الصفحة الرئيسية اتصل بنا English
 

كان يستعد للخروج من المخزن الكبير وهو ينظر إلى....
ساعته متلهفا وفي داخله أشياء تثب من الفرحة الغامضة
المصحوبة بالوجل. دعاه رئيسه من أجل أن يساعده في
حمل صناديق وصلت لتوها على منصة استقبال البضائع،
تردد هنيهة ثم نظر إلى الصناديق فرآها قليلة، حملها معه
بسرعة وحيوية رغم تعبه في اللحظات الأخيرة من عمله
ذلك اليوم، ثم ركض باتجاه الباب الخلفي وتوجه نحو
.. الأبواب الأمامية للسوق


6 . 5 . 4 . 3 . 2 . 1

 

 

 

 

 

الجو مغبر مائل إلى الحمرة، والليل على وشك اللقاء بالنهار الزاحف إلى الفناء. لم تكن تينا كاربنتر قد خرجت. كان خائفا من أن تخذله بأن تصطنع الأعذار ولايعرف كيف يرد عليها. أجاب نفسه: لا أظن ذلك فعندها من الحرية والجرأة بما فيه الكفاية في أن تبوح عما في نفسها وقد قالت نعم فلماذا التردد والخوف. نظر حوله ثم اتجه إلى سيارته. استقلها وأتى بها نحو الأبواب الرئيسية. رأى تينا خارجة وهي تتلفت حولها فأطلق منبه السيارة. ألقت بنظرها نحوه وتبسمت ثم سارت باتجاهه وفي يدها محفظة صغيرة وفي اليد الأخرى قطعة ملابس حمراء داكنة تلبسها أثناء العمل. بدت له وكأن فتنة كل بنات حواء قد اجتمعت في نظرتها الهادئة الثاقبة ومشيتها الدؤوب. انتعشت روحه قليلا ونظر في المرآة أمامه إلى شعره ووجهه ليطمئن على جاهزيته. ركبت معه وذهبا إلى مطعم قريب. أكلا وتحدثا، طغى العمل وشؤونه على معظم الحديث، ثم عاد بها إلى مكان العمل حيث استقلت سيارتها وغابت عن الأنظار في زحام تلك الأمسية الحمراء..

.. لم يرجع إلى المنزل، بقي يقود سيارته في شوارع حي هوليوود شاعرا بالارتياح فقد تخطى تلك المرحلة الأولى التي أرقته لأسابيع حين حسب نفسه أنه لن يفعلها وكاد أن يتملكه اليقين بأنها لن تستجيب له..

انسل ليل جديد إلى الوجود، وشارف الوقت على السابعة والنصف عندما قرر أن يعود إلى منزله. دخل إلى المنزل وقد بدا عليه التعب والإرهاق. حيا زوجته ببرودة ثم قال:

- العمل في هذه الحياة لاينتهي.

كانت زوجته في طريقها لإلقاء اللوم عليه بسبب التأخير، ولكنها قالت:

- كنت قلقة عليك، ألم تستطع مكالمتي بالهاتف؟

- كنا مشغولين جدا في المستودع فقد تأخر مجيء شحنة الفواكه اليوم واضطررت إلى البقاء حتى انتهى تفريغها، سأطالب بأجر إضافي.

- الطعام جاهز وقد قمت بتسخينه ثلاث مرات. أسرعت في تحضيره كي لا تتهمني بالكسل كعادتك.

- أنا لاأتهمك بالكسل ياحبيبتي ولكن أحيانا أكون جائعا جدا وأشعر أنك لاتقدرين ذلك.

- أنا أيضا أعود إلى المنزل في الخامسة والنصف، ونصف ساعة أوساعة لاتكفي كي أطبخ لك ملوخية بالأرانب.

- أنا شاكر لك اهتمامك المفاجئ. لنأكل!

- كلامك أصبح ملغوما بأشياء لاأفهمها.

- ها..ها.. لاأعني ذلك أبدا.

- كل وأنت ساكت ومن دون فلسفة.

. . . . . . . . . .

انتهيا من الطعام. لم يأكل طارق كعادته في الأكل، اكتفى بالقليل من الطعام. حسبت هيلين زوجته أن الأكل لم يعجبه، فسكتت. ذهب إلى غرفة النوم وتمدد على السرير ثم راح في إغفاءة. دارت في عقلها أفكار كثيرة فهو لم يتكرم عليها بلمسة أو كلمة حلوة. انزعجت وقلقت ثم حاولت أن تعذره فقد ظهر عليه الإعياء حقا. فرغت من غسل الأطباق واستلقت إلى جانبه، ذهب تفكيرها إلى تلك الأحلام التي بنتها معه عن الحياة والانطلاق نحو مستقبل متوج بالنجاح الباهر في ظل الحب الكبير والعاطفة الزاخرة التي جمعت بينهما. بعد نصف ساعة أيقظته من النوم:

- كفاك نوما ستصاب بالأرق ليلا.

امتعض ، قال وهو يدس رأسه تحت الوسادة:

- كم الساعة؟

- الثامنة والنصف. استيقظ وإلا صببت عليك ماء.

- أتحداك إن كنت تجرؤين!

....

لقد اعتاد طارق مؤخرا على النوم ساعة أو ساعتين بعد قدومه من العمل ثم يصحو ليبقى في صحو حتى الثالثة صباحا ثم ينام ويصحو ليذهب إلى عمله في الصباح مترنحا كسولا. لم يرق ذلك لهيلين فهي لاتنام بعد قدومها من العمل ثم تذهب للنوم حوالي الحادية عشرة أو الثانية عشرة وطارق إما في الخارج مع أصدقائه أو يشاهد التلفزيون في الحجرة المجاورة. أنبته كثيرا على عادته تلك وأخبرته أن أيام الجامعة قد مضت وعنده الآن مسؤولية.. الحياة والمعاش.

...استيقظ طارق تلك الأمسية ثم ترك هيلين في المنزل وذهب لزيارة صديقه سعيد المولوي..

.. انحدر في شارع ويسترن بالقرب من شارع هوليوود، المحلات التجارية والسيارات والأضواء في كل مكان، لم يجلب شيء انتباهه وهو يفكر بأمر زوجته.. بل يفكر بحياته معها، بعد سبعة دقائق كان يصعد السلالم الحديدية المؤدية إلى ممر طويل وضيق يطل على موقف للسيارات، مشى فيه إلى شقة سعيد.. كان سعيد يرتب أشرطة الفيديو التي قام بتسجيلها خلال الأيام القليلة الماضية فقد كان يستأجر الأشرطة من المحلات العربية في المنطقة ويقوم بتسجيلها ويؤجرها بدوره إلى أصدقائه بعد مشاهدتها. تحادث طارق وسعيد عن شركة سعيد التجارية(آر إس إتش إنترناشيونال) التي حصل على ترخيص لها من مكتب تابع للولاية مقابل رسوم قدرها مئتان من الدولارات، أعرب سعيد عن تفاؤله من الأجواء التي قال عنها إنه سيوسع أعماله لتشمل التجارة مع بلاد الشرق الأوسط وسيحاول جلب السياح العرب إلى منطقة لوس آنجلس، وقد اتفق مع مكتب روزي تريبتس للسياحة والسفر الذي يملكه أحد معارفه على العمل سوية. لم يكن سعيد تاجرا حقا فقد تعدى على هذه المهنة تعديا فاضحا لأنه لم يستطع الحصول على أي صفقة أو ربح خلال سنة من تجربته مع التجارة. رغم جهاز الفاكس والكمبيوتر الشخصي في منزله - وهو مقر شركته الهزيلة - إلا أنه فشل تمام الفشل. كانت له نوايا غير سليمة، اعتبرها هو صحيحة وحسب أنها ستدر عليه أرباحا كثيرة. كان يرسل الفاكسات إلى شركات أخرى ويضع أسماء أمريكية مختلفة على الرسائل ثم يوقعها لغايات لم يعرفها أحد سواه. خرج الحديث بين طارق وسعيد عن التجارة حين قال طارق:

- أتذكر تلك المرأة تينا التي أخبرتك عنها.. وافقت على الخروج معي في موعد فذهبنا بعد العمل وتناولنا طعام العشاء في مطعم. بدت وكأنها في العشرينات مع أن عمرها أربعون سنة. اكتشفت اليوم أن لديها ولدين اثنين ولا رجل عندها الآن.

- كنت أحسبك مازحا. هل هذا يعني أن لا أمل في هيلين؟

- لا ليس ذلك فمازلت أنجذب إلى هيلين. وهل يذهب الحب والتضحية هباء!

- ماهذا الهراء! كيف حللت هذه المعادلة؟

- أشعر بأنني أحب أن أغير وأبدل فلقد مللت من النقاش مع هيلين التي لاتتكلم إلا عندما يروق لها الموضوع أما مواضيعي واهتماماتي فلم تعد تهمها. أشعر أنني أبتعد عنها وكأنها تنزلق بعيدا من بين يدي إلى هاوية سحيقة.

لم يعجب سعيد بكلام طارق فأبدى ذلك حين قال:

- أنت تلعب بالنار وستحرق نفسك. أنت تدعوني لحل بعض الخلافات بينكما وفي الوقت نفسه تحاول أن تجني على علاقتكما في نزوة طائشة. لاعلاقة لي بكما بعد اليوم يا أخي... أنت مخطئ إذا شعرت أن التجديد يكون في تغيير الجلد دائما، فقد يكون التجديد في تغيير الثوب والمظاهر أفضل وأقل ضررا. هيلين ليس لها غيرك في هذه البلاد وأنت كذلك يجب ألا يكون لك غيرها، عليك تقدير النعمة التي أنت فيها.. الآخرون يحسدونك على استقرارك وأنت جاحد.

- من يسمعك يقول إنك ملاك الرحمة، هل نسيت أنك تزوجت مرتين وها أنت وحيد الآن تتغذى على الأوهام واللعب الفارغ.

- كانتا أمريكيتين، وأنت تعرف أن الأولى هي صفقة للحصول على الجنسية والأخرى حب خادع وقتي لم يكتب له الاستمرار. أما أنت فقد تزوجت مصرية عن حب ورضى وضحيت بالكثير من أجل هذه العلاقة. وإن خسرتها الآن فتكون قد خسرت شيئين، أهلك الذين تركتهم أصلا من أجلها وحبك الذي عانيت الكثير من أجل الحصول عليه والتمسك به.

- آه.. لقد وصلت إلى حد الهوس من أجلها وكنت في حالة عجيبة وعنيدة من التعلق بها وكان هناك شعاع قوي ينبعث منها ليستقر في قلبي ويهزه في عنفوان، أما الآن وبعد مضي ثلاث سنوات من الحب العذري ثم خمس سنوات من الزواج المثالي فإنني أشبه علاقتي معها كقلعة من رمل على شاطئ وديع ثم هب إعصار وأخذ ينحت أطراف تلك القلعة من الأسفل، أشعر أن هذا الشعاع، شعاع الحب يخبو وينحسر رويدا رويدا والحياة تسحبه مني غصبا ولا أقدر على استرداده.

- في رأيي الشعاع مازال ينبعث منها قويا ولكنك أنت الذي لم تعد تستقبله بصدرك الذي ضاق بالحياة، عليك استعادته بنفسك ومن نفسك.

- ياأخي أريدها أن تتكلم عندما نكون معا في المنزل أو خارج المنزل. لاتتكلم إلا في أشياء ترغبها وعندما يأتي حديث لاترغب الخوض فيه تصمت وأكون أنا المتكلم الوحيد. لم تكن كذلك. كان لنا اهتمامات مشتركة أما الآن فإنني أشعر أن اهتماماتنا تتعارض من خلف الستار ومن دون مواجهة ظاهرة إلا في بعض الأحيان... المهم ألا ينطفئ الشعاع دون رجعة.

- أراك تتمناه أن يعود ثم تضع الحواجز في طريق عودته، أنت أحيانا متعجرف ومتكبر دون مبرر. هذا رأيي. لاتخذل نفسك وتداوي قضيتك بعلاقة أخرى غير صحيحة. ماتعرفه عن تينا في جلسة واحدة معها أن لديها طفلين لاشأن لك بهما، تصور ماذا ستعرف عنها أكثر بعد أن تصادقها، هذا إن وافقت عليك من أجلك أنت.

- إنني مصمم على اكتشاف المزيد عنها ففيها شيء بل أشياء تشدني وتجذبني إليها.

- بل فيك شيء ينجذب إليها، وهو الخيبة وخراب البيت!

- أنت لاتدري، أكاد أنهار كل يوم عدة مرات حين لاأرى سببا لحياتي واستمرارها، فأولا لاأحب المكان الذي أعمل فيه حيث لاتحسين ولاتطوير، وثانيا ليس لقلبي أواصل تدعمه أو يقوم بسببها فهو يهفو ويهفو وأشعر بأنني سأنتهي. وما زاد الطين بلة أن هيلين لاتستجيب لنداءاتي من أجل إنجاب الأطفال مع أنني حاولت معها كثيرا. الحب ينتهي إذا انقطعت أسبابه ومقوماته وأهدافه، ولاأرى سببا في الاستمرار معها وبخاصة أظن أنها تستطيع الإنجاب، لاتفسير عندي لما أصابها. عندما كنا في مرحلة الخطوبة في جامعة عين شمس وقبل التخرج وقد تخلى عنها أهلها وتخلى عني أهلي كانت تتكلم عن الزواج والحب والأطفال ومنزل المستقبل بعيدا عن عيون الناس والأحياء، وماإن تزوجنا حتى تبدل حالها وتغيرت أفكارها من ناحية الأطفال، وافقتها عندئذ فلم نكن قد حصلنا على الاستقرار بعد، حصلت هي على وظيفة تدريس اللغة الإنكليزية في معهد للمبتدئين، وبقيت أنا أصارع في الحصول على عمل متعثرا بأصغر الأحجار أمامي. مضت ثلاث سنوات على هذه الحال ولم نشعر بالاستقرار الفعلي، ولكن الحب العظيم استمر في نموه وكنا نقتات منه في استمرار الحياة وحبها حتى شعرت بأن القطار يمكن أن يفوتنا فقررت الكلام بجدية عن الإنجاب ولو طفل أو طفلة. استمرت في عنادها وبقيت تؤجل هذا الأمر ثم تؤجله. فرغ صبري رغم حبي لها، وهي التي أعترف أنها بعثت في نفسي وروحي حب الحياة يوما ما.

كانت هيلين نائمة عندما رجع طارق إلى المنزل حوالي الثانية صباحا. خلع ثيابه المتشبعة بدخان النرجيلة ولبس ثياب النوم ثم أكمل سهرته يشاهد التلفزيون دون وعي لما فيه حتى نام من التعب...

2

ذهبت هيلين لتناول الغداء مع صباح في مطعم قريب من مكتب (روزي تريبس للسياحة والسفر). أتت صباح إلى المكتب كعادتها حوالي العاشرة أو الحادية عشرة قبل الظهر، فأخوها سهيل هو صاحب المكتب، كانت تأتي للعمل قليلا وتنظيم بعض الأوراق وللتسلية وقضاء الوقت، بالإضافة إلى دراستها في الآداب قسم اجتماع بالانتساب في جامعة نورثردج. كانت صديقة لهيلين التي تعمل في مكتب روزي تريبس بشكل نظامي من التاسعة إلى الخامسة. كانت صباح تحب هيلين وتقدرها، كانت تلمح لها أحيانا أن أخاها أحق بها من زوجها الحالي وأنه يرغب في التقرب منها ولكنه يعلم أنها متزوجة. كانت صباح تقرر في نفسها أن زواج هيلين من طارق لن يستمر لأنها رأت بينهما فرقا شاسعا من نواحي متعددة في المبادئ والتطلعات والطبقة الاجتماعية. كانت هيلين تخبرها عن سعادتها مع طارق كي تسكتها وتغير معها الموضوع. أثناء الغداء قالت صباح:

- سأثبت حجزي إلى مصر في الأسبوع القادم.. لقد أرسلت أجوبة آخر امتحان من السنة الثالثة في مادة العادات الاجتماعية والتجمعات البشرية في الصين وتايوان في القرون الوسطى.. كم أنا سعيدة.. سأبقى في مصر لمدة شهر.. إذا أردت إرسال أي شيء أو رسالة إلى أهلك.

- لا.. شكرا.

- هل مازلت منقطعة عن أهلك؟

- هم الذين أرادوا ذلك.

- معهم حق!

تضايقت هيلين قليلا وبدت إمارات القلق على وجهها حين أردفت وبسرعة:

- لا.. أرجوك ياصباح.. هذه أمور تخصني وحدي.

- لم يكن قصدي أن أعيدك إلى ذكريات مريرة.

- بل على العكس إنها جميلة ومثيرة وأنا راضية بها.

- أصدقيني القول.. هل ترغبين في الاستمرار معه؟

- صباح أنت تتكلمين وكأنني أشكو وأتذمر من حياتي لك كل يوم، وهل أنا بائسة يائسة في رأيك؟ أنا بخير وعلى مايرام. لا أفهم معنى كلامك بتاتا مثل طارق تماما.

- هل رأيت.. هذا يعني أنكما على غير مايرام!

- أرجوك إنك تسببين لي الإحراج كثيرا.

- بل أحبك وأخاف عليك.. أرى أن جمالك وشبابك يذهبان هدرا ومازالت أمامك فرصة جيدة.

- عدنا للألغاز!

- أنت سيدة العارفين والعارفات.. هذا أخي شاب وسيم وغني وذو سمعة طيبة ولكنه خجول جدا وأنا واثقة كل الثقة أنه يريد فتح موضوع خاص معك لولا خجله الزائد واحترامه لك ولمشاعرك. ألا ترين كم هو مؤدب وواقعي؟!

- عدنا للموضوع نفسه.. قلت لك أنني لا أرى به شائبة وأتمنى له أن يهنأ في حياته وعمله.. لكنك تعلمين أكثر من غيرك أنني متزوجة وقانعة بما أنا فيه وحديثك هذا لا معنى له.. أراك تعتقدين أن أمر التخلي عن زوج للارتباط برجل آخر قضية سهلة جدا وعادية كمن يريد أن يختار المطعم الذي يريد أن يتناول طعامه فيه! لا ألومك فأنت لم تجربي الزواج في حياتك.

- المهم فكري في الموضوع. أما أنا فموضوعي شائك وأحتاج إلى بصارة من النوع الممتاز.

هزت هيلين رأسها وقد ضاقت ذرعا بحديث صباح التي لاتمل من هذا الحديث. لقد كانت تحب صباحا وترغب في مصاحبتها لكن الموضوع زاد عن حده. قالت:

- الموضوع منتهي من أصله. أرجوك لاتحرجيني مرة أخرى...

جلست هيلين مع نفسها تلك الأمسية. أعادت إلى مخيلتها الحديث الذي دار مع صباح عند الظهيرة. ثم حاولت طرده بعيدا ولكنه عاد من جديد وتصيدها وعلىالأخص أن زوجها غائب عن المنزل. هي تعلم أن علاقتها مع طارق ليست مثلما كانت عليه من قبل إلا أنها أيقنت أنها مرحلة عصيبة سوف تمر وتنتهي لأن حبهما كان أقوى من أن تفككه مشكلات الحياة التافهة واختلاف في وجهات النظر. كانت تدري أن طارق لايحب عمله ويرغب في عمل آخر ذي مزايا تليق بمستواه كحامل لشهادة جامعية ولكن لم يكن الحل في يدها بل في يده.

كانت صباح تأتي لزيارة هيلين أحيانا في منزلها فكانتا إما تجلسان للحديث واحتساء القهوة أو تخرجان إلى السوق أو إلى أي مكان عام. لم يكن لهيلين صديقات سوى صباح التي كثرت زياراتها لهيلين مؤخرا عندما رأت أن هيلين تمضي أوقاتا كثيرة بمفردها. كان في نفس صباح غايات شتى صرحت بواحدة منها عندما تكلمت عن أخيها ورغبته في الاقتراب من هيلين.

سافرت صباح لقضاء فترة من الصيف في مصر... ارتاحت هيلين من تعليقاتها مع أنها تكن لها حبا..

... بعد انتهاء الدوام كان سهيل خارجا من مكتبه عندما التقى بهيلين عند الباب وقد عادت للمكتب لأخذ مفاتيحها فقد نسيتهم على مكتبها. بدا سهيل وسيما بقامته الطويلة ووجهه البشوش وثيابه الجديدة المنسقة، وبدت هي جميلة في شعرها البني المذهب المتدلي على كتفيها وجزء من ظهرها ووجهها ساكن بهدوء حذر جذاب يبعث على الطمأنينة. ألقى التحية عليها وتحادثا قليلا ثم قال:

- أرغب التحدث معك على انفراد.

لم تظهر أي ممانعة فهو رب العمل وصاحب المكتب الذي هي فيه. لكنها فوجئت حين أردف قائلا:

- أفضل أن يكون الحديث خارج المكتب في مكان عام، مارأيك؟... مع فنجان من القهوة أو عشاء.

ترددت وفكرت قليلا، تذكرت الحديث الذي دار بينها وبين أخته صباح حوله. فكرت ثانية فهي لاتمانع مثل هذه الدعوة وعلى الأخص من سهيل المؤدب صاحب العمل وشقيق صديقتها ولكنها اعتذرت بأنها على موعد مع طارق لأنها شعرت أن ذهابها معه متعلق بحديثها مع صباح عنه منذ عدة أسابيع. أظهر لها أنه تفهم الأمر وقال لها بأنه سيكلمها فيما بعد عن التعديلات الأخيرة في جداول الطيران التي وصلت نسخة منها إلى المكتب مؤخرا. ضحكت في قرارة نفسها من أدبه الزائد ثم أكملت طريقها..

.. في المنزل جهزت الطعام ثم حضر طارق، بدا متعبا ومرهقا، فأكل ونام. ذهبت أفكارها إلى سهيل وخافت من الأمر ثم أحجمت عن التفكير، ثم عادت إليه وكأنها أصبحت في دوامة. دخلت إلى غرفة النوم التي تمدد فيها طارق نائما كالعادة. لم يتحمل عقلها التغيرات الأخيرة أولا من ناحية طارق وثانيا من ناحية المكتب وأصحابه. قالت: لماذا جاء حديث صباح ثم محاولة سهيل التحدث معها في هذه الأوقات وكأنهما يعرفان تماما ماذا يدور بينها وبين طارق من مشاجرات واختلاف في الرأي. خرجت إلى الصالة وشرعت في كتابة رسالة إلى أختها في إيطاليا إلا أنها لم تحظ بكثير من التعابير المفهومة والقصص المثيرة فتركت الرسالة نصف مكتوبة وانحنت على طرف الأريكة في شرود وتفكير وعزلة.

صحا طارق من النوم وطلب فنجانا من القهوة يطرد به ماعلق في دماغه المشوش كما قال. لم يكن ينوي الخروج من المنزل من ذلك الصداع الذي أصابه. اقترحت هيلين أن يذهبا إلى إحدى صالات عرض الأفلام في منطقة فيرفاكس.

3

دخل سعيد إلى مكتب روزي تريبس وألقى التحية على هيلين فلاقته بحرارة وقلة كلام. كانت تحترمه وتكن له المحبة إلا أنها مؤخرا أخذت ترى فيه ذلك الإنسان الذي سلب منها زوجها فقد كان طارق يقضي معظم أوقاته عنده. لم تكرهه أو تحقد عليه وإنما أخذت موقفا متحفظا تجاهه. لم ينتبه إلى هذا الأمر. أمضى مايقرب من نصف ساعة عند سهيل وتكلم معه عن إمكانية التعامل معه وإخباره عن السياح العرب الذين يأتون إلى المنطقة ممن يرغبون بتوظيف دليل سياحي يريهم الأماكن المشهورة ويؤمن لهم سكنا ومتطلباتهم الأخرى. قبل سهيل بذلك وعبر عن سروره للتعامل معه وأخبره أن يتردد على المكتب بين وقت وآخر لاستطلاع الأمور. نادى سهيل مساعده ريمون التنوري وأعلمه بالأمر ثم طلب منه أن يتصل بسعيد إذا لزم ذلك. في طريقه للخروج تعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقد كره نظرة ريمون الحادة إليه وشعر أن الحسد ينقط منها في ركودها المحير الغريب حسب تعليمات جدته التي كانت توصيه أن يأخذ حذره من العين وسهامها وتؤمن بحماية الحجاب والتعاويذ من العين ومن السحر. أتى صوب هيلين وتحدث إليها وأخبرها عن نيته في العمل مع المكتب. أبدت هيلين إعجابها بالفكرة وبعد خروجه فكرت بأمره وتبسمت حين بدا لها أن سعيدا متأرجح في أعماله ومشاريعه فهو لايعرف كيف يمسكها ولاكيف ينتهي منها. تمنت أن يكون لزوجها طموحات مثل طموحات سعيد ولكن حظا أوفر من حظ سعيد...

وفي المساء تكلمت هيلين مع طارق عن زيارة سعيد للمكتب فضحك ملء فمه وقال:

- ظننته كان يخرف عندما تكلم عن التجارة بالسياح ولكنه يبدو جادا. سعيد هذا لايصلح أن يكون مرشدا سياحيا فهو لايعرف شيئا عن تاريخ هذه البلاد سوى مايعرفه عن موقع ديزني لاند وماجيك ماونتن، وهذا يجعل منه مرشدا سياحيا للأطفال على الأكثر.. هذا إن صح تقديري.

- لاندري يمكن أن يكون حظه في هذا أكثر من غيره، فهناك رجال أعمال عرب من مصريين وغيرهم يأتون إلى هذه المناطق لفترات طويلة ومعهم أسرهم ويرغبون أن يكون هناك مرشدون عرب كي يصحبوهم إلى مناطق السياحة والتسلية.

- سعيد متكلم ونشيط ولكني أعرف أن حظه سيء. المهم ماذا قال له سهيل؟

- وافقه طبعا فهو لايخسر شيئا بل على العكس يمكن أن يكون ذلك تشجيعا للسياح على التعامل مع المكتب، ويمكنه أن يحصل على عمولة من سعيد لتأمين الزبائن له.

- سعيد لايدري ماذا يفعل إنه يتخبط ويفتح على نفسه جبهات كثيرة تجلب له الحسد الذي يخاف منه، وعلى ماذا.. لاشيء. مايحتاج إليه هو التركيز في طريق معين وإلا خسر كل الجبهات.

- هو أدرى بمصلحته!

.. انتهى الزوجان من الطعام ثم استراحا في غرفة الجلوس. ذهب عقل طارق وتفكيره نحو تينا التي وعدته اليوم أنها ستذهب معه إلى لونغ بيتش في نزهة مسائية بعد غد. تركته هيلين سابحا في تفكيره الصامت ودخلت إلى غرفة النوم، خلعت ثيابها ولبست ثيابا مريحة شافة ثم عادت إلى غرفة الجلوس. نظر إليها وابتسم ابتسامة عريضة ثم قال:

- ماهذا الجمال، ولا القمر! أراك على غير عادتك تهتمين بمظهرك من أجلي.

- ومن قال لك إنه من أجلك.. إنه من أجلي أنا ولاعلاقة لك أنت فيه.

- وتقولين أن كلامي أصبح من الألغاز.. والآن لاأفهم قصدك على الإطلاق.

حدجته بنظرة قلقة ثم قالت:

- ليس المهم أن تفهم فهاهو السرير في انتظارك!

لم يعجبه الكلام ولكنه أخذه بصدر رحب هذه المرة. حدق فيها بعينين نصف مفتوحتين وقال باستهتار:

- لاأريد النوم فعندي من التفكير مايشغلني عن النوم.

- ما الأمر؟

- لاشيء.

- كيف ذلك وأنت تقول إن فكرك مشغول. من حقي أن أعرف مايشغلك.

- قلت لك لاشيء.. وإذا أردتك أن تقرئي أفكاري كنت أفصحت عنها بالكلام وحدي.

- أنت مشوش ومتعكر المزاج، لماذا تأتي إلى المنزل إذن؟!

- لا أبدا.. هاأنا أضحك وأتكلم كشخص طبيعي.

- هذا مايقلقني.. طبيعي!

- والله أمرك محير.. يعني إذا نمت بعد العمل أبديت انزعاجك وإذا لم أنم وقررت الجلوس معك أيضا أبديت انزعاجك.. ماذا تريدين مني أن أفعل حتى أحظى برضاك وإعجابك من جديد؟!

- عد كما كنت في الماضي، أشعر أنك تغيرت كثيرا ولم تعد طارق الذي كنت أجن من تأجج حبه وعاطفته الجريئة. أتساءل أحيانا إن كنت قد أحببتني أم أنك أحببت نفسك من خلالي؟!

- أنا أيضا لم أعد أطيق أمرك فلم تعودي هيلين التي عرفتها وأحببتها بجنون، تبدلت كثيرا حتى أنني أشعر أنك تنسحبين مني إلى واحد غيري...

جلست هيلين تلملم أطراف ردائها الشاف على الأريكة المقابلة بعيدا عنه وهي تفكر في احتمالية معرفة طارق بالحديث الذي دار بينها وبين صباح بشأن أخيها سهيل. قالت متعجرفة:

- لقد أصبحت جافا ومزاجيا، لم يعد كلامك مثل كلامك الحلو اللذيذ الذي كان يخرج بصدق وعفوية ولا تصرفاتك مثل تصرفاتك التي كانت تنم عن المحبة والاهتمام.

عدل من جلسته قليلا وقد أثاره كلامها فقال:

- كأنك تتكلمين بلسان حالي وتشرحين حالتي!

- هذا خطأ.. لقد كنت تلمسني وتقبلني عند عودتك من العمل وكنت تطري جمالي وتصفني بالأوصاف الحلوة. كنت تهتم بأقوالي وتصحبني إلى الأسواق والنزهات. كنت تسألني عن احتياجاتي وعن أحوال عملي وعن المصروف، و..و..

- أنت التي انطويت على نفسك وفضلت الجلوس في قوقعة مغلقة، لاتشاركيني همومي التي تزداد يوما بعد يوم. كنت تبتهجين لدخولي عليك وكنت تهتمين بآرائي. كنت تطلبين المداعبة والمزاح وكنت شعلة متوقدة من الجمال والحيوية. كنت الحب بعينه. لكنك بدأت بالانسحاب والابتعاد كمن أحس بالذنب العظيم تجاه نفسه فأحجم ونأى محاولا أن يعود من حيث أتى.

احتدت هيلين وامتعضت ثم قالت:

- للأسف أختلف معك في الرأي...

استدار وكأنه لم يعرها أي انتباه ثم خرج من المنزل باتجاه بيت سعيد بقصد طباعة رسالة إلى إحدى الشركات لطلب العمل فيها كمترجم. هكذا قال. أخبرته قبل خروجه أنها ستطبعها له في المكتب غدا ولكنه قرر أن يطبعها بنفسه عند سعيد. أغلقت الباب خلفه بقوة وعنف وقد انتابها غضب واستنفار فهاهو يعلن هروبه مرة أخرى دون الوصول إلى أرض الأمان. أشغلت تفكيرها به وبوقاحته التي أخذت بالازدياد ثم استمعت إلى أغنية أم كلثوم (ياظالمني) بعد أن كانت في الماضي تستمع مرارا إلى أغنية (أمل حياتي).

أشغل طارق نفسه بسعيد وأحاديثه المختلفة التي لاتنقطع وفي يده خرطوم النرجيلة، ثم رجع إلى المنزل بعد منتصف الليل وعقله مشغول بتينا وموعده معها بعد غد.

4

قرع الباب فخرجت تقول في لهجة المزاح: لقد تأخرت خمس دقائق. ضحك ثم أجاب: الشوارع مزدحمة بالسيارات. ركبا في سيارته واتجها إلى لونغ بيتش. أعجبته نفسيتها العالية وجاهزيتها على الرغم من أنها امرأة فقد كان له رأي فيهن أنهن لابد أن يتأخرن في الخروج من دون سبب أو لأسباب إجتماعية ونفسية. رأى أنه لاينقصها تصفيف الشعر ولا حمرة الشفاه ولاكحل العيون ولا تورد الوجنتين، ومع ذلك فقد كانت على أتم الاستعداد في الموعد المحدد. سكت قليلا وهو يحاول أثناء القيادة تأمل نظرتها الواثقة الهادئة فتهيج نفسه وتكاد أن تخرج مكنونها، ثم قال:

- كدت أتردد في قرع الباب مخافة ألا تكوني مستعدة.

قالت:

- الموعد هو الموعد، وأنت تعلم أننا من العمال المكافحين من أجل العيش والاستمرار ولانستطيع أن نخلف موعدا مهما كان تافها.

- مادخل هذا بذاك؟!

- الحياة تعلمنا أن الاحترام المتبادل وليد صدق المواعيد والعهود.

- ألا يمكن للحياة أن تمشي دون ضبط المواعيد؟

- لاأعتقد فالشمس لها مواعيد والقمر له مواعيد والزمان كله مواعيد.

- ولكن الحياة يمكن لها أن تسير من دون مواعيد إذا شاءت.

- أولا الحياة لاتشاء، وثانيا لو كان ممكنا فإنها تسير في طريق مغلوط يؤدي إلى عدم الانتظام، وبالطبع عدم الانتظام يؤدي إلى الامتزاج العشوائي ثم الهلاك.. انظر إلى النجوم لو لم يكن لها تنظيم وإبداع لسقطت علينا.

مرت إلى جانبها سيارة فخمة مسرعة سرعة جنونية ثم غابت عن الأنظار خلال لحظات. لفت ذلك انتباههما. هز طارق رأسه يمينا وشمالا وقال:

- هناك مجانين وحمقى كثيرون في هذه الحياة.

- زوجي السابق كان من هؤلاء الحمقى الذين يقودون سياراتهم بشكل هجومي وجنوني، لقد كان سببا في حادث مروع وكان معنا ابننا الأكبر ولكننا سلمنا وخسرنا السيارة ومات سائق السيارة المقابلة.

- هل ترينه هذه الأيام؟‍

- بالطبع فقد جاء هذا الصباح لأخذ الولدين من أجل قضاء يومي السبت والأحد معهما. وبخني شر توبيخ لأنه ظل ينتظرهما لمدة نصف ساعة ولكنني لم أسكت وأخبرته أنه يمكنه أن يعيدهما يوم الأحد مساء بعد الموعد المحدد بنصف ساعة فسكت وأخذهما بيديه ثم ذهب.

ضحك طارق في نفسه منها وهي التي تتكلم عن دقة المواعيد، وأجابها متسائلا:

- ألا يطلب العودة إليك وإلى الأولاد؟

- أحيانا ولكنني أرفض بشدة وصرامة لأنه أحمق، إنه يشرب أمامهما ويسكر ويدعهما في الغرفة الأخرى دون عناية أو انتباه. أنا مصرة أن أتكلم مع المحامي بهذا الشأن وأرغب في أن يصدر قرار في منعه أن يصطحب الأولاد معه إلى منزله كل أسبوعين.

- هذه مشكلة كبيرة، يمكن أن تؤدي به أن يؤذيهما. هل أنت مطلقة منه أم مازلت على عصمته؟

- طلقت منذ ثلاث سنوات وكان قد نجح في الحصول على الأولاد بشكل كامل فلم أكن أملك الأموال الكافية لتغطية مصاريف المحامي الذي اخترته، وتصور أن ذلك المحامي طلب مني أن أصبح له صديقة في منزله مقابل أن يقوم بالمرافعة اللازمة من أجل حصولي على الأولاد.

تعجب طارق من الأمر فالأولاد عندها وهذا يعني أنها قبلت بشروط المحامي وصادقته أي باعت نفسها من أجل الحصول على أولادها. قال:

- وكم استمرت علاقتك مع المحامي؟

نظرت إليه باستغراب شديد وقد تعجبت من استنتاجه الخاطئ ثم أجابت:

- أتظنني رخيصة‍‍‍! لم تكن لي علاقة معه فقد رفضت بالطبع وخسرت الأولاد وبكيت بكاء مرا وأمضيت الأيام والليالي كئيبة حزينة فقد منحني القانون حق الزيارة في منزله فقط وكان ذلك صعبا جدا، وبعد سنة من الزمان حصل شجار بينه وبين أحد أصدقائه في المنزل بعد أمسية حافلة من الشراب والعقاقيرحضرت الشرطة على أثره وألقي زوجي السابق في السجن لمدة وجيزة..

- حتما فضل القانون أن يكونا معك من أجل مصلحتهما.

- ليس بهذه السهولة، فقد دعمتني إحدى المحاميات من الخدمات الاجتماعية في الحصول على الولدين عن طريق دعوى قضائية أقامتها الخدمات الاجتماعية عليه، وبقي له حق الحصول عليهما مرة كل أسبوعين وذلك يومي السبت والأحد بالتناوب، بالإضافة إلى أنه وقع عليه عبء المصروف عليهما جزئيا.

.. تنفس طارق الصعداء، لاح البحر من بعيد، وهما يقتربان من لونغ بيتش. ركن سيارته ودخلا إلى مطعم رستي بيليكان المطل على ميناء للقوارب الشراعية، ومن بعيد إلى اليمين لاحت سفينة كوين ماري وهي جاثية بلا حراك، وقرص الشمس ينحدر ببطء إلى جهة اليمين تاركا في جهة الشرق من السماء لونا قرمزيا شاعريا. ذهب عقل طارق إلى التفكير في الفروق الواضحة في طقوس التعرف إلى الفتيات في الشرق وإلى الفتيات في الغرب من صراحة وكلام مباشر دون حواجز ولاحياء نسبيا ولا اعتبارات اجتماعية وعشائرية، لاوساطة ولا سلطان لأحد عليها إلا هواها ورغباتها. طلبا الطعام.. راح يطري جمالها وأنوثتها.. تقبلت كلامه بابتسامات وشكر، لم يذكرا أحوال العمل إلا قليلا، أكلا على أنغام الموسيقى المنبعثة من ساحة الرقص في القاعة المجاورة. راقصها، ثم خرجا وتمشيا على حافة الميناء ومازال طارق يرى فيها تلك الفتنة الجذابة واللغز المثير. دخل المساء ولم يردعه شيء، لم يردعه الفرق في السن ولم يردعه ارتباطه الأخلاقي والقانوني بزوجته. وتحت ضوء نصف القمر اللامع تكلم عن نفسه واخترع الأكاذيب بما يتوافق مع تينا وأهوائها حسب مااستشف من حقائق وتخمينات. كان يخوض في الحديث متوجها إليها تارة وإلى البحر تارة أخرى محورا في الأفكار حسب ماأملته نظراتها إليه وحسب مارأى من توجهاتها وآرائها في الحياة. بقي من حياته أسرارها في قلبه فلم يبين لها أنه متزوج وقد وضع الخاتم في جيبه كما فعل في المرات الماضية. ومياه البحر تعكس أضواء الشاطئ المقابل كالسهام الملونة فتخرج للناظرين لوحة رائعة، ولم يتوقف الرذاذ.. رذاذ الأمواج ينقله الهواء البحري العليل. قالت تينا فيما قالته إنها لاترغب أن تقضي بقية حياتها دون رجل ولكنها قالت بأنها تفضل البقاء وحدها رافضة الارتباط بأحمق مجنون يعكر عليها صفو حياتها ويسوقها إلى التوتر النفسي والصواعق الزوجية المدمرة. قال فيما قاله طارق إنه يرغب الاستقرار في المستقبل ولكن الوقت غير مناسب بعد فهو يحتاج إلى بعض الوقت حتى يقف على قدميه. غاب الشاطئ والأضواء المنكسة خلفهما رويدا رويدا وهما في طريق العودة..

.. بدت تينا أنها تزاول مرحلة مراهقة ثالثة أو رابعة أو سابعة وبدا طارق أنه يزاول مرحلة مراهقة ثانية من ناحية مختلفة في حياته.كان لكل منهما أسبابه الخاصة في التوجه والرغبات والانطلاق.لم لا..؟ وليس للتجارب نهاية في هذه الحياة.. ماأحلى الآمال عندما تتوضع أمام المرء فيختار منها مايريد!..

بعد عودته ركن السيارة في الشارع مقابل العمارة وانحدر في شارع ويسترن الذي مازال مكتظا بالمارة والسيارات حتى تلك الساعة.. ترك وراءه تلال هوليوود المعتمة، ومد نظره على طول الشارع النازل، الأضواء في كل مكان، تعبر عن استمرار الحياة ولاتبالي بأحد.. سيارات مسرعة.. مارة مشغولون منهم العاقل ومنهم المجنون.. لم يلتفت لأحد وهو يتمشى مفكرا بنفسه وحياته التي تتجدد في طريق أحس أنه فرض عليه بعد قرار واحد اتخذه بنفسه، ثم فكر بتلك النزهة الجميلة إلى لونغ بيتش.. لماذا انتهى جمالها بعد العودة؟! لماذا لم تسألني تينا إلى بيتها مع أن ولداها عند أبيهما؟! أهي تمتحني لتعرف نواياي من هذه العلاقة؟

.. رجع صاعدا في نفس الشارع إلى منزله، كانت هيلين في نهاية رسالة إلى أختها في إيطاليا، نظرت إليه ورأت أن ثيابه لم تتسخ أو تتجعد من ذلك العمل الإضافي الذي زعم أنه ذاهب للقيام به في مكان عمله المعهود. سألته مستفسرة فأجابها ببرود إن العمل لم يكن في المستودعات وإنما بين الرفوف لأخذ تعداد الكميات المستهلكة. سألها أن ترسل سلامه إلى أختها وهي الوحيدة التي باركت زواجها منه. انقضت بقية الأمسية في صمت عدا بعض المعاتبات والاتهامات، كان طارق منشرح الصدر في داخله، عبوس الوجه. ساورت هيلين بعض الشكوك في أنه يكذب عليها، لكنها لم تصل إلى السبب وراء كذبه.

.. ولم يكن لسعيد حظ في زيارة طارق له تلك الأمسية.

5

تردد سعيد على مكتب روزي تريبس منتظرا فرصة في زبون دسم ولكن دون جدوى... إنها بداية الصيف والموسم موسم سياحة، فأين أنتم أيها السياح؟! كان يعود إلى منزله أو إلى مكان غيره خائب الأمل، إلا أنه تلقى مرة مكالمة من ريمون مساعد سهيل بشأن زبون يطلب دليلا. كان مع الزبون فتاة أمريكية شقراء في ثياب أظهرت مفاتنها، بدت كصديقته أوزوجته. قال وهو يصافحه:

- عمر السعدون..

أشار إلى الفتاة بنظره وأكمل:

- روزآن روبرتسون، صديقة.

أجاب:

- سعيد....

قال ريمون مقاطعا:

هذا هو سعيد سأتركك معه.

ودون وعي من عمر لفتت انتباهه فتاة جذابة وهي خارجة من مكتب سهيل.. إنها صباح.. أعجبته ولكنه احترم وجود روزآن معه واستمر في الكلام ناظرا إلى سعيد:

- أين تريد أن نتكلم؟ هنا؟

- في منزلي.. إنه قريب من هنا..

ودعوا سهيلا ثم غادروا إلى منزل سعيد الذي استضافهما وقدم لهما المشروبات والرز بالحليب. تفحص عمر صالة البيت ورأى صور السيارات على الجدران، ووقع نظره على المكتب الصغير والكمبيوتر والفاكس.. والأوراق المتناثرة هنا وهناك، وكؤوس الشاي المتسخة.. وفي الركن نرجيلة عليها آثار التبغ والرماد.. عرف أن سعيدا أعزب.. ثم قال وروزآن جالسة إلى جانبه ويدها على فخذه:

- تقابلنا في أسوان عندما كانت تقوم بجولة سياحية في مصر وقد انتشلتني من المياه بعد أن سقطت من القارب أثناء شرحي للمجموعة عن المناطق الأثرية، اتكأت على عمود انهار تحت ثقلي، كان لقاء رطبا مبللا، وها نحن نتقابل ثانية!!

قال سعيد:

- شيء جميل أن تكون اللقاءات هكذا.

ضحكت روزآن وقالت:

- المرة الأولى فقط كانت مصادفة أما اللقاء هنا فكان على موعد.

- مالذي أتى بك إلى هذه البلاد؟

- تشجيع من روزآن ورغبة في إيجاد عمل جيد.

- وماذا كنت تعمل في أسوان؟

أجاب عمر وقد مر أمامه طيف تلك الفتاة الجذابة التي رآها في المكتب السياحي:

- مرشد ودليل سياحي. أحفظ تاريخ المصريين القدماء كما أعرف اسمي تماما.. من العائلة الأولى في القرن الثلاثين قبل الميلاد.

حاول تناسي تلك الفتاة فهو في مرحلة حرجة مع روزآن ويرغب في جعلها تميل إليه أكثر وأكثر. كان فخورا جدا بعمله ومايقدمه من معلومات وخدمات للبشر من معرفة التراث ومن أجل الاستمتاع بالحضارات السابقة وآثارها. ضنت الحياة عليه بعض الشيء فصار يراها باهتة جامدة من دون تقدم ملحوظ من الناحية المادية. لم تكن المادة أكبر همه ولكنها في الفترات الأخيرة استحوذت على جزء لايستهان به من تفكيره وبخاصة بعدما قابل روزآن وأصبح يرغب في الاقتراب منها...

.. بعد عدة محاولات في الكلام عن السياحة وأشكالها ومجالاتها أيقن عمر أن سعيدا لايملك المعلومات الكافية التي يمكنه أن يستفيد منها في التوصل إلى مآربه من ناحية العمل في تلك المجالات. ترك الأمر لنفسه ولجهده الشخصي ولروزآن ولكنه انضم تدريجيا إلى السهرات المنزلية عند سعيد وأصدقائه، وبقي يتردد على مكتب روزي تريبس محاولا إيجاد عمل. لم تكن روزآن أقل انتباها منه بشأنه فصارت تسأل حولها عن إمكانية عمل له.

. . . . . . . . . .

في تلك الأوقات انضم إلى المجموعة ثروت المنباوي وهو رياضي سابق حاز على عدة ميداليات في ألعاب القوى ثم خانه الدهر وانتقل به من دون تخطيط عميق إلى تلك البلاد بعد أن خارت قواه الخارقة وطعن في السن. عمل في إحدى شركات الأدوية لمدة عامين كفني كمبيوتر بعد أن أنهى دورة تدريبية لمدة ستة أشهر. استغنت الشركة عن خدماته، لكنه وجد عملا بديلا في شركة للتأمين لإدخال تقارير الحوادث إلى شبكة الكمبيوتر، وقد رأى مارأى وسمع ماسمع من الأكاذيب وابتداع الأقاويل من أجل المصالح الفردية والتكالب على الدرهم والمادة. خسر عمله الثاني وأمضى شهورا طوالا يجد في البحث عن عمل. لم تكلل جهوده بالنجاح فعرض على سعيد المشاركة في الأعمال الحرة التجارية. قبل سعيد مع أنه لايحب الشراكة مخافة الحسد، ولكن لم تكن الأمور مجدية تماما فكان الاثنان يتخبطان كمن يدور في حلقة مفرغة ولايعرف كيف يتدبر أمره في الخروج. كانا يبالغان في الكلام عن الصفقات التي يعقدانها أمام الأصدقاء حتى أضحيا يصدقان مايملياه عليهم. بقي يتردد على السهرات المسائية في منزل سعيد. جاء مرة في نهاية السهرة وقد أعياه التعب. طلب من سعيد تحضير النرجيلة وكأسا من الشاي الثقيل ثم قال:

- هناك فرصة جديدة في السوق ربحها مضمون مئة بالمائة.

ماإن نطق هذا الكلام حتى أجابه طارق:

- لاشيء في هذه الحياة مضمون بهذا الشكل.

- اسمع لي وستوافقني في الرأي بعد لحظات: تعرفت إلى تاجر ألبسة وقد عرض علي فكرة أن أشتري له سراويل الجينز الأصلية من نوع ليفايز من الأسواق الكبيرة والمتعددة الأجنحة والأقسام المنتشرة في المنطقة...

- ومن أين ستأتي بالأموال ياعزيزي؟

- لاداعي لهذا فهو الذي سيمولني بالأموال اللازمة للشراء وسيعطيني دولارا مقابل كل سروال، وأعتقد أنني سأشتري مالايقل عن ثلاثمائة سروال يوميا، وبذلك لاأدفع ضرائب ولاأحد يدري بالأمر.

- أشك في أن تكون هذه العمليه قانونية!

- بل لاغبار عليها، ماعلي إلا أن أشتري السراويل من الأسواق بطريقة قانونية ونظامية وأسلمها إلى صديقي التاجر وليفعل بها مايشاء.

لم يكن اقتناع الحاضرين كليا بالفكرة، حذروه منها ولكنه قنع بالأمر الذي قد عزم عليه لأنه لن يخسر إلا وقته إن كانت العملية غير مجدية. ذهب وعمل بجمع السراويل فإذا هي عملية مربحة. وسع نطاق العمل وخرج إلى المناطق المجاورة لجمع السراويل، واستمرت الأرباح. لم يكن سعيد قد لاحظ في بادئ الأمر كمية النقود التي كان يحصل عليها ثروت ولكنه لاحظ أن ثروت صار مشغولا ولايأتي دائما إلى السهرات عنده ولم يعد يتكلم عن التجارة معه. أراد أن يعرف أكثر عن أمر ثروت فراح يسأله ويسأله لأنه بحاجة إلى تجارة مربحة تعيد له ثقته بنفسه بعد أن وضع اسم التاجر على نفسه، وكذلك يريد أن يوفي ديونه التي تتراكم يوما بعد يوم على بطاقات الإئتمان. صار ثروت حديث الأصدقاء بعد النجاح المادي الذي حققه من شراء السراويل. خاف سعيد أن يشاركه ويصبح حديث الأصدقاء فيحسدونه، ولكن الطمع بدا وكأنه سيغلب لامحالة.

 
Google
©2004جميع الحقوق محفوظة ريان الشققي