

{ إن شدّ الخيال إلى عالم الأمس لن يضير ، ما دام وراء هذا
الشدّ .. الاندفاع الذي يقذف بالجسم وقواه ، إلى دروب الغد ، إلى سبل متألقة ببريق العلم ، متلألئة بنور الإيمان .}
موفق

 
المستشفيات العربية في التاريخ

"إن هذا المستشفى سوف يفتح من أجل المسنين والشباب ، والمرضى الفقراء، ذكورا كانوا أم إناثاً ، حتى يمكن معالجتهم والعناية بهم إلى أن يتم شفاؤهم ، وسوف يتم توزيع الأدوية المحضرة في المستشفيات للمرضى البعيدين والقريبين ، لأهل البلد والأجانب ، للأقوياء والضعفاء ، للشرفاء والأشرار ، للمشهورين والمغمورين ، للمالك والعبد ، للجميع من دون أي شرط أو تحفظ أو اعتراض أو رفض ، وذلك كله ابتغاء مرضاة الله عز وجل " .
هذا ما قاله السلطان المنصور قلاوون عندما أنشأ عام ( 1285) ميلادية مستشفى القاهرة الذي يحمل اسمه ، وهو يعبر عن الفلسفة العربية في العناية بالصحة، والتي ازدهرت ما بين القرنين السابع والخامس عشر للميلاد ، وقد لوحظت خلال هذه الفترة إسهامات العرب في جميع مجالات العلوم تقريباً وبخاصة في مجال الطب .
كما توصل الأطباء والصيادلة المسؤولون عن التقدم في الطب إلى مناصب عالية ومحترمة ، وتمت رعاية العلوم الصحية من قبل الخلفاء أولاً ، وبعد ذلك من قبل حكام هذه الإمبرطورية العربية الاسلامية الشاسعة .
هنالك أسباب عديدة تكمن وراء تحقيق العلوم الطبية مثل هذا
التفوق والامتياز .
أولاً ـ كانت هناك الحاجة إلى مجاراة القضايا الصحية للامبراطورية
المترامية الأطراف .
ثانياً ـ المكانة المرموقة التي حظي بها العلم ، والمذكورة في الحديث الشريف الذي هو تعليمات محمد نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم ، والذي يصرح بأن العلم في الحقيقة علمان : علم الأجسام البشرية وعلم الدين .
ويضاف إلى ذلك طموح وتطلعات الإنسان الطبيعية لأن يبقى سليماً معافى من خلال المساعدة التي يقدمها له الطب . يركز هذا المقال على جانب واحد من جوانب الطب ، ألا وهو المستشفيات الرسمية العربية في التاريخ القديم ، أحدثت هذه المستشفيات التي تأسست في الحقيقة نظام العناية الصحية المستخدم اليوم في المستشفيات في جميع أنحاء العالم ، من المهم أولاً مراجعة الإنجازات التي تحققت في الطب العربي بوجه عام .

الطب العربي القديم :
إن الأطباء العظام في الطب العربي ، وهم الأطباء الذين أسهموا في نموه وتطوره لم يكونوا جميعاً من أصل عربي ، قد اجتذب الطب العربي القديم أجناساً ومعتقدات شتى ، كان أهمها الإغريقي والهندي والسرياني للإسهام في تقدم المعرفة في فنون المداواة والعلاج .
وعلى كل حال فإن اللغة العربية بمرونتها وثرائها وغنى مفرداتها استطاعت أن تستوعب إسهامات الحضارات العديدة التي وقعت تحت حكم الامبراطورية الإسلامية ، وفي الحقيقة كانت السلطة الإسلامية الواسعة قد توطدت في بغداد في القرن التاسع الميلادي ، ونشأت الحاجة الماسة لترجمة الأعمال العلمية للإغريق إلى العربية لغة الإسلام .
وانتشرت مع هذه الترجمات الواسعة علوم الإغريق وطبهم في جميع أنحاء الامبراطورية الإسلامية ، وحفظت في لغة ما تزال تستخدم اليوم ، وقد تمت ترجمة أهم الكتابات الطبية للإغريق ، وهي كتابات أبو قراط وديوسكوريدس وجالن إلى العربية من قبل حنين بن إسحاق ( 809 ـ873 ) م وفريقه من المترجمين .
كتب حنين أكثر من مائة كتاب طبي بما فيها [ مقدمة إلى الطب ] الذي كان لفترة طويلة من الزمن المرجع الطبي الأساسي . ويعتبر حنين مسؤولاً أيضاً عن صياغة عدد كبير من المصطلحات في المعجم الطبي العربي .
وبعد وفاة حنين بمدة قصيرة ، برز الطبيب والعالم الفارسي أبو بكر محمد بن زكريا الرازي (860 ـ 932 ) م .. في القرن التاسع الميلادي على نطاق واسع بسبب بحثه الأصلي الذي يصف بوضوح ويميز بين أعراض الجدري والحصبة .
وبالإضافة إلى ذلك يقال بأن الرازي كتب ما يزيد عن مائتي كتاب أهمها
[ الحاوي ] الذي كان في ذلك الوقت أكبر موسوعة في الطب الإغريقي العربي ، كما تعمق إلى حد كبير في الطب النفسي ، وقد جاوز اهتمامه بالطب وأصبح أول من وصف استخدام آلة تقيس الزاوية .

ابن سينا ( 980 ـ 1037 ) م :
المعروف في الغرب باسم (آفينا) ، قد يكون الطبيب الأكثر شهرة في العصور الوسطى ، فإليه تنتسب أكثر من اثني عشر نصاً من النصوص الطبية التي أشهرها
( قانون الطب ) الذي كان يستفاد منه كدليل أو مرشد رئيس إلى العلوم الطبية منذ القرن الثاني عشر وحتى القرن السابع في العالم الغربي .
يؤكد ابن سينا في كتاب القانون أهمية الحمية في العلاج والتي أصبحت السمة البارزة للطب العربي ، وهو أول من وصف الجمرة وسماها ( النار الفارسية ) ، وأول من وصف بالتفصيل العضلات الخارجية لكرة العين ، وأول من وصف استخدام الأدوية المبالية ( الإحليلية ) والمصدات ( الحشوات ) المهبلية .

وفي الأندلس : أكد الطبيب الجراح الشهير أبو القاسم الزهراوي أهمية العلاقة بين المريض والطبيب مشجعاً على التفاهم والتعاون ما بين الأطباء ومرضاهم .
وكتابه الأكثر أهمية ( التصريف ) ، كان أبو القاسم أول من وصف الناعور وتوارثه المرتبط بالجنس . إن أهمية ( التصريف ) لا تكمن على أية حال في وصف الناعور بقدر ما تكمن في التعامل مع تشريح ووظائف الجسم البشري ورفع الجراحة إلى مكانتها اللائقة بين العلوم الطبية ، وقد احتوت الأقسام الجراحية من الكتاب والمترجمة إلى اللاتينية أوصافاً كاملة لإجراءات جراحية مختلفة ومتنوعة ، تتضمن عمليا البتر من أجل الغنغرينا ، وإيضاحات عن الأدوات الجراحية التي أثرت في الأطباء العرب وساعدت في إقامة الأسس من أجل الجراحة في أوربا .
وكان هناك بالطبع أطباء عرب متميزون آخرون ، مهمون بسبب إسهاماتهم في الطب من أجل العرب والعالم العربي ، وفي القرنين التاسع والعاشر أنشأ بعض هؤلاء الأطباء المستشفيات بمساعدة حكام ذلك الزمن ممهدين السبيل لبناء المستشفيات الحديثة المقامة في عصرنا هذا .

المستشفيات العربية :
لم يكن العرب أول من شيد المستشفيات ، ولكنهم كانوا أول من أدخلوا تحسينات في أنظمة الاستشفاء القديمة ، وجعلوا المستشفيات ملامح مألوفة
مهنة الطب .
وبالرغم من أن غالبية المستشفيات العربية أمكن تصنيفها كمستشفيات عامة، كان هناك مستشفيات متخصصة في نوع واحد من الأمراض مثل البرص والجذام وأمراض العين والاضطرابات العقلية ، وكانت المستشفيات العسكرية ومشافي السجون منتشرة أيضاً ، وكان في بغداد مستشفى متنقل يحمل على أربعين جملاً إلى جبهة المعركة .
ـ كتب الوزير علي بن عيسى إلى طبيبه الرئيسي بشأن العناية الطبية بالسجناء قائلاً ( إنني ظننت ، أطال الله عمرك ، أن أولئك السجناء معرضون للإصابة بأمراض مختلفة بسبب أعدادهم الكبيرة والمناخ في مساكنهم ، إنهم محجوزون ، فهم غير قادرين عل الاهتمام باحتياجاتهم الشخصية ، وينبغي أن يكون هناك أطباء مخصصون ومكلفون برؤيتهم يومياً وحمل الأدوية والعقاقير إليهم ) .
كانت جميع المستشفيات متشابهة تقريباً من حيث التصميم ، كل مستشفى كان فيه قسمان منفصلان ، واحد للذكور والآخر للإناث ،و كان كل قسم مزود بالأثاث الضروري والتجهيزات ( المعدات ) والأدوات الطبية . وكان هناك "عنابر" مخصصة وفقاً لأنواع الأمراض بالإضافة إلى "عنابر" من أجل الأمراض الباطنية وأمراض العيون وتقويم الأعضاء وإصلاح التشوهات والجراحة ، وكان عنبر الأمراض الداخلية مقسماً بدوره إلى أقسام فرعية من الأمراض المتصلة بها مثل الزحار وأمراض الحمى ، والأمراض النفسية وأمراض أخرى ، وكان هناك حد أدنى من التسهيلات متوفر أيضاً في مناطق خاصة من المستشفى الرئيسي .
ثلاث مستشفيات كانت تبرز في ذلك الوقت وهي : العضوضي في بغداد ، النوري في دمشق ، والمنصور في القاهرة .
بني مستشفى العضوضي على ضفة نهر دجلة غربي بغداد في أواخر القرن التاسع الميلادي ، وكان مجهزاً بأفضل المعدات والأجهزة المتوفرة في ذلك الوقت . وبلغ عدد العاملين فيه ( 24) طبيباً ، بعضهم مختص في الطب الداخلي ( الأمراض الداخلية ) ، وآخرون في الجراحة وأمراض العيون أو جراحة الجبير والتقويم .
شبّه ابن جبير ، وهو رحالة مشهور زار العضوضي عام 1184 م بعد تأسيسه بمئتي عام ، مستشفى العضوضي بقصر !. وأوضح أنه كان فيه عدة أجنحة، كل جناح مزود بماء جار وعدد كبير من الغرف ، ظل مستشفى العضوضي حتى عام 1258 عندما دمر في أثناء سقوط بغداد على يد جيوش هولاكو المغولي . ويروي بعضهم أن الرازي اختار موقع مستشفى العضوضي بأن طلب تعليق قطعة من اللحم في كل ناحية من نواحي المدينة ، ويقول أنه أمر بعد ذلك ببناء المستشفى في المكان الذي حصل فيه أقل فساد .. ولكن يبدو أن هذه القصة لا أساس لها من الصحة تاريخياً ، لأن الرازي توفي قبل تأسيس المستشفى بخمسين عاماً .
وفي دمشق بني مستشفى النوري عام 1160 وسمي باسم مؤسسه نور الدين زنكي ، وظل المرضى يتلقون فيه العلاج والأدوية المجانية مدة ثلاثة قرون .
ويروى أن المستشفى بني بفدية ملك مجهول الاسم من ملوك الفرنجة .
وقد لاحظ ابن جبير الذي زار أيضاً مستشفى النوري أنه كانت هناك سجلات محفوظة عن مقدار الدواء والطعام الذي يحتاج إليه كل مريض ، وما تزال أجزاء من هذا المستشفى قائمة حتى الآن في دمشق .
وكان مستشفى المنصوري في القاهرة ، والذي أسسه عام 1285 الملك المنصور قلاوون ، الأفخم من نوعه في مصر ، وربما في الشرق الأوسط بأسره ، فقد كان فيه عنابر ( أقسام ) مستقلة لمعالجة أمراض الحمى والحالات الجراحية والزحار وأمراض العيون . وكان فيه أيضاً صيدلية ، ومخازن ، ومكتبة ضخمة ، ومسجد ، وغرف للمحاضرات ، وعيادات خارجية ، ومطابخ ، وكان في المستشفى عدد كبير من الإداريين والخدم لكلا الجنسين ، وموظفون لتنظيف الأقسام والعناية بالمرضى ، والعمل بالمطابخ الجيدة التجهيز . كما كان يسمح للمرضى الجوالين بالاستجابة للصلاة والأناشيد الدينية . إن مستشفى المنصوري ـ الذي استمر في العمل حتى وقتنا هذا ـ ما يزال قائماً في القاهرة ، وهو شاهد رائع على فن العمارة الإسلامية.

إدارة المستشفيات :
كانت المستشفيات غالباً ما تقوم بتأسيسها السلطة العليا للأرض ، أو محبو الخير ، وهي عبارة عن مؤسسات عديمة الربح دائماً ، وكانت الهيئات الدينية التي تدعى الأوقاف تدعم جميع المستشفيات ، وكانت بعض هذه الأوقاف تكفي تماماً لدعم جميع النفقات بما في ذلك الطعام والكساء والوقود والعقاقير بالإضافة إلى رواتب الموظفين .
ومن الواضح أن المستشفيات كانت تمول جيداً ، لأن العديد منها كان يقدم خدماته مجاناً ، حتى كان بعضها يتبرع بالمال للمرضى الفقراء عندما كانوا
يغادرون المستشفى .
كانت الإدارة الفعلية للمستشفى تشبه إدارة المؤسسات العامة الأخرى في ذلك الوقت كالمساجد والمحاكم والمدارس ، وكان الحاكم يعين بنفسه المدير من بين الأمراء والأشراف أو الضباط العسكريين ، وكانت الاحتفالات تقام علناً في الغالب، فكان موظفو الحكومة الكبار يصطحبون المدير إلى المستشفى في عرض رسمي وموكب بهيّ وهم يعتلون الخيول ويرتدون جميعاً أثواباً طويلة ،و كان المدير قريباً من الحاكم ، ويحظى بالمكانة نفسها التي حظي بها الوزراء البارزون ، كما كان بالإضافة إلى مسؤوليته عن جميع الأمور والقضايا الإدارية مسؤولاً عن كل ما يتعلق بالمستشفى ومستلزماته من مؤن وأراض وأدوية وخدم وعمال ، وفي بعض الأوقات كان يدير الأوقاف ،و لكن مسؤوليات المدير لم تكن تشمل أياً من الأعمال الطبية التي كان يتولى أمرها الطبيب الرئيس ، أو العميد الذي كان يساعده طبيب عيون رئيس وجراح رئيس .

موظفو المستشفى :
وبالإضافة إلى المدير ورئيس الأطباء ، كانت هيئة موظفي المستشفى تتضمن بشكل عام طبيباً مقيماً وصيدلانياً وصيدلانية وممرضات وأمينة الصندوق ، والأطباء الذين يتم انتقاؤهم على أساس مؤهلاتهم ، ومن خلال عملية استقصاء يعملون وقتاً كاملاً في المستشفى صباحاً وبعد الظهر ، وكانت المناوبات الليلية على أساس دوار ( دوري) . أما الرواتب التي كان الأطباء يتقاضونها فتختلف ، إذ كان أطباء المستشفى يقبضون راتباً ثابتاً ، في حين يتقاضى أولئك الذين يشغلون منصبين واحداً في المستشفى والآخر في البلاط راتباً مضاعفاً ، مع ما كانوا يحظون به من احترام كبير من قبل الملوك والخلفاء والأمراء ، إضافة إلى المكافآت المالية والعطايا الخاصة ،و بكل تأكيد فقد كان بعض الأطباء يجمعون ثروة كبيرة .
وكانت الخدمة التمريضية جزءاً لا يتجزأ من كل مستشفى ، وكانت نسبة الممرضات إلى المرضى مُرضيَة إذا ما قيست بمقاييس اليوم ، فعلى سبيل المثال ، كان مستشفى القاهرة في أحد الأوقات لديه ممرضتان لكل مريض ، وكان واجب الممرضات يشمل تغيير ملابس المرضى بعد الاستحمامات الصباحية ، وأخذ المرضى الناقهين في نزهات إلى حدائق المستشفى ، وعلى العموم فقد كانت العناية بالمرضى جيدة ، وكان الحاكم في بعض الأحيان يقوم بنفسه بتفتيش المستشفى وتفقده من أجل مراقبة نوعية الخدمات وجودتها .

العلاج :
كان العلاج الطبي المستمد من الإجراءات التي طورها الطب العربي يتألف من معالجة بوساطة التمارين والاستحمامات ، وقد لعبت الحمية دوراً مهماً في عملية المداواة ، ولم تكن الأدوية تقدم عندما تستخدم علاجات بسيطة مثل الأعشاب وخلاصاتها والعديد من الأملاح العضوية ، وكانت العقاقير تركب فقط في الحالات الشديدة ، ولم تكن الجراحة تجرى إلا عندما تكون العقاقير غير مجدية ، وقد تطور كثيراً استخدام الموسيقى في العلاج ،بالإضافة إلى رواية القصص والرقص وأنواع من أمور التسلية والإمتاع ، إذ كانت الفرق الموسيقية تسلي المرضى بتقديم الأغاني وعزف الموسيقى وهذا ما برز بشكل خاص في القرن الخامس عشر .

 
صيدلية المستشفى :
من أجل الأغراض الطبية جميعها ، كان العرب مؤسسي علم الصيدلة ، وكانوا أول من كتب دستور الأدوية ، ونتيجة لذلك فإنه لا عجب أن جميع المستشفيات في العالم العربي كان فيها صيدليات .
وكان على الصيادلة أن يكونوا أكفاء بارعين ومجازين ، وكانوا يخضعون لاختبار من قبل المفتش العام ، وكان هناك إلى جانب صيدليات المستشفى مخابر من أجل تصنيع المعاجين والشرابات والأدوية الأخرى اللازمة غالباً ، وكذلك كانت الصيدلية مخزّنة بجميع أنواع العقاقير ومكوناتها وأدوات تحضيرها ، إضافة إلى الزهريات والأطباق والقدور والأباريق والجرار الفاخرة التي كانت كلها ذات قيمة وجمال عظيمين ، ولم تكن مثل هذه الأواني موجودة إلا في قصر الخليفة أو السلطان، وهي الآن تعرض في المتاحف .

المدارس الطبية :
كانت هناك مدارس طبية تابعة للمستشفيات الكبيرة بالرغم من وجود مدارس طبية مستقلة ، وكان الطلاب يدرسون في قاعات خاصة في المستشفى ، حيث لم يكونوا فقط يراجعون دروسهم ، بل كانوا أيضاًَ ينسخون المخطوطات الطبية أو يستعينون بها ، غالباً ما كانوا يراقبون الطبيب وهو يفحص ويعالج مرضاه ، وإن من عادة الأطباء أن يقوموا بجولات يجتمع الطلاب بعدها حول الطبيب لمناقشة الحالات الصعبة ، أو الاستماع لعدة أطباء ، في أثناء مناقشتهم لحالات
وعلاجات مختلفة .
كان النظام الطبي بعامة غنياً بعدد كبير من الترجمات عن أعمال الشعوب الأخرى ، وكان أبرزها أعمال الإغريق والهنود ، وعندما أصبحت المستشفيات العربية مراكز للعلم وفن المداواة والعلاج ، قدمت خدمات جلى ، وسعى أطباؤها إلى إنقاذ الحياة ، وتوسيع ونقل خبرتهم ومعرفتهم الطبية إلى أوربا خلال العصور الوسطى وعصر النهضة ، وقد شكلت الإسهامات الطبية جزءاً مهماً من الأساس الذي نشأ منه الطب الغربي في عصر النهضة .
كان أبو المجد بن أبي الحكم طبيباً مشهوراً في القرن الثاني عشر ، كان مسؤولاً عن مستشفى النوري ، كان يقوم بجولات يومية كل يوم مع طبيب آخر ، و معهما هيئة التمريض في المستشفى ، وبعد الجولات يناقشون الحالات ، كان أبو المجد يطرح الأسئلة يومياً لمدة ثلاث ساعات تقريباً ، و يجري بحثاً في مكتبة المستشفى .
ـ علي بن عباس المجوسي  ، في كتابه الشهير ( كامل  الصناعة الطبية ) المترجم إلى اللاتينية ، ربما يقدم الوصف الأمثل لما كان ينتظر و يتوقع من طلاب الطب إذ يقول :  ( ينبغي على طلاب الطب أن يحضروا دائماً إلى المستشفى ، وأن يولوا اهتماماً خاصاً لحالة و ظروف المريض عندما يقومون بجولات مع أساتذتهم الحاذقين أصحاب الخبرة . عليهم أن يستفهموا كثيراً و بحرص عن الحالة الصحية للمرضى و عن أعراضهم واضعين نصب أعينهم كل ما قرؤوه عن حالاتهم وتشخيصاتهم . وعندئذ يلزم من يرغب في أن يصبح طبيباً حاذقاً أن يتبع عن كثب هذه الوصايا و أن ينفذها ، وأن يكوّن شخصيته ، و يعيش وفقاً للمبادئ المذكورة هنا . وإذا ما فعل ذلك فسوف ينجح في علاج المرضى و ينال إقبال الناس نحوه و احترامهم له والله أعلم  )  .
وقبل منحهم الإجازة لممارسة الطب على مسؤوليتهم ، كان الأطباء الطب يخضعون لامتحانات صارمة . وفي بغداد شدد الخليفة المقتدي في نظام منح الأطباء الأجازات عام 931 م عندما سمع أن خطأ أحد الأطباء أدى إلى وفاة مريض . كانت استجابة الخليفة لهذا النبأ بأن أعطى أوامر بمنع كل الأطباء الذين لم يكونوا قد انتخبوا من قبل رئيس الأطباء سنان بن ثابت من حران من ممارسة الطب . وقريباً من عام 900م كان الأطباء الممارسون لمهنتهم يخضعون لامتحان قبل السماح لهم باستئناف عملهم . وهكذا أدخلت طريقة منح الطبيب الإجازة بعد اجتيازه بنجاح امتحاناً يقوم به أساتذة أكفاء ، وفي حوالي عام 1140 م كان هذا النظام قد وجد طريقة إلى مدرسة سالرنو حيث أسست أول مرة في أوربة تلبية لطلب الملك النورماندي  ( روجر ) . و كان الأطباء يسمح لهم فقط بممارسة ذلك القسم من الطب الذي تم تدريبهم عليه . و لكي ينجحوا كان عليهم أن يقدموا أطروحة في القسم الذي يفضلونه ، وكانت معظم الأطروحات تعتمد على كتابات أطباء إغريق أو معاصرين بارزين ، و المقطع التالي من شهادة خاصة في الجراحة تعطي فكرة عن كيفية الموافقة على تخصص الطب :
{لقد اطلعت على الأطروحة المهمة المقدمة ، وبعد سؤال الله الهداية سأفوضه (الطبيب) بممارسة ما قد أتقنه وبرع فيه من فن الجراحة كي يكون ناجحاً و موفقاً في عمله . و بناء على ذلك يمكنه أن يعالج الجروح حتى تشفى ، وأن يفصد الأوردة، و أن يقطع الشرايين ، وأن يقتلع الأسنان ، وأن يخيط الجروح ، و يختن الأطفال الرضع  ....وعلى أية حال عليه أن يستشير رؤساءه و أساتذته القديرين وذوي الخبرة الواسعة } .

المكتبات :
كانت المكتبات التي يشبه بعضها المكتبات الوطنية في الدول الصناعية الحديثة، تشكل جزءاً جوهرياً من العالم العربي . فكانت مكتبة طرابلس التي أحرقت في أثناء الحروب الصليبية تحتوي ثلاثة ملايين كتاباً ، وكان يوجد في المكتبة الفاطمية في مصر مليون مجلداً ، وفي القرن التاسع كانت مكتبة (كوردوما) في الأندلس تحتوي على  600 ألف مجلد كانت فهارسها فقط تتضمن أربعين  مجلداً ، وكانت المكتبة المنتصرية في بغداد تحتوي 80 ألف مجلداً ، و لكنه ليس واضحاً فيما إذا كانت هذه الأعداد تمثل مجلدات أم أعمالاً ، إذ كان الكثير منها يرتبط معاً في مجلد واحد نظراً لأنه كان أمراً مألوفاً آنئذ أن ترتبط عدة أبحاث غير متحدة في موضوعها . ويروي أن مكتبات بغداد كانت تحتوي كتباً كثيرة جداً في زمن الغزو المغولي عام 1258 م حتى أن الغزاة استخدموها بكل بساطة لبناء جسر عبر نهر دجلة .. هذه القصة حتى ولو لم يكن يؤيدها دليل قوي ، تعطينا فكرة عن الأعداد الهائلة من الكتب التي يعتقد أنها كانت موجودة في المكتبات . كانت مكتبات المستشفيات تحتوي الأعمال الطبية من ثقافات عديدة بما فيها العربية و الإغريقية و الفارسية و السريانية والهندية. وقد ازدادت ازديادا خاصاً و مؤثراً . إن أهمية المكتبات كانت بالغة ، حتى أنه يقال إن أحد الأطباء استخدم عدداً من الكتبة استخداماً دائماً لنسخ الكتب من
أجل مكتبته .

الخلاصة :
كان لدى العرب نظام طبي شامل و متقن قائم على المعرفة و العدل و الرأفة و النـزعة لعمل الخير . وكان التخصص متقدماً و منظماً وفقاً لمبدأ تقسيم الأعمال . وقد أكد التعليم الطبي على الخبرة السريرية والممارسة العملية . وعلاوة على ذلك فقد كان يقوم بالإشراف على نظام الامتحانات و منح الأجازات أطباء أكفاء قديرون ذوو خبرة . وكانت جميع هذه المداخل و الطرق إلى العناية تشبه تلك التي تستخدم في البلدان المتقدمة اليوم . كان النظام الطبي بعامة غنياً بعدد كبير من الترجمات عن أعمال الشعوب الأخرى وكان أبرزها أعمال الإغريق و الهنود  . وعندما أصبحت المستشفيات العربية مراكز للعلم و فن المداواة و العلاج ، قدمت خدمات جلى وسعى أطباؤها إلى إنقاذ الحياة ، وتوسيع ونقل خبرتهم ومعرفتهم الطبية إلى أوربا خلال العصور الوسطى وعصر النهضة . وقد شكلت الإسهامات الطبية جزءاً من الأساس الذي نشأ منه الطب الغربي في عصر النهضة  .
 
الفهرس

ـ الإهداء .......................................................... 3
ـ لمحة عن الدكتور الشققي ..................................... 4
ـ بين يدي الكتاب ................................................ 6
ـ مشكلة العقم ..................................................... 12
ـ العقم ودور الطبيب العام ...................................... 17
ـ على طريق الصحة الإنجابية ................................. 24
ـ حكاية من عيادتي .............................................. 36
ـ كيف تنجو الأم من مضاعفات الحمل ........................ 42
ـ التدخين عند النساء الحوامل .................................. 49
ـ الأم الحامل والأسنان .......................................... 58
ـ الإجهاض ، مشكلة وواقع ينذر بالخطر ..................... 65
ـ عناية الكنغر .................................................... 74
ـ كيف يعامل الرجل زوجته في سن اليأس .................... 86
ـ الاستنساخ ، واقع أم خيال ..................................... 96
ـ هل نستطيع استنساخ البشر ................................... 108
ـ الأدوية والأغذية ............................................... 130
ـ بعيداً عن الكيماويات ........................................... 145
ـ الكشف المبكر عن الأورام الخبيثة ........................... 152
ـ دور العرب في تقدم العلوم .................................... 160
ـ العصر الذهبي للطب العربي ................................. 170
ـ المستشفيات العربية في التاريخ ............................... 188